أعلام

شخصيات غير مسلمة ساهمت في ازدهار الحضارة الإسلامية

أسماء ساهمت بارتقاء العلوم الطبية والرياضية على امتداد تاريخ الحضارة الإسلامية

توطئة:.

العلاقات البشرية تقوم على التواصل، وهذا سمة بارزة في الحضارة الإسلامية التي ترتكز على القيم الإنسانية النبيلة، وتتسم بسمة العالمية، حيث كانت حضارتنا الإسلامية منفتحة على الحضارات والثقافات الأخرى، تُفيد وتستفيد منها، وقد برزت في حضارتنا الإسلامية شخصيات غير مسلمة أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية؛ ومن هذه الشخصيات:

الشخصية الأولى: حُنَيْن بن إسحاق

طبيب مؤرِّخ ومترجم، وُلِد سنة 194هـ، وتوفي سنة 260هـ، من نصارى الحيرة في العراق، كان حُنَيْن بن إسحق فصيحاً، بارعاً، شاعراً، انتقل مع أبيه إلى البصرة، وفيها تتلمذ في اللغة العربية على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي، ثم بعد ذلك انتقل إلى بغداد واشتغل بصناعة الطب.

وأول ما حصَّل من الاجتهاد والعناية في مهنة الطب هو أنه كان يجلس عند الطبيب يحيى بن ماسويه، وكان مجلسه مشهوراً بالتصدي لتعليم صناعة الطب، وكان يجتمع فيه أصناف أهل الأدب، فلازم يحيى بن ماسويه، وتتلمذ على يديه له، واشتغل عليه بصناعة الطب، ونقل حُنَيْن لابن ماسويه كتباً كثيرة، وخصوصاً من كتب جالينوس، بعضها إلى اللغة السريانية وبعضها إلى العربية.

طب
كتاب حنين بن إسحاق في التشريح والذي علّق فيه على آراء جالينوس

وكان حُنَيْن أعلم أهل زمانه باللغة اليونانية، والسريانية، والفارسية، وكانت له دراية فيهم مما لا يعرفه غيره من النقلة الذين كانوا في زمانه، بالإضافة إلى إتقانه للعربية والاشتغال، بها حتى صار من جملة المتميزين فيها، وانتهت إليه رياسة العلم باللغات بين المترجمين.

واتصل بالمأمون فجعله رئيساً لديوان الترجمة، وجعل بين يديه كُتَّاباً بارعين في اللغات، كانوا يترجمون، ويتصفح حُنَيْن ما ترجموا فيصلح ما يرى فيه خطأ.

جالينوس
جالينوس

وكان مهتماً بنقل الكتب الطبية وخصوصاً كتب جالينوس، حتى أنه في غالب الأمر لا يوجد شيء من كتب جالينوس إلا وهي بنقل حُنَيْن أو بإصلاحه لما نقل غيره، فلخص بذلك الكثير من كتب أبقراط وجالينوس وأوضح معانيها، وكان ماهراً في صناعة الكحل، وله تصانيف مشهورة بالجودة فيها.

الشخصية الثانية: يوحنا بن مَاسَوَيْه

من علماء الأطباء، توفي سنة 243هـ، سرياني الأصل، عربي المنشأ، كان أبوه صيدلانياً في جنديسابور بخوزستان، ثم من أطباء العين في بغداد، وتقدم، وخدم الرشيد.

كان أحد الذين عهد إليهم هارون الرشيد بترجمة ما وجد من كتب الطب القديمة، في أنقرة وعمّورية وغيرهما من بلاد الروم، وجعله أميناً على الترجمة، ورتب له كتَّاباً حاذقين بين يديه، ولم يقتصر عمله على خدمة العلم بل خدم الرشيد والمأمون ومن بعدهما إلى أيام المتوكل، بمعالجتهم وتطبيب مرضاهم، حتى كانوا لا يتناولون شيئاً من أطعمتهم إلا بحضرته، وأصاب شهرة واسعة وثروة طائلة، وكان مجلسه ببغداد أعمر مجلس، يجمع الطبيب والمتفلسف والأديب والظريف.

كان يعمل في دق الأدوية في بيمارستان جندي سابور، وهو لا يقرأ حرفاً واحداً بلسان من الألسنة، إلا أنه عرف الأمراض وعلاجها، فقد كان أعجمي اللسان، ولكنه كان بصيراً بالعلاج كثير التجارب، فبلغ المرتبة المشهورة، وصار بصيراً بانتقاد الأدوية، فأخذه جبرائيل بن بَخْتِيَشُوعَ، فأحسن إليه وعشق جارية لداود بن سرابيون فابتاعها جبرائيل بثمانمائة درهم ووهبها لمَاسَوَيْه، ورُزِقَ منها ابنه يوحنا وأخاه ميخائيل.

وصار نظيراً لجبرائيل، بل كان في ذلك الوقت يحضر بحضوره ويصل بوصوله، ودونه في الرزق؛ لأن جبرائيل كان له في الشهر عشرة آلاف درهم، ومعونة في السنة مائة ألف درهم، وصلات دائمة، وإقطاعات.

الشخصية الثالثة: يحيى بن سرافيون السرياني

من أطباء القرن الهجري الرابع، توفي سنة 310هـ، طبيب مسيحي مشهور، كان معاصراً للطبيب المشهور أبي بكر الرازي.

مساهمة بارزة في إيصال الطب إلى ما هو عليه اليوم

كان ابن سرافيون من أشهر الأطباء في صدر الدولة، وقد عمل في الطب في مدينة بغداد، وجميع ما ألفه من كتب كان باللغة السريانية، وقد نُقِل كتاباه في الطب -الكُنَّاش الكبير والكُنَّاش الصغير- من اللغة السريانية إلى اللغة العربية.

الشخصية الرابعة: مَاسَرْجَوَيْه

مَاسَرْجَوَيْه البصري السرياني، طبيب يهودي سرياني، كان في أيام بني أمية، في زمن عمر بن عبد العزيز، كان عالماً بالطب، وكان من أشهر أطباء البصرة.

ابن بطوطة يصف ميدنة البصرة التي اشتهر بها ماسرجويه

اشتُهِر بترجمة الكتب طبية، فقد تولى لعمر بن عبد العزيز ترجمة كتاب أهرن القس في الطب، وهو كُنَّاش فاضل من أفضل الكنانيش القديمة، حيث قام بنقل كتاب أهرن بن أعين من اللغة السريانية إلى اللغة العربية، وكان قد وجد هذا الكتاب عمر بن عبد العزيز في خزائن الكتب، فأمر بإخراجه، ووضعه في مصلَّاه، واستخار الله في إخراجه إلى المسلمين للانتفاع به، فلما تم له في ذلك أربعون صباحاً أخرجه إلى الناس وبثه في أيديهم.

وقد نَقَلَ عن مَاسَرْجَوَيْه كثيراً أبو بكر الرازي في كتابه «الحاوي»، وكان دوماً يشير إليه بقوله: “قال اليهودي”.

الشخصية الخامسة: ابن التلميذ

هو هبة الله بن صاعد، وُلِد سنة 466هـ، وتوفي سنة 560هـ، الطبيب القسيس الحكيم الأديب، كان قسيس النصارى ببغداد، وشيخ الطب وجالينوس العصر، وصاحب التصانيف، كان واحد عصره في صناعة الطب، متفنناً في علوم كثيرة، حكيماً أديباً شاعراً مجيداً، وكان يكتب خطاً منسوباً في نهاية الحسن، خدم الخلفاء من بني العباس، وانتهت إليه رئاسة الأطباء في العراق، وتولى البيمارستان العضدي إلى أن توفي، وكان عارفاً بالفارسية واليونانية والسريانية متضلعاً بالعربية، وكان يميل إلى صناعة الموسيقى ويُقرِّب أهلها.

قوى الأدوية – ابن التلميذ، هبة الله بن صاعد

الشخصية السادسة: موسى بن ميمون

طبيب وفيلسوف، وُلِدَ سنة 529هـ، وتوفي سنة 601هـ، يهودي عالم بسنن اليهود، ويعد من أحبارهم وفضلائهم، وكان رئيساً عليهم في الديار المصرية، وهو أوحد زمانه في صناعة الطب، وفي أعمالها متفنن في العلوم، وله معرفة جيدة بالفلسفة، وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي يرى له ويستطبه، وكذلك ولده الملك الأفضل علي.

نصب موسى بن ميمون

الشخصية السابعة: ابن ملكا البغدادي

وهو هبة الله بن علي بن ملكا، وُلِد سنة 480هـ، وتوفي سنة 560هـ، طبيب وفيلسوف، كان يهودياً ثم أسلم في أواخر عمره، كان موفق المعالجة لطيف الإشارة وقف على كتب المتقدمين والمتأخرين في هذا الشأن واعتبرها واختبرها، كان يتخذ القرارات الجريئة لإجراء العلميات الجراحية الخطيرة، كما كان دقيقاً في التشخيص، وأصبح طبيباً مشهوراً مارس صنعته في خدمة خلفاء بغداد، كما قام بدراسة الطب النفسي، حيث قام بمعالجة الأمراض النفسية التي تصيب الإنسان، واتبع طرق أذهلت علماء العصر الحديث.

بغداد في العام 1932 م – مكتبة الكونغرس

ولم يكتفِ ابن ملكا بدراسة الطب وحسب، بل درس عدداً كبيراً من العلوم الأخرى، ومن أبرز هذه العلوم الفيزياء، كما اطلع على علوم الميكانيك، كما برز في الفلسفة، سار في الطبيعيات على منهج أرسطو وابن سينا والفارابي، ونال رتبة أرسطو في الفلسفة؛ لذا لُقِّب فيلسوف العراقيين.

الشخصية الثامنة: السموأل بن يحيى المغربي

عالم بالطب والرياضيات، من أبرز أطباء القرن الهجري السادس، توفي سنة 570هـ، كان السموأل يهودياً، ولكنه أسلم بعد رحلته إلى الموصل وديار بكر، وحسن إسلامه.

كان فاضلاً في علم الرياضيات، وبرع في الجبر والمقابلة والهندسة، وكان عالماً بمهنة الطب، عارفاً بالفلسفة والحكمة، وأقام بديار بكر وأذربيجان مدة طويلة، واتصل هنالك ببيت البهلوان، وخدم أمراء دولتهم، واستقر بمدينة مَرَاغَةَ، وعمل فيها بمهنة الطب، ورُزِق فيها بعددٍ من الأولاد، امتهنوا جميعهم صناعة الطب، وأخذوها عن أبيهم السموأل.

مساهمات ميزة في علم الجبر

وله رسائل عدة في الجبر والمقابلة يرد فيها على ابن الخشَّاب النحوي؛ وذلك أن ابن الخشَّاب كان معاصره، وكان لابن الخشَّاب مشاركة في الحساب ونظر في الجبر والمقابلة.

المصادر:

إخبار العلماء بأخبار الحكماء (161)، و(242)، و(256)، و(282).

الأعلام (2/287)، و(3/140)، و(7/329)، و(8/72)، و(8/74).

عيون الأنباء في طبقات الأطباء (232)، و(242)، و(257)، و(471)، و(582).

الفهرست لابن النديم (358).

موجز دائرة المعارف الإسلامية (1/291).

موسوعة علماء الطب مع اعتناء خاص بالأطباء العرب (139/رقم 154)، و(166/رقم 187).

هدية العارفين (2/517).

وفيات الأعيان (6/69/رقم 779).

مكتبة قطر الرقمية

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق