أخبار العرب

شداد بن عاد .. بين الحقيقة والأسطورة

لا يمكن التسليم بهذه الروايات لعدم ورودها بسند صحيح

توطئة:-

يعد شداد بن عاد واحد من أشهر ملوك قوم عاد (من العرب البائدة)، لاسيما مع ارتباط اسمه الوثيق بتشييد مدينة إرم الوارد ذكرها في القرآن الكريم، فتُرى من هو شداد بن عاد ؟ وهل هو الذي بنى فعلاً مدينة إرم ذات العماد؟ ولماذا بناها؟

شداد بن عاد:-

 من أكثر الشخصيات التي نُسِجت حولها العديد من القصص التي جعلته أقرب لأن يكون أسطورة، فقيل: إنه عاش 500 عام، وقيل 900 عام، وقد ذكر المؤرخون له العديد من الفتوحات التي جعلته شبيهاً بالإسكندر وذي القرنين، حيث قالوا: إنه بلغ أقصى المشرق إلى سمرقند وأرمنية والشام، وأنه أقام بالمغرب 200 سنة، وأبى أن يدخل قصر غمدان باليمن، ومضى إلى مأرب وبنى هناك قصير العقيق.

شداد بن عاد هو من بنى إرم
مدينة إرم المتخيلة

قصة الصعاليك الثلاثة والمغارة التي فيها شداد بن عاد:-

كان الهميسع بن بكر واحد من أكثر صعاليك اليمن جسارة، وكان كثير الخروج للكهوف والمغارات باليمن وعمان، وكان معروفًا تقصده الصعاليك، وذات يوم جاءه رجلان من أفتك الصعاليك أحدهما من عبس والآخر من خزاعة، وقالا له :”احملنا معك فإنا نبلغ مرادك”.

فخرج معهما، واقتحموا الأهوال حتى وصلوا إلى باب مغارة، وسمعوا من داخلها دويًا عظيمًا، وإذا الباب عليه نقش بالقلم الحميري مكتوب فيه:

لا يدخل الكهف إلا ذو مخاطرة أو جاهل بدخول الكهف مغرور

إن الذي عنده الآجال حاضرة موكل بالذي يغشاه مأمور

فلما رأوا ذلك؛ غلب الفزع والخوف على العبسي والخزاعي، فأما العبسي؛ فقد استدرك ذلك، وتشجع للدخول، بينما قال الخزاعي: إن هناك في الدنيا من لم يبلغ ذلك المبلغ، وولى هاربًا.

وقرر العبسي والهميسع الدخول إلى الكهف، وبينما هما سائران في الكهف، إذا بأصوات حيّات يصفرن، وبدأ الخوف يدب في نفس العبسي، فسأل الهميسع هل هو متقين من ذلك الكهف؟ فأجابه نعم، ثم قال له إنه قد حمل نفسه على المكروه، وإنه يجب أن يفكر قبل أن يقدم خطوة في ذلك الكهف، ولكن الهميسع كان يتقدم، ولا يلتفت لكلامه، وبينما هما كذلك إذ وجدا بابًا عليه نقش بالقلم الحميري:

انظر لرحـــلك لا يساق فإنه ….. حتم الحمام إلى العرين يساق

يا ســـاكني جبلي شــمام لعله … يوفي بما أجنبتما الميثاق

قومـــوا إلى الإنسي أن محله … يدعو إلى يوم الفراق فراق

فولى العبسي هاربًا، ونادى عليه الهميسع، فلم يلتفت له، وقال :”قاتل الله أخا عاد ما أجسره”.

فكاد الهميسع أن يفر، ولكنه حمل نفسه على الأصعب، وأكمل المسير، فإذا به يرى بابًا أعظم هولًا وأشد وحشة، منقوش عليه بالقلم الحميري:

قد كــــان فيما مضى واعظ …. لنفسك البينة المسمعه

إن جهــــل الجــــاهل ما قد أتى … وكان قلبه حينا في دعه

فلما دخل الباب الثالث؛ سمع دويًا عظيمًا وهدة، وإذا به يرى تنيناً أحمر االون يفتح فاه، فخاف ورجع هاربًا، فلما لم يلحقه التنين علم أنه طلسم وأنه ليس حيوانًا؛ إذ لو كان حيوانًا لجرى خلفه.

روايات عن شداد بن عاد
روايات كثيرة نقلت عبر الإخباريين الكلاسيكيين

الهيمسع يجابه مخاوفه ويستمر في دخول المغارة

فدخل مرة أخرى وسار ببطء، وخفف وطأ قدمه، ولما بلغ موضعًا سمع دوي التنين، فحفر حفرة أوقع التنين فيها، ثم تقدم فوجد بابًا أشد هولًا، وعليه أسد، ففعل به كما فعل بالتنين.

فلما دخل الباب؛ إذا هو بدار عظيمة، فيها سرير عليه شيخ، وعلى رأسه لوح معلق من الذهب، وسقف البيت مرصع بأصناف الياقوت، ومكتوب على اللوح :”أنا شداد بن عاد ، عشت خمسمائة عام، وافتضضت فيها ألف بكر، وقتلت ألف مبارز، وركبت ألف جواد من عتاق الخيل”.

وتحته مكتوب:

من ذاك يا شداد عاد أصبحت … آماله مهزومة الأقدام

يــــا من رآني إنني لك عبرة … من بعد ملك الدهر والأعوام

فكأنني ضيف ترحل مسرعاً … وكأنني حلم من الأحلام

احـــذر تصــاريف الزمــان وريبه … لا تأمنن حوادث الأيام

هلا يضـــــرك من كـــلامي مرة … يا ساكن الغيضات والآجام

ثم لما مال الهميسع إلى الركن الذي عن يمينه، وجد سرير من ذهب، وعليه لوح مكتوب عليه :”أنا حية
وهذه لبة بنت شداد بن عاد أتت إلينا أزمان فيها الطارف والتليد على عبيدنا صاعاً من بربصاع من در فلم
نجده – فمن رآنا فلا يثق بالزمان وليكن على بيان فإنه يحدث العز والهوان”

فأخذ كل هذه الكنوز وانصرف.

قصص وروايات نسجت حول المدينة

إرم ذات العماد:-

ورد ذكر هذه الجملة الكريمة في سورة الفجر، حيث قال الله تعالى:” أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ
ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد”

وقد ذكر المفسرون في تفسير هذه الآية الكريمة أقوال عدة، وهذه الأقوال مرتبطة بتفسير الآية السابقة لها
والتي تليها، ومن أهم هذه الأقوال:

  1. قيل إن إرم هو سام بن نوح، وقيل إرم أبو عاد.
  2. أمة من الأمم.
  3. بمعنى القديمة وقيل بمعنى القوية.
  4. وقيل إنها مدينة ثم اختلفوا في مكانها:
  • فقيل هي في الإسكندرية، واستدل القائلون بذلك بوجود منارة الإسكندرية وهي من العجائب، ورُد
    بوجود مثل المنارة، واستدل بعضهم بوجود كتاب فيها به (أنا شداد بن عاد ، الذي رفع العماد ، بنيتها
    حين لا شيب ولا موت ) .
  • وقيل في دمشق، واستدلوا بروعتها وعدم وجود مماثل لها.
  • وقيل بل هي بالأحقاف، بدليل قوله تعالى :”واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف”.

وهي إرَم ذات العماد التي ذكرها الله عزَّ وَجَل في القرآن، وذَكَرَ بعضُ الرُّواةِ أن صاحبها كَتَبَ عليها: بُنِيَت هذه المدينة والرُّخامُ يُعْجَنُ كالشَّمْعِ، والحَجَرُ كالطِّين.

— المؤرِّخ ابن زولاق (918-996 م) يتحدَّث عن الإسكندرية.

بناء شداد بن عاد مدينة إرم:-

لقد قال رواة الأخبار: إن إرم كانت مدينة قصة عجيبة في بنائها، حيث ذكر القرطبي وغيره أن
عاداً كان له ابنان شداد وشديد، وأن شداد ملك ودانت له الناس، فلما سمع بذكر الجنة، قال إنه سيبني
مثلها، وبنى إرم في بعض صحاري عدن في 300 سنة، وكان عمره آنذاك 900 سنة، وكانت مدينة لا مثيل لها
في عظمها وروعتها، فقصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة. ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله
عليهم صيحة من السماء فهلكوا.

إرم .. المدينة الأسطورية

وقيل: إن عبد الله بن قلابة خرج من صنعاء في طلب إبل له، فوقع على آثار المدينة، فحمل ما قدر عليه منها من المسك والكافور والياقوت، فلما علم
معاوية بن أبي سفيان بأمره، أرسل إليه ليعلم منه الخبر، فلما قصَّ عليه ما رأى في تلك المدينة، بعث الخليفة الأموي الأول إلى كعب الأحبار فسأله عنها، فأخبره أنها مدينة إرم، بناها شدَّاد بن عاد، وأن شخصاً من أمة محمد سيذهب إليها في طلب إبل له، ثم التفت إلى ابن قلابة، وقال والله ذاك الرجل.

شداد بن عاد عند القزويني :-

زكريا بن محمد بن محمود، عماد الدين أبو يحيى الأنصاري القزويني ، المتوفى سنة 682 هجرية، تعرَّض لمواصفات المدينة التي شيدها شدَّاد بن عاد، راسماً في كتابه “آثار البلاد وأخبار البلاد” مشاهد ذات سمة أسطورية.

  • أمرهم أن يطلبوا أفضل فلاة اليمن، ويختاروا أطيبها تربة، ومكنهم من الأمول ومثَّل لهم كيفية بنائها.
  • كتب إلى عمَّاله في سائر البلدان أن يجمعوا ما في بلادهم من الذهب والفضَّة والجواهر، فجمعوا منها صبراً مثل الجبال، فأمر باتخاذ اللبن من الذهب والفضَّة، وبنى المدينة بها.
  • أمر شدَّاد أن يفضض حيطان المدينة بجواهر الدر والياقوت والزبرجد، وجعل فيها غرفاً فوقها غرف، أساطينها من الزبرجد والجزع والياقوت.

المدينة نسجت حولها العديد من الأساطير
  • أجرى للمدينة نهراً ساقه إليها من أربعين فرسخاً تحت الأرض، فظهر في المدينة، فأجرى من ذلك النهر سواقي في السكك والشوارع.
  • أمر بحافتي النهر والسواقي، فطُليت بالذهب الأحمر، وجعل حصاه أنواع الجواهر الأحمر والأصفر والأخضر، ونُصِبت على حافتي النهر والسواقي أشجاراً من الذهب، وجعل ثمارها من الجواهر واليواقيت.
  • جعل طول المدينة اثني عشر فرسخاً وعرضها مثل ذلك، وبنى فيها ثلاثمائة ألف قصر، ثم بنى لنفسه على شاطئ ذلك النهر قصراً منيفاً، يشرف على جميع القصور.
  • جعل ارتفاع البيوت والسور ثلاثمائة ذراع، وجهل تراب المدينة من المسك والزعفران.
  • جعل خارج المدينة مائة ألف منظرة من الذهب والفضة لينزلها لجنوده.
  • مكث في بناء المدينة خمسمائة عام، حتى بعث الله نبيه هود، والذي كفر برسالته شدَّاد الذي مات وصحبه بالصيحة.

وجهة نظر فاضل الربيعي:-

عبَّر المفكر والمؤرخ العراقي المعاصر فاضل الربيعي عن وجهة نظره في قصة عاد وشداد وإرم، وذلك في كتابه “إرم ذات العماد”، حيث يمكن تلخيص وجهة نظره بهذه النقاط:

  • ارتبطت أسطورة إرم عند سائر الإخباريين، بما في ذلك رواية الثعلبي، الذي ينقل الرواية عن وهب بن منبه وعبيد بن شرية الجرهمي باسم عاد، حتى أن الطبري يؤكد هذا الربط وذلك من خلال قوله: “وكان يقال لعاد: إرم فلما هلكت قيل لثمود: إرم” ثم ارتفعوا عن “سواد العراق وصاروا أشلاءً بعدُ في عرب الأنبار وعرب الحيرة، فهم أشلاء قنص بن مَعد”.
  • في رواية ثانية؛ يرد اسم (ذو شدد بن عاد) بدلا ًمن عاد بن إرم ويصفه صاحب (نشوة الطرب)؛ بأنه أخذ المُلك أخذاً شديداً واستمرت سيرته على الشدة والقهر إلى أن مات.
  • يرى الربيعي أن هناك إمكانية لأن تكون أسطورة أرم قد نبعت في الأصل من منبع واحد؛ ربما كان أسطورة أقدم، لأنها تشكل سوية مع أساطير (أوفير، وأرض الميعاد، وتدمر، ثم الإسكندرية ودومة الجندل وبعلبك وسواها) خزيناً ثقافياً شاركت في صناعته مجموعة من الشعوب والجماعات البشرية والقبائل، الحالمة بمغادرة عالمها الصحراوي، دون أن ينفي ذلك إمكانية أن تكون قد وُجِدت بالفعل مدينة أو مدن حملت اسم إرم، وربما بعض صفاتها العجائبية.
  • لقد نظر قدماء العرب، على الدوام، نظرة إعجاب ودهشة، إلى المباني والشواهد العظيمة لحضارات بلاد الرافدين ومصر واليونان والرومان القديمة، لا على أنها صنعاً بشرياً، وإنما من صنع قوى خارقة، وقد لوحظ ذلك في تفسير العرب لهوية أصحاب بناء تدمر ودومة الجندل.
  • كان الإخباريون العرب ينقلون بدقة مدهشة كل “نتاج الثقافة” الشفهية، ويعيدون نشره بوسائلهم، وسواء تدخلوا في النقل أم لا؛ فإن ما نقلوه يظل كنوزاً ذات قيمة كبيرة لا يعيبها ما يبدو عليها من نزعات أسطرة، والتي تعبر بشكل أو بآخر عن ملكة طبيعية في الإنسان.
  • ضرورة التمييز ما بين ما ذكره القرآن الكريم من حقائق بشأن هذه الأقوام وحياتها ومصيرها، وما بين ما تم نقله من روايات ذات طبيعة أسطورية وردتنا من خلال كتابات بعض الإخباريين العرب الكلاسيكيين، خصوصاً أولئك الذين نقلوا عن بعض اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، لكنهم ظلوا متأثرين بالروايات السائدة في مجتمعاتهم.
المفكر فاضل الربيعي يتحدث عن شداد بن عاد
المفكر العراقي فاضل الربيعي

الخلاصة:-

وبالرغم من وجود هذه القصص في كتب التفسير والتاريخ وغيرها إلا أنها لا يمكن التسليم بها، لعدم
ورودها بسند صحيح، فهي لا تعدو أن تكون من باب القصص الأسطوري والتراثي.

المصادر:-

  • التيجان في ملوك حمير، ص 74: 78، تحقيق ونشر مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، اليمن، صنعاء، الطبعة الثانية.
  • موسوعة أساطير العرب، الجزء الثاني، ص 117: 118 ، دار الفارابي، الطبعة الأولى.
  • كتاب إرم ذات العماد، فاضل الربيعي.
  • آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني.
  • خطط مصر ، ابن زولاق.
  • تفسير الطبري، سورة الفجر الآيات من 6: 8.
  • تفسير القرطبي، سورة الفجر الآيات من 6:8.

https://www.aramcoexpats.com/articles/the-legend-of-the-lost-city-of-iram/

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى