معلومات تاريخية

سوق عكاظ .. ملاذٌ ثقافي وتجاري وتبشيري لقبائل العرب

كانت تعقد فيه مفاخرات ومنافرات، وكذلك وجدت الخطب الدينية التي تُزهِّد الناس في الدنيا

لقد زخرت كتب الأدب والتاريخ بأخبار سوق عكاظ، وأُنشدت أشهر المعلقات الشعرية في جنباته، فما هو سوق عكاظ وما الذي كان يجري فيه؟

تعريف سوق عكاظ :-

سوق عكاظ واحد من أهم الأسواق الموسمية التي كانت تقام في سهل كبير يعرف باسم الأثيدا، وعكاظ يبعد عن مكة المكرمة مسيرة ثلاثة أيام، وهو أقرب لمدينة الطائف حيث يبعد عنها مسافة يوم واحد، ويعتبر عكاظ تابعًا للطائف.

يعرب بن قحطان حاكم اليمن، أفصح من تكلم بالعربية، وهذبها وجودها حتى قيل إنها سميت باسمه، ويقال أنه أول من تكلم باللغة العربية؛ وتفاخر القحطانيون بذلك، ...
لقاء سنوي بين التجار والخطباء والشعراء وحتى بعض عامة الناس

وقد كانت تجتمع فيه العرب من كل مكان، وكان سوق عكاظ يشبه السوق الدولي، فهو يخلو من السُكان وقت إقامة السوق، وكأنه قرية مخصصة للسوق، وكان يضم الآلاف من رواد السوق.

مميزات سوق عكاظ :

لا شك أن المكانة التي حظي بها سوق عكاظ لم تأتِ من فراغ، فقد كان مميزًا عن غيره من الأسواق، مما جعل رواده كثُر، وأخباره تتناقلها الأجيال.

ومن أهم مميزات سوق عكاظ؛ أنه يحظى بالأمان وذلك لانعقاده خلال الشهر الحرام، وبالقرب من البلد الحرام؛ ما جعله لا يحتاج إلى استئجار  خفراء من أجل التأمين والحماية، وهو كذلك ليس تابعًا لأمير أو ملك يفرض الضرائب على الناس.

كل ذلك؛ إضافة إلى استمراره لمدة عشرين يومًا، وقربه من البلد الحرام وموسم الحج، جعل رواد السوق يعبرون عليه، وهم في طريقهم للحج.

امرؤ القيس
امرؤ القيس .. أشهر شعراء العربية

كان سوق عكاظ يقام في أول عشرين يوم من شهر ذي القعدة، وأقيم منذ سنة 500 ميلاديًا تقريبا، وذلك لأن امرأ القيس المتوفي (540 م) كان قد أنشد معلقته فيه.

متى توقف نشاط سوق عكاظ ؟

وأما عن انتهاء إنعقاد السوق؛ فقد اُختلف في ذلك، ويقال إنه توقف لما احتلت الخوارج مكة المكرمة بزعامة أبي حمزة المختار بن عمرو الأزدي سنة (129ه‍‍، 747م).

وقيل: بل توقف قبل ذلك بكثير وذلك بعد فترة الفتوحات وتوسع الرقعة الإسلامية، فوجد المسلمون أماكن أُخرى تلبي متطلباتهم.

مهرجان:

ويمكن القول: إن سوق عكاظ أشبه بالمهرجان، فلم يكن السوق مكانًا للتجارة والتبادل السلع، وإنما كان مركزًا دينيًا وثقافيًا وتجاريًا.

مركز تجاري:

لا شك أن الهدف الرئيس من إقامة أي سوق هو التجارة، وسوق عكاظ يعد مركزًا تجاريًا هامًا، فقد كان مليئًا ببضاعة من مختلف البقاع، وليست بضاعة محلية فقط.

ابن بطوطة

فمن اليمن: يوجد العِلك والخضاب والبرود اليمانية المخططة والموشاة والمسيرة بخطوط الحرير، وكذلك الزعفران، والأصبغة والبخور والعقيق والطيب والتوابل.. وكذلك من عُمان، ويأتي أيضاً التمر من هجر واللؤلؤ من البحرين.

وأما من عسقلان (فلسطين)؛ فتأتي الحناء التي كانت تستخدم لأغراض الزينة.

ومن الشام؛ كانت تفد: الزيوت، وزيت السمسم والزبيب والأواني الزجاجية والقمح والدقيق، وأرجوان صيدا، والمصنوعات الذهبية والفضية.

المقدسي

وكانت الأعراب تبيع الأصواف والأنعام والدهون وغيرها.

كما كان يوجد بالسوق؛ العطارين والبياطرة الذين يعالجون الحيوانات.

لقد كان سوق عكاظ يشبه السوق الحرة، لأنه لا تدفع فيه أموال للتأمين ولا للمكوس والضرائب.

مركز ديني:

لم تخلُ الأسواق العربية من المراسم الدينية والاحتفالات، وقد كان سوق عكاظ مركزًا دينيًا هامًا، حيث كانت تنتشر في مكان إقامة السوق أحجار وتماثيل يُعظمها العرب ويطوفون حولها، كما كانت العرب تذبح فيه وتُقدِّم القرابين، وكذلك كانت توجد بعض الأصنام لبعض القبائل.

ولم تخلُ السوق آنذاك من وجود بعض المبشرين والداعين لعبادة الأصنام.

مركز ثقافي:

كان سوق عكاظ مركزًا ثقافيًا هامًا حيث يأتيه الشعراء والخطباء من كل مكان يتبارون، كما كانت تُعقد فيه اجتماعات سياسية واجتماعية، وبالرغم من اختلاف اللهجات إلا أنهم كانوا يلتزمون لغة قريش في نظم الشعر وفي الخُطَب.

وكانوا يضربون قبة من أدم لمن يُحكّم بين الشعراء، وقد أجمع رواة الأخبار على أن الحكومة كانت للنابغة الذبياني في منتصف القرن السادس الهجري.

النابغة الذبياني شاعرٌ من تلك الكَوكبة التي تألق نجمها في سماء الجاهلية، فقد كان من بين أحسن الناس خلقًا، ومن أشرفهم نسبًا، وقد اشتهر بمدح النعمان بن المنذر

وقد أنشد أشهر الشعراء معلقاتهم وشعرهم بسوق عكاظ مثل: امرئ القيس، عمرو بن كلثوم، الحارث بن حِلزة، الأعشى، حسان بن ثابت، الخنساء، وغيرهم من فحول الشعراء.

وأما الخطابة؛ فكانت تعقد فيه مفاخرات ومنافرات، وكذلك وجدت الخطب الدينية التي تُزهِّد الناس في الدنيا.

 ومن أشهر الخطباء في ذلك الوقت، كان كل من: أكثم بن صيفي، قس بن ساعدة، أمية بن أبي الصلت، عدي بن زيد التميمي، زيد بن عمرو بن النفيل، وورقة بن نوفل.

حاضر السوق:

هذا وسوق عكاظ لا يزال موجودًا في السعودية بالقرب من الطائف، وهناك مبادرات تتطلع إلى إحيائه من جديد.

اقرأ ايضا النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

تاريخ العرب قبل الإسلام لمحمد سهيل طقوس، ص 98:101، دار النفائس، الطبعة الأولى.

https://cdn.loc.gov/service/pnp/matpc/15100/15116v.jpg

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى