أعلامانفوجرافيكس

سيبويه الفارسي .. أستاذ النحو العربي

توفّي النحوي الشهير في ريعان شبابه عن عُمر 32 عاماً

اسمه ونشأته:-

عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، أبو بِشْر الفارسي، إمام النحو، سيبويه كلمة فارسية تعني: رائحة التفاح، سُمِّي بذلك لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان، فكانت أمه تُرقِّصه وتقول له ذلك، وقد وُلِدَ في إحدى قرى شيراز سنة 148هـ.

تحصيله للعلم ومكانته العلمية:-

طلب الحديث والفقه مدةً من الزمن، وكان يوماً يستملي على حمَّاد بن سَلَمَةَ، فَلَحَنَ يوماً، فردَّ عليه قولَهُ، فأَنِفَ من ذلك، فلزم الخليل بن أحمد الفراهيدي، فأخذ النحو عنه وعن يونس بن حبيب وعيسى بن عمر، فبرع في النحو، وأخذ اللغة عن أبي الخطَّاب الأخفش الأكبر، ودخل بغداد فجرت بينه وبين الكَسائيُّ فيها مناظرات عديدة، وعلَّمَ فيها الأمين بن هارون الرشيد، فأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال ابن النَّطَّاح: “كنت عند الخليل بن أحمد فأقبل سيبويه، فقال الخليل: مرحباً بزائر لا يُمَلُّ”.
  • قال ابن الأهدل عن سيبويه: “كان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يُصنَّف فيه مثل كتابه”.
  • وقال ابن عائشة: “كنا نجلس مع سيبويه في المسجد، وكان شاباً جميلاً نظيفاً قد تعلَّق من كل علمٍ بسببٍ مع حداثة سنِّه”.
  • وقال معاوية بن بكر العُلَيْمي -وقد ذُكِرَ عنده سيبويه-: “رأيته وكان حديث السِّن، وكنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبت من حمل عن الخليل بن أحمد، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو، وكانت في لسانه حبسة، ونظرت في كتابه فقلمه أبلغ من لسانه”.
  • قال أبو عثمان ابن جني: ” ولمَّا كان النحويون العرب لاحقين وعلى سمتهم آخذين، وبألفاظهم متحلّين ولمعانيهم وقصودهم آمّين؛ جازَ لصاحِب هذا العِلم (سيبويه) الذي جمَعَ شعاعه، وشرع أوضاعه، ورسَمَ أشكاله، ووَسَمَ أغفاله، وخلَجَ أشطانه، وبَعَجَ أحضانه، وزمَّ شوارده، وأفاء فوارده؛ أن يرى فيه نحواً مما رأوا ويحذوه على أمثلتهم التي حذوا، لا سيما القايس إليه مُصغ، وله قابل، وعنه غير متثاقل”.
  • قال الإمام جلال الدين السيوطي: ” هو الخليل بن أحمد أستاذ سيبويه وعامة الحكاية في كتابه عنه، وقال بعضهم: كنتُ عند الخليل، فأقبل سيبويه، فقال: مرحباً بزائر لا يُمَل، قال: وما سمعتُ الخليل يقولها لغيره”.
  • وقال الأزهري: ” وكان سيبويه عالماً، حسَن التصانيف، جالسَ الخليل وأخذ عنه”.
أبدع سيبويه في اللغة العربية
  • قال أبو الطيب اللغوي في سيبويه وفي كتابه: ” هو أعلم الناس بالنحو بعد الخليل، وألَّف كتابه الذي سمَّاه الناس قرآن النحو”.
  • يقول السيرافي عنه: ” وعمِل كتابه الذي لم يسبقه إلى مثله أحد قبله، ولم يلحق به مَن بعده”.
  • يقول المبرد: “لم يُعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه”.

منزلة كتاب سيبويه في النحو:-

ألَّف سيبويه كتابه الذي يُعرف باسم «الكتاب»، وهو أول كتاب في النحو والصرف، جمع فيه مباحث النحو والصرف، وجعل لكل مبحث مكاناً من الكتاب، وكثرت في الكتاب الشواهد القرآنية، والقراءات القرآنية، والأشعار، وقليل من الحديث، وتناثرت فيه الأمثال وأقوال العرب النثرية بجانب الأمثلة المنشأة لتمثيل القواعد، ويكفي ما لهذا الكتاب من مكانة قول ابن كثير: “صنَّفَ في النَّحْوِ كتاباً لا يُلْحَقُ شَأْوُهُ، وشرحَهُ أئمَّةُ النُّحاةِ بعدَهُ، فانغمَرُوا فِي لُجُجِ بحرِه، واستخرجوا من دُرَرِه، ولم يبلغُوا إلى قَعْرِهِ”، وقول الجاحظ: “لم يكتب الناس في النحو كتاباً مثله، وجميع كتب الناس عليه عيال”.

كان المبرِّد يقول لمن أراد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه: “هل ركبتً البحر!” تعظيماً واستصعاباً لما فيه.

إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني
إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني

وقال الجرمي: “في كتاب سيبويه ألفٌ وخمسون بيتاً، سألته عنها، فعرف ألفاً، ولم يعرف خمسين”.

الغوص في كتاب سيبويه:-

لقد جَمعَ سيبويه في كتابه شَتات أقوال من سلفه من العلماء، كالخليل بن أحمد الفراهيدي، وأبي الخطَّاب الأخفش، ويونس، وأبي زيد، وعيسى بن عمر، فضلاً عن أبي عمرو بن العلاء وسواهم من أعلام النحو والصرف، فقد كان النحو في ذلك الوقت يُطلق عليهما، واسمه يعُم النحوَ والصَرف.

وقد كان للخليل بن أحمد؛ النصيب الأكبر من نقل سيبويه، ذلك لأن الأول لم يكُن يمِل لقاء الثاني، وقد أنابه في رواية الفن عنه، لذا؛ فقد كان كتاب سيبويه سجلاً لآراء الفراهيدي، لذا تجده يُكثر من القول: “سألت الخليل”، وذلك مستفيض في الكتاب.

الفراهيدي سخَّر حياته للعلم ونأى بنفسه عن بلاط السلاطين

كما كَثُرَ نقل سيبويه عن يونس، ذلك لأن الأول كان يطمئن الثاني، فكثيراً ما كان يسأله لأغراض التثبُّت عما سمعه من غيره، كما روى عن أبي زيد، فقال : “حدَّثني من أثقُ بعربيته”.

وإن اختلفت آراء وأقوال العلماء، فقد كان سيبويه يحكيها ويوازن بينها، ثم يحكم بالترجيح، وقد ضمَّ إلى أقوال هؤلاء العلماء ما استخرجه بنفسه من القواعد اعتماداً على سماعه من العرب الخُلَّص، فقال مثلاً: “وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقال له: كيف أصبحت، فيقول: حمدُ الله وثناءً عليه”، وقال : “إن هذا البيت أنشدناه أعرابي من أفصح الناس وزعم أنه شعر أبيه”.

تجميع واستنباط:-

لقد كوَّن سيبويه كتابه من أقوال العلماء، ومما استنبطه بنفسه، فكان جمَّاعاً للفن ، شاملاً كل ما يحتاج إليه طالبه مع الترتيب والتبويب، ولكلِّ عصرٍ طبيعته المتسقة معه، فترتيب الكتاب على غير المألوف في كتبنا المتداولة بين أيدينا، والإسراف في عناوين أبوابه جاوز الحد، فقد بلغت عشرين وثمانمائة، مع الغموض الذي لا يفصح عن المقصود لأول وهلة، ومع التداخل في كثير من الأبواب.

لم يكُن سيبويه في كتابه جمَّاعاً لآراء من سبقه فحسب، إنما كان له أيضاً شخصية قوية تجلَّت في ابتداع بعض القواعد، وفي ترتيب الكتاب، حاوياً عناصر الفن كُلِّها، وتبويه أخذ بعين الاعتبار كل شيء وما يتصل به معه ويتفرَّع عنه، وحُسن التعليل للقواعد، وجودة الترجيح عند الاختلاف، واستخراج الفروع من القياس الذي غصَّ به الكتاب.

سيبويه.. علامة فارقة في تاريخ اللغة العربية

ولقد بَهَرَ العلماء أمرَّ هذا الكِتاب، إذ قصُرَت هِممهم عن مطاولته حيناً من الدَّهْر، فلم يروا إلَّا الطَّوافَ حولهُ تعليقاً عليهِ في النَّواحِي المُختلفة شرْحَاً واختصاراً وانتقاداً واستدراكاً وردَّاً وإعراباً للشَّواهِد.

— الطنطاوي يتحدَّث عن قيمة كتاب سيبويه، نشأة النَّحو وتاريخ أشهر النُّحَاة.

الاستعانة بالشواهد:-

لقد اعتنى سيبويه في كتابه بالشواهد لأغراض تثبيت الأحكام والاطمئنان لها، وذلك من القرآن الكريم، ونثر العرب والشعر، بيد أنه لم يمِل إلى الاستدلال بالحديث الشريف كما فعل أسلافه، لظنِّه لانعدام الثقة في نقل الحديث بلفظة الوارد عنه عليه السلام، ولتصريح العلماء بجواز الرواية بالمعنى.

مفاجأة كتاب سيبويه:-

لقد ذُهِلَ الناس حينما برز للوجود الكتاب بشكل مفاجئ على صورته الرائعة والغريبة والصادرة عن سيبويه الشاب، فتسرَّبت الشكوك والظنون إلى نفوسهم، لدرجة أن بعضهم طعن في أمانته العلمية.

فقال يونس: ” أظنُ هذا الغلام كذَب على الخليل”، فقيل له: “وقد روى عنك أيضاً، فاستحضر الكتاب، ورأى ما نقله عنه صحيحاً، فقال : “إنه صدق في جميع ما قال”.

لقد عَظُمَت مكانة الكتاب في مدينة البصرة، فكان إذا قيل في الأخيرة: فلان يقرأ الكتاب، لا يَفهم السامع سوى كتاب سيبويه، حتى أطلقوا عليه اسم قرآن النحو تقديراً لمكانته وسموه.

وهكذا؛ فقد أمسى الكتاب أعجوبة الدهر الخالدة، ليطوف حوله العلماء منذ ذلك الحين، شرحاً ونقداً وانتقاداً.. وهو ما يفسِّر قول المازني: ” من أراد أن يصنِّف كتاباً واسعاً في النحوِّ بعد سيبويه، فليستحي!”.

أبو عثمان المازني النحوي البصري، إمام عصره في النحو والأدب، مشهود له بحسن المناظرة وقوة الحجة، وهو أول من ألف كتاباً في علم الصرف "التصريف"
أبو عثمان المازني النحوي البصري، إمام عصره في النحو والأدب

أساتذة سيبويه:-

  • الخليل بن أحمد الفراهيدي.
  • حماد بن سلمة بن دينار النحوي اللغوي، والذي كان إماماً فاضلاً قديم العهد.
  • عيسى بن عمر.
  • الأخفش الكبير.
  • يونس بن حبيب.

تلاميذ سيبويه:-

  • قطرب، محمد بن المستنير أبو علي المعروف بقطرب النحوي اللغوي، ويقال :إن سيبويه لقَّبه قطرباً لمباكرته له في الأسحار، والقطرب: دويبة تَدِبُّ ولا تفتر.
  • الأخفش الأوسط.
قطرب هو محمد بن مستنير تلميذ سيبويه إمام النحاة، من علماء اللغة الكبار، الذين خلفوا أثراً وإرثاً بارزاً في مجال بحثهم دون أن يعيرهم التاريخ أدنى إهتمام ...
قطرب.. التلميذ النجيب لسيبويه رغم مخالفته له

وفاته:-

اختُلِف في مكان وتاريخ وفاته، لكن الأصح أن سيبويه توفِّي في شيراز سنة 180هـ، في ريعان شبابه؛ حيث لم يُجاوِز عمره 32 سنة.

اقرأ ايضا كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

المصادر:

  • أخبار النحويين البصريين (38).
  • الأعلام (5/81).
  • البداية والنهاية – ابن كثير (10/189).
  • سير أعلام النبلاء – الإمام الذهبي (8/351/رقم 97).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/277).
  • وفيات الأعيان – ابن خلكان (3/463/رقم 504).
  • نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، محمد الطنطاوي.
  • النحو النحاة، المدارس والخصائص، خضر موسى حمود.
  • مكتبة قطر الوطنية.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى