أعلام

شمس الدين التبريزي .. المرشد الروحي للرومي

اتبع المذهب الشافعي من غير تعصُّبٍ، فكان إذا استحسن شيئاً على الحنفية قَبِلَه وأخذ به

شمس الدين التبريزي:-

محمد بن علي بن مُلْك دادْ، شمس الدين التبريزي وهو من أهل تَبْريز، المرشد الروحي للإمام جلال الدين الرومي، وُلِدَ سنة 582هـ، كان في مدينة تَبْريز مريداً لأحد العارفين بالله المجهولين في ذلك الوقت، وكان اسمه أبو بكر سَلّه بافْ أو زَنْبيل بافْ -وهي كلمة فارسية تعني ناسج السِّلال أو ناسج الزَّنابيل-.

الرومي تتملذ على يد التبريزي وافتقده بعد مغادرته إياه

صفاته:-

اتصف بالحلم، وقلة الغضب، كان يثني على أشخاص مغمورين رغم خروج البعض منهم عن جادة الأخلاق والدين، وأبرز شخصية عنده في تاريخ عالم العِرْفان هي شخصية أبي يزيد البِسْطامي، عمل التبريزي معلماً للأطفال، وكان معلماً قاسياً، استطاع أن يؤدِّب ويُهذِّب أشرس الأطفال وأصعبهم.

مكانة التبريزي:-

للشيخ شمس الدين التبريزي مكانة كبيرة ومرموقة عند علماء ومشايخ الصوفية، ويكفي أن الإمام جلال الدين الرومي مدحه في الكثير من أشعاره وقصائده، هذا المدح قدم لنا تصوراً مدهشاً عن التَّبرِيزِي، حيث رسم له شخصية عجيبة فوق قدرات وإمكانيات البشر، ومن جملة ما قاله فيه هذا البيت:

يا مفخر التَّبرِيزِيين، يا شمس الحقِّ والدِّين، تحدَّثْ ..

‏لعلَّ كلامي هذا كلَّه يكون صدى لكلامك

ترحال شمس التبريزي ومعاناته:-

نشأ شمس الدين في تبريز، غير أن سلوكه وحاله أصبح موضع إنكارٍ في بلده من قِبَل المتعصبين في ذلك الوقت، فتركها وغادرها في 21 شوال، سنة 642هـ متوجِّهاً إلى قُوْنِيَةَ، والتي لقي فيها نفس المصير حيث اتُّهِم بالسحر، فبقي فيها 16 شهراً، ثم قرر مغادرتها والهجرة من قُوْنِيَةَ إلى دمشق.

بقي في دمشق مدة 15 شهراً، ثم عاد متوجِّها إلى قُوْنِيَةَ سنة 644هـ، ليلقى ذات المصير من المتعصبين ضده، فهموا بقتله وفكَّروا أن يرسلوا إليه ولداً ليهدم جداراً فوقه.

وبعد ذلك غاب شمس الدين التَّبرِيزِي، وتوارى عن الأنظار، ولم يعلم أحد أين كانت وجهته وغيبته، وكان ذلك سنة 645هـ، وبحث عنه الإمام جلال الدين الرومي كثيراً، وسافر إلى دمشق للبحث عنه، وخصص جائزة لمن يأتيه بخبره أو مكانه، وبقي يبحث عنه لمدة سنتين ما بين أعوام 645 هـ – 647 هـ.

لقاء شمس الدين التبريزي بالإمام جلال الدين الرومي:-

كان للقاء جلال الدين الرومي بالشيخ الصوفي شمس الدين التبريزي أعظم الأثر في حياته العقلية والأدبية، فقد وفد شمس الدين في تجواله على مدينة قُوْنِيَةَ في شهر جمادى الآخرة سنة 642هـ، وفيها لقي جلال الدين فأصبح له عليه سلطان عظيم، واعترف جلال الدين الرومي بفضل أستاذه عليه، فأهدى إليه طائفة كبيرة من كتبه، وانصرف جلال الدين إثر هذه المقابلة عن دراسة العلوم وانقطع للتصوف، وعبَّر عن حبه وعشقه لشمس الدين التَّبرِيزِي بهذه الكلمات الرائعة:

يا شمس تبريز أنت الشمس فكيف أمدحك؟! ..

إن لي ألف لسان صارم كالسيف، لكنني في وصفك ألكن

جلال الدين الرومي

مقالات شمس تبريزي:-

حفظ البعض -ممن حضر أحاديثه مع جلال الدين الرومي- كلمات رائعة لشمس الدين التَّبرِيزِي وجمعت في كتاب «مقالات شمس تبريزي»، وكلامه في هذا الكتاب يُعبِّر عن أجزاء من الميراث الفكري والإبداعي البشري التي بثها في ثنايا هذه الكلمات والمقالات، وكان شمس الدين التبريزي يسمي هذه المدونات «الجُذاذات» أو «القُرضات» على سبيل السخرية والاستهزاء.

ومقالاته تُعبِّر عن مدى علمه، فقد كان عالماً بالفقه، متبعاً للمذهب الشافعي من غير تعصُّبٍ، فكان إذا استحسن شيئاً على مذهب الحنفية قَبِلَه وأخذ به، وله نصيب كافٍ من آداب العرب، وقد نُسِب إليه شعر ونظم يُعبِّر عن خبرته في الفن وذوقه المتعالي.

قونية .. مركز الطريقة المولوية
قونية .. مركز الطريقة المولوية

مختارات من ديوان شمس الدين التبريزي:-

  • رأيتُ هناك ملكاً، سيداً، راعياً للأرواح، فاتناً، مطيلاً للعمر، شديد اللطف، حسن اللقا (مثل موسى).
  • وجبل الطور والوادي والصحراء من شعشعة نوره، صارت كجنة الخلد من الخضرة والضياء (مثل موسى).
  • ومن أجل هذا اللعب بالحبال كًن شجاعاً وانحنِ، وألقِ بنفسك في النار عندما يضاء شمعه (مثل موسى).
  • وانظر إلى غليان الدم من أكباد المؤمنين، ولا تسل عن ظلمة تلك الجمَّة الكافرة وجورها.
  • فما هو ديدن الطائر.. أن يطير من الكُوُّة، فإن كًنتَ كالطير تعال.. وطِر.. ولا تسل عن الباب.
  • وارحل من الماء المالح إلى العذب، وارجع إلى صدر الروح من صف النعال.
  • لي عين شبعي ولي روح شجاعة، ولي جرأة الأسد، فلي كوكب كالزهرة مضيء.
  • كنتُ ميتاً فأصبحت حيَّاً، كنتُ باكياً؛ فأصبحتُ ضاحكاً، لقد حلَّت دولة العشق، وصرتُ دولةً راسخة.
  • فأنتَ عين الشمس.. وأنا موضع ظل الصفصاف.. وما دمت فد حقرتني.. صرت دنيا في ذوبان.
  • كُن كالشطرنج .. ينقل صامتاً.. وكله لسان، فمن وجه مليك الدنيا ذاك صرت مباركاً سعيداً.
  • فإن جعلتني كذلك أكون كذلك، وإن أردتني هكذا أكون هكذا.
  • فالعشق والمعشوق هما الباقيان إلى الأبد، فلا تعلق القلب بشيء سواهما فما عداها مستعار.

وفاته:-

في العام 644 هجري (1246 م)؛ اشتعلت فتنة كبرى في أرجاء مدينة قونية، وفيها قُتِلَ كلٌّ شمس الدين التبريزي إلى جانب نجل الرومي الأكبر (علاء الدين)، إذ عاش جلال الدين فترة عصيبة ولحظات مؤلمة ناتجة عن فقدانهما، فهتف بقصائد لاهبة مليئة بالحزن اللاعج الدَّفين، والغَزَل الدِّيني العميق، وأسماها “ديوان شمس تبريز”، ومما قاله من قصيدةٍ له:

من ذا الذي قال إن شمس الرُّوح الخالدةِ قد ماتت؟

ومن الذي تجرأ على القول بإنَّ شمْسَ الأمل قد تولَّت؟

إنَّ هذا ليس إلَّا عدوَّاً للشَّمْس وقف تحْتَ سَقْف،

وربط كلتا عينيه ثمَّ صاح: ها هي ذي الشَّمْس تموت.

وحينما شَرَعَ الرومي في نظم “المثنوي”، أي بعد سنوات من فقدانه التبريزي، صديقه الروحي، فقد أدرَجَ الأول قصائد يستشعر قارئها بمقدار وفائه لرفيق دربه وأستاذه وملازمه، حيث قال:

وحين جاء وجهُ شمسُ الدِّين حَجَبت شمسُ السَّماءِ الرَّابعةِ وجهها

ومَا دَامَ قد ذُكِرَ؛ فقد وَجَبَ علينا أن نقومَ بشرحِ رمز من إنعامهِ

فهذا الشذي قد جذب انتباه روحي، إذ وجدتُ فيهِ رائحة قميصَ يوسُف

فبحقِّ صُحبة السِّنين، اذكُر لنا حالاً من أحوالهِ الطَّيبة

حتى تضحَكَ الأرضُ والسَّماء، وتزداد قُدرة العقل والرُّوحِ والعين مائة مرة!

وماذا أقول، وليس فيَّ عِرْقٌ واعٍ، ليشرَحَ حالَ ذلكَ الرَّفيقَ الذي لا نِدَّ له؟

المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى