أعلامانفوجرافيكس

شمس المعالي قابوس .. الملك صاحب القدر الجليل

قال: "الكريم إذا وعد لم يخلف، وإذا نهض لفضيلة لم يقف"

اسمه ونشأته:

شمس المعالي أبو الحسن، قابوس بن أبي طاهر وشمكير بن زيار بن وردان شاه الجيلي، أمير جُرْجَان وبلاد الجيل وطبرستان.

شمس المعالي – ملكه:

ولي شمس المعالي جُرْجان وبلاد الجيل وطبرستان سنة 366هـ، وأخرجه منه عضد الدولة البويهي سنة 371هـ، ثم استعادها قابوس سنة 388هـ.

جرجان (إيران) ذات الطبيعة الخلّابة

وكان ملكاً جليل القدر، بعيدَ النظر، قويَّ الهمة، ورغم جلالة قدره، واتساع بصيرته بشؤون الدولة والسياسة، إلا أنه كان لا يؤمن حال سطوته وبأسه، حيث كان يُقابِل زلة القدم، بإراقة الدم، ولا يذكر العفو عند الغضب، وبقي على هذه الحال حتى نفرت منه النفوس، واشمأزت منه القلوب، وخاصة بعد أن قتل جماعة من خواصه وحجَّابه؛ بحجة أنهم خذلوه في حربه ضد عضد الدولة، ففسدت القلوب عليه، وأجمع أعيان عسكره على خلعه ونزع الأيدي عن طاعته.

فلما ترك جُرْجان ذاهباً إلى أحد معسكراته، قصده العسكر، ونهبوا أمواله وخيله، فدافع عنه من كان في صحبته من خواصه، فرجعوا إلى جُرْجان وملكوها، وبعثوا إلى ولده أبي منصور منوجهر، وهو بطبرستان، يستحثونه على الوصول إيهم لعقد البيعة له، فأسرع في الحضور، فلما وصل إليهم أجمعوا على طاعته إن خلع أباه، فلم يسعه في تلك الحال إلا المداراة والإجابة؛ خوفاً على خروج الملك عن بيتهم.

ولما رأى الأمير قابوس صورة الحال توجه إلى ناحية بسطام بمن معه من الخواص؛ لينتظر ما يستقر عليه الأمر، فلما سمع الخارجون عليه انحيازه إلى تلك الجهة حملوا ولده منوجهر على قصده، وإزعاجه من مكانه، فسار معهم مضطراً، فلما وصل إلى أبيه اجتمع به وتباكيا وتشاكيا، وعرض الولد نفسه أن يكون حجاباً بينه وبين أعاديه، ولو ذهبت نفسه فيه.

ورأى الوالد أن ذلك لا يجدي، وأنه أحق بالملك من بعده، وسلم خاتم المملكة إليه، واستوصاه خيراً بنفسه ما دام في قيد الحياة، واتفقا على أن يكون في بعض القلاع إلى أن يأتيه أجله، فانتقل إلى تلك القلعة.

تحولات عسكرية وإستراتيجية مهمة شهدتها بلاد جرجان

وشرع الولد في الإحسان إلى الجيش، رغم عدم أمانهم منه، ولا زالوا يضغطون على ابنه منوجهر حتى قتل أباه الأمير قابوس سنة 403هـ، وقيل: إنه لما حبس في القلعة مُنِعَ من الغطاء والدثار، وكان البرد شديداً، فمات من ذلك، ثم قتل منوجهر جماعة ممن أشار عليه بقتل أبيه، وندم حين لا ينفع الندم.

شمس المعالي – شعره:

من شعره قوله:

قُــل للَّذي بصــروفِ الدَّهــرِ عيَّــرَنا .. هــل حاربَ الدَّهرُ إلَّا مَنْ لَهُ خَطَرُ

أما ترى البحرَ تعلو فوقَهُ جيفٌ.. وتستقر بأقصى قعره الدُّرَرُ

فــإن تكُــن عبثَتْ أيدي الزَّمــانِ بنا .. ومسَّنا مِنْ تمادي بؤسِهِ ضَرَرُ

ففي السَّمَــاء نجــومٌ ما لهــا عددٌ .. وليـس يكسفُ إلَّا الشَّمسُ والقمرُ

شمس المعالي قابوس صاحب شعر متميز

وله شعر غزلي منه هذه الأبيات:

خطــراتُ ذكــرك تستثيــرُ مودَّتـي .. فأحـسُّ منها في الفؤادِ دبيبا

لا عضــوٌ لــي إلَّا وفيــه صبابـــةٌ .. فـكـــأنَّ أعضائـي خُلِقْنَ قلوبا

مأثوراته:

  • “الكريم إذا وعد لم يخلف، وإذا نهض لفضيلة لم يقف”.
  • “العفو عن المجرم من مواجب الكرم، وقَبول المعذرة من محاسن الشيم”.
  • وقال أيضاً: “الدَّهر شَرٌّ كلُّه مُفصَّله ومُجمَلهُ، إِن أضحَكَ سَاعةً أبكى سَنةً، وإن أتى بِسيئةٍ جَعَلَها سُنَّةً، ومَن أرادَ مِنه غيرَ هَذا سِيرةً، أرادَ مِنَ الأعمى عَيناً بَصِيرةً، ومَن ابتغى مِنهُ الرِّعاية؛ ابتغى مِنَ الغُولِ هدايةً”.
بلاد فارس قدمت للحضارة العربية الإسلامية أسماءً علمية وفكرية هائلة

رسائله:

من رسائله ما كتب به إلى بعض إخوانه:

“كتبت، أطال الله بقاء مولاي، وما في جسمي جارحة إلا وهي تودّ لو كانت يداً تكاتبه، ولساناً يخاطبه، وعيناً تراقبه، وقريحةً تعاتبه، بنفسٍ ولهى، وبصيرةٍ ورهى، وعينٍ عبرى، وكبدٍ حرّى، منازعة إلى ما يقرّب منه، وتمسكاً بما يتصل عنه، ومثابرةً على أملٍ هو غايته، وتعلقاً بحبل عهدٍ هو نهايته، وخاطري يميل نحوه، ونفسي تأمل دنوّه، وترجو وتقول أتراه، بل لعله وعساه، يرقّ لنفس قد تصاعد نفسها، ويرحم روحاً قد فارقها روحها ومؤنسها”.

جمال خطه:

اشتُهِر شمس المعالي بجمال خطه، وكان الصاحب بن عباد إذا رأى خطه قال: “هذا خط قابوس، أم جناح طاووس؟!”، ثم ينشد قول المتنبي:

في خَطِّــهِ مِـن كُـــلِّ قَلـبٍ شَهــوَةٌ .. حَتّــى كَأَنَّ مِدادَهُ الأَهواءُ

وَلِكُـــلِّ عَيــنٍ قُــرَّةٌ فــي قُـــربِــهِ .. حَتّـــى كَأَنَّ مَغيبَهُ الأَقذاءُ

الصاحب نب عباد يثني على حسن خط شمس المعالي قابوس

أقوال العلماء فيه:

  • قال الثعالبي: “خَاتم الْمُلوك، وغرة الزَّمَان، وينبوع العدل والإحسان، ومن جمع الله له إلى عزة الملك بسطة العلم، وإلى فصل الحكمة نَفاذ الحكم، فأوصافه لا تُدْرَك بالعبارات، ولا تدخل تحت العرف والعادات”.
  • جاء في كتاب “ظهر الإسلام” لأحمد لأمين : “لقد اتصَلَ البيروني (أبو الريحان) بشمس العالي قابوس بن وشمكير، وألَّفَ لهُ “الآثار الباقية”، وهو يبحثُ في التواريخ التي كانت تستعملها الأُمَم، والاختلاف في الشُّهور والسِّنين، والتقاويم عندَ الأُمَم وأُسُسَها، إلى غيرَ ذلكَ مما يُسمِّيهِ الفِرَنْج الآن علم الكرونولوجيا”.

شمس المعالي – وفاته:

توفي شمس المعالي قابوس سنة 403هـ، ودُفِنَ بظاهر جُرْجَان.

المصادر:

  • الأعلام للزركلي (5/170).
  • الظرائف واللطائف واليواقيت لأبي منصور الثعالبي، جمعها أبو نصر المقدسي ـ تحقيق ناصر محمدي محمد جاد.
  • معجم الأدباء (5/21181/رقم 899).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (4/233).
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/79/539).
  • ظهر الإسلام، أحمد أمين.

https://www.researchgate.net/figure/Croplands-adjacent-to-Golestan-National-Park-northeastern-Iran-Conser-vation-efforts_fig1_313187067

Photo by Omid Armin on UnsplashCopy


شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى