انفوجرافيكسمعلومات تاريخية

سيطرة النظرية الخلطية على فكر الأطباء المسلمين القدامى

أوصى الطبيب الموسوعي ابن سينا بأن يتعلم المريض الموسيقى

عند التعمُّق قليلاً في العلوم الطبية الإسلامية في عصر ازدهارها (800-1150 م تقريباً)؛ يُلاحظ أن التوجه التفسيري الأكثر انتشاراً واستعمالاً بين العلماء المسلمين كان حينذاك؛ تناولهم النظرية الخلطية .

وتبنى هذه النظرية على افتراض أن الطعام في الجسم يتم تحويله إلى أربع حالات من مادة الجسد وهي: الدم، البلغم، الصفراء بنوعيها.

التمازج:-

 وعلى الطرف الأخر؛ فإن تمازج هذه المواد وتداخلها معاً بشكل منتظم في الجسم يشكل لنا ما يسمى (الأجزاء المتشابهة) مثلها مثل العظام، الأعصاب، العضلات وأوردة الجسم.

ابو القاسم الزهرواي
أبو القاسم الزهراوي .. أحد أشهر الأطباء في التاريخ الإسلامي

وفي تفسير العلماء المسلمين الرواد لحالات مادة الجسد البشري، فقد ذكروا أنه في حالتها الطبيعية، فإن جميع الحالات توصف ضمن إطار ” لون الدم أحمر اللون قاني، حلو المذاق تبعاً لمن يلثمه ورائحته مقبولة ليست بالكريهة، وهذا الدم يتم انتاجه في الكبد. في حين يعتبر البلغم بمثابة إفرازات بيضاء اللون، تنتج إما في الكبد أو المعدة”.

جدل حول طبيعة الوظائف و النظرية الخلطية :-

 وفي هذا الطب القديم؛ فقد مثل هذين معاً “الصفراء” التي كانت من المواد المفترضة المثيرة للجدل من حيث طبيعتها ووظائفها.

هذه الحالة للصفراء ذات اللون الأصفر؛ كانت تفهم بشكل عام على أنها تلك الرغوة التي تنتج عن الجسم خلال تكوين الدم ذو اللون الأحمر القاني، حيث تكون فاتحة اللون ولاذعة الرائحة والطعم.

في حين تتألف الصفراء السوداء في تكوينها الطبيعي من رواسب دموية مكررة الشكل وفاقعة اللون.

ويتم بالنهاية فهم وتشخيص صحة الفرد على أنه توازن بين هذه الحالات الأربع.

الصيغة الطبية لأمين الدولة أبو الحسن هبة الله بن صاعد المعروف باسم ابن التلميذ
الصيغة الطبية لأمين الدولة أبو الحسن هبة الله بن صاعد المعروف باسم ابن التلميذ

كيفية التشخيص؟

وخلصوا إلى أن المرض الجسدي يُفسر تبعاً لها في معظم الحالات إلى أنه زيادة في إحدى هذه الحالات المادية أو أكثر منها وربما من فساد إحداها أو بعضها.

التأثر بالإغريق:-

في الواقع؛ لقد ورث الأطباء العرب والمسلمين القدماء الإطار النظري المحدد لنظرية الأمراض الخلطية هذه في مبادئها البسيطة من الإغريق، وبشكل أكثر تحديد استمدوا أسسهم من كتابات أبقراط المتعلقة بطبيعة الانسان ومن تفسيرات وشروح غالين.

شرح فصول أبقراط - ابن النفيس القرشي
شرح فصول أبقراط – ابن النفيس

لكن هؤلاء الأطباء المسلمين قاموا بنقل هذه الأسس بأساليب مختلفة؛ لا بل يمكن أن نقول بأنهم أقدموا على تحدي الطروحات الإغريقية، وقاموا بتعديلها.

النظرية الخلطية والتعديلات:-

ومن التعديلات التي قاموا بها؛ هي التحولات الممكنة لحالات الجسد بين بعضها البعض بالإضافة إلى إدخال بعض القدرات والصفات لكل من هذه المواد.

لقد بقيت محاولات التحدي والشك في مبدأ علم الأمراض الخلطية هذا ضمن إطار مساع  هامشية: فلقد كان القبول بهذه النظرية الخلطية من المسلمات لمعظم الأطباء العرب المسلمين حينها.

ولكن مع ذلك؛ فقد حدثت بعض الخروقات ومحاولات التحدي والتفكر في النظرية الخلطية وفلسفتها، وهو أمر اشتهر به عدد من الأطباء والعلماء الموسوعيين.

توصيف الحالات الأربع لمادة الجسد:

إذاً وتبعاً للنظرية الشائعة المعروفة في علم الأمراض الخلطية؛ فإن الصحة الجسدية تنتج عن توازناً في حالات المادة الأربعة.

 هذه المواد الأربعة تعرف كل منها بصفتين إثنتين من الصفات الأربع الأساسية والتي هي: البرودة أو الدفء، الجفاف أو الرطوبة.

ومع ذلك؛ يوجد عوامل خارج الجسم البشري من شأنها أن تسهم فيها، أو من الممكن أن نقول “طبيعة الانسان الخارجية”.

ابن سينا قدم كتاب القانون في الطب للبشرية جمعاء
ابن سينا قدم كتاب القانون في الطب للبشرية جمعاء

 وقد سميت هذه العوامل الستة غير الإعتيادية (الأشياء غير الطبيعية) والتي هي:

  1. الهواء المحيط أو البيئة المحيطة.
  2. الطعام والشراب والأشياء التي يتم بلعها.
  3. عادات النوم والاستيقاظ.
  4. نمط الحركة والراحة
  5. ما يحفظ ويخلى من الجسم، والمقصود هنا البول، البراز وحالة الإمساك، بالإضافة إلى مخرجات الجماع.
  6. الحالة النفسية بأطوارها من فرح، حزن، خوف، حسد، خوف وما يشبهها من انفعالات وتأثيرات شخصية.

العوامل النفسية والذهنية وعلاقتها في النظرية الخلطية :-

وقد ركز العديد من الأطباء المسلمين بشكل خاص في الدراسات القديمة على الحالات الذهنية والنفسية.

فعلى سبيل الذكر؛ كانت بعض الأمراض تترافق بميل ضئيل لكل من الموسيقى، الحديث، والرغبة في الترفيه.

 ولتكن الكأبة كمثال؛ فهي بنظرهم ناتجة عن الافراط في الصفراء السوداء التي تتميز أعراضها باليأس، الخوف، التوهم بالإضافة إلى بعض الحالات العقلية.

وعلى سبيل الذكر أوصى الطبيب الموسوعي ابن سينا (980- 1037 م) بأن يتعلم المريض الموسيقى ويواظب على سماعها، إلى جانب قيامه بإجراء محادثات مسلية مع الأصدقاء، وأن يجالس الموسيقيين والغانيات!.

ابن سينا

وفي هذا النصح؛ كان ابن سينا قد اتبع تقليداً طبياً يعود بجذوره إلى الطبيب اليوناني روفس (100 بعد الميلاد)، والذي قد طلب أن يتم اتباع منهج مماثل في العلاج.

اقرأ ايضا الرازي .. الطبيب الذي تجد بصماته في جميع مرافق العلاج

المصادر:

  • The Body in Balance: Humoral Medicines in Practice, 2013, p. 89 
  • Gutas, D: 2003, “Medical Theory and Scientific Method in the Age of Avicenna” in D. C. Reisman (ed.), Before and After Avicenna: Proceedings of the First Conference of the Avicenna Study Group, Islamic Philosophy, Theology and Science, Text and Studies, vol. 52, Brill, Leiden, pp. 145–162.
  • https://muslimheritage.com/humoral-pathology/

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى