أعلام

سنحاريب .. الملك الآشوري الذي دمَّر بابل ونهبها

يعد ثاني ملك آشوري يقوم بنهب معابد بابل، ولذلك اُغتيل لإهانته الآلهة

من هو سنحاريب  ؟

كان سنحاريب الذي حكم في الفترة بين عامي (705 – 681 ق.م) ثاني ملوك الإمبراطورية السرجونية التي أسسها والده سرجون الثاني، وهو واحد من أشهر الملوك الآشوريين نتيجة للدور الذي لعبه في روايات العهد القديم التوراتي (سفر الملوك الثاني، وسفر أخبار الأيام الثاني، وسفر إشعياء) ، وكذلك من قصيدة “إهلاك سنحاريب” للشاعر “لورد بايرن” في القرن التاسع عشر.

 يُعرف سنحاريب أيضاً بأنه ثاني ملك آشوري يقوم بنهب معابد بابل، ولذلك اُغتيل لإهانته الآلهة (كان الملك الأول هو توكولتي نينورتا الأول في عام 1225 ق.م تقريباً).

انتقال سرجون من بابل إلى نينوى:-

 هجر سنحاريب مدينة والده الجديدة “دور شروكين” ، ونقل العاصمة إلى نينوى التي أُعيد بناؤها بشكل رائع.

 يعتقد بعض العلماء أن الحدائق المعلقة الشهيرة – التي تُنسب إلى بابل – قد أنشأها سنحاريب في نينوى.

يتميز عصر سنحاريب بحملاته ضد بابل وثوراته ضد الحكم الآشوري بقيادة زعيم يُدعى مردوخ أبلا إيدينا، وبعد نهب بابل قتله أبناؤه.

سنحاريب القائد العسكري.

بداية الحكم والنهب الأول لبابل:-

أثناء فترة حكم سرجون الثاني (722 – 705 ق.م) تمكّن سنحاريب من السيطرة على حكم الإمبراطورية بكفاءة أثناء سفر والده في الحملات العسكرية.

وبحسب ما ورد في النقوش والخطابات من هذه الفترة؛ نجد أن سرجون قد وثق في ابنه وأوكل إليه التعامل مع الشؤون اليومية للدولة، لكن من الواضح أنه لم يفكر فيه كرجل للدولة أو كملك مستقبلي.

تكتب المؤرخة سوزان وايز باور : “يبدو أن سرجون لم يكن متحفظاً في نشر رأيه عن ابنه على نطاق واسع، وعندما اعتلى سنحاريب الحكم، احتفلت المقاطعات – التي اُقنعت أن ولي العهد ضعيف وغير ملائم – بتحريرها المقبل من الحكم الآشوري”.

ويبدو أن سنحاريب قد عامل والده بازدراء مماثل؛ فلا يوجد أي ذكر لسرجون الثاني في مخطوطات سنحاريب، ولا يوجد تسجيل لأي آثار أو معابد تربط بين فترة حكم سنحاريب وإنجازاته مع أبيه.

وحتى العاصمة الجديدة التي أنشأها سرجون الثاني في دور شروكين وأجبر سنحاريب على الإشراف على إنشاءاتها لمدة عشرة أعوام ، هجرها سنحاريب بمجرد وفاة والده ونقل العاصمة إلى نينوى.

الحملة على مردوخ بلادان :-

ونظراً لأن سنحاريب أُجبر على ممارسة دور رجل الدولة أثناء حكم والده، فمن المفهوم أن الناس قد اعتبروه ضعيفاً عند توليه العرش، وذلك لأنه لم يشترك مع والده في أي حملة عسكرية – على عكس الملوك الآشوريين القدامى – ولم يتمكن من إثبات نفسه كمحارب في المعركة.

 كانت إحدى تلك الحملات  – وهي آخر حملة قادها سرجون الثاني – ضد قائد يُدعى مردوخ بلادان الذي استولى على تاج بابل وسيطر على حكم المنطقة الجنوبية من بلاد ما بين النهرين.

 تمكن سرجون الثاني من هزيمة  العيلاميين حلفاء مردوخ بلادان، وطرد الزعيم من البلاد ،ثم استولى على التاج لنفسه.

ومع ذلك؛ فقد كان الحفاظ على حياة مردوخ بلادان خطأً فادحاً، حيث تمكن من العودة إلى مسقط رأسه الواقع على الخليج الفارسي، وكان ذلك سبباً في حدوث أخطر المشاكل في عهد حكم سنحاريب.

وبعد فترة وجيزة من اعتلاء سنحاريب العرش،؛ عاد مردوخ بالادان إلى بابل على رأس جيش مؤلف من رجال القبائل والمحاربين العيلاميين وتمكن من اغتيال حاكم المدينة والاستيلاء على العرش من جديد.

الاستيلاء على بابل :-

لم يفعل سنحاريب أي شيء ليتمكن من الفوز بحب البابليين، فقد استولى والده سرجون الثاني  على بابل في إحدى المعارك، واعتُرِف به كملك شرعي للبلاد، وكان من المُتوقع أن يسافر سنحاريب بعد تتويجه إلى بابل  ” للأخذ بيد مردوخ” وإضفاء الشرعية على حكمه للمدينة وللأطراف الجنوبية.

  كان المقصود من “الأخذ بيد مردوخ” الاعتراف رسمياً بمردوخ كإله لبابل، وإظهار الاحترام للمدينة من خلال الإمساك بيد تمثال الإله أثناء طقوس تشريع الحكم.

إشعار أهل المدينة بالإهانة:-

 تجاهل سنحاريب هذه التقاليد ونصَّب نفسه ملكاً لبابل دون أن يكلِّف نفسه عناء زيارة المدينة .

أدت أفعال سنحاريب إلى شعور أهل بابل بالإهانة مما جعلهم يرحبون بقدوم مردوخ بلادان، وشعروا أنه ليس هناك ما يخيفهم من الملك الآشوري الجديد.

 ويبدو أن سنحاريب أكد صِدق اعتقادهم  في عام 703 ق.م وذلك عندما أرسل جيشاً يرأسه واحداً من القادة بدلاً من الذهاب بنفسه لطرد الغزاة من بابل واستعادة الحكم الآشوري، وبالفعل لاقى جيشه الهزيمة على يد القوات المتحدة المتألفة من العيلاميين والكلدانيين والأراميين. بعد ذلك قامت بابل بإعادة ترتيب قواتها حتى إذا قرر الآشوريون إعادة المحاولة،  واستمر البابليون في أعمالهم الخاصة وتجاهلوا الملك الآشوري.

هروب مروخ بلادان :-

كانت تلك هي القشة التي قسمت ظهر البعير، فقد  جاء سنحاريب بنفسه وهو في قمة الغضب واخترق جبهة الحلفاء دون توقف، وهرب مردوخ بلادان من أرض المعركة إلى المستنقعات ليخفي نفسه، وأكمل سنحاريب طريقه إلى بابل التي فتحت أبوابها بمجرد رؤيته في الأفق.

دخل سنحاريب من البوابة المفتوحة لكنه اختار أن يرسل رسالة إلى أهل بابل، فقام بنهب المدينة، وأسر ربع مليون أسير، ودمر حقول وبساتين كل من انضم إلى التحالف ضده.

وسرعان ما أدرك أهل بابل أن رأيهم السابق في سنحاريب كان خاطئاً، فقد أظهر في حملته تكتيكاً بارعاً وظهر كقائد عسكري محنك ، وعدو لا يقهر.

المزيد من الحملات والتمردات:-

استقر مردوخ بلادان في عيلام لكنه لم يظل مكتوف الأيدي هناك، فقد شجع الآخرين على الثورة ضد الحكم الآشوري، ومن بينهم حزقيا ملك يهوذا الذي أخبره أنه إذا وقف ضد آشور ستأتي المساعدات من مصر.

 وبعد وقت قصير من استيلاء سنحاريب على بابل ثارت مدينتي صور وصيدا الواقعتين على البحر المتوسط ، في نفس الوقت الذي ثارت فيه المدن الفلسطينية عقرون ولكيش في مملكة كنعان.

وفي عام 701 ق.م حشد سنحاريب قواته لإخماد الثورات، وفي غضون ذلك أسر الثوار ملك عقرون المُعين من قبل الآشوريين، واقتادوه إلى القدس مُقيداً بالسلاسل، وسُلم إلى حزقيا وقام بسجنه.

في ذلك الوقت كان سنحاريب مشغولاً بمحاصرة مدينة لكيش، ولذلك أرسل المبعوثين إلى القدس للمطالبة بإطلاق سراح الملك الأسير وإعلان استسلام المدينة، ولم يكن وفداً عادياً للتفاوض فقد تألف من قائد الجيش وكبير الضباط وقائد ميداني وكانوا على رأس جيش كبير.

وبينما تعامل هؤلاء الضباط مع مشكلة القدس؛ ركز سنحاريب على السيطرة على لكيش عبر الحصار.

وصف الهجوم على لكيش :-

 يصف المؤرخ سيمون أنجليم الهجوم الآشوري على مدينة لكيش :

” في لكيش، حوصرت المدينة أولاً لمنع الهروب، وبعد ذلك تقدم الرماه إلى الأمام تحت غطاء من الدروع العملاقة، وقاموا بإزالة الأسوار. بعد ذلك قام الملك باستخدام الطريقة الآشورية الناجحة في بناء منحدر ترابي بالقرب من جدار العدو، ثم تغطيته بحجر مسطح ودفع آلة تجمع بين كونها برج للحصار وسلاح للقصف.  وبعد ذلك شن الآشوريون هجوماً عن طريق رفع البرج على المنحدر وتوجيه المدافع نحو الجزء الأوسط من جدار العدو. وقام الرماه على الأبراج بتطهير الأسوار ، بينما عمل الرماه على الأرض على تغطية الهجوم الذي قام به المشاة باستخدام السلالم المتدرجة. يبدو أن القتال كان عنيفاً، وقد استغرق الهجوم عدة أيام وفي النهاية تمكن الآشوريون من اقتحام المدينة”.

قام الآشوريون بذبح سكان لكيش بعد الاستيلاء عليها، وتم ترحيل الأفراد الناجين إلى مناطق أخرى في آشور.

مفاوضات:-

 وفي أثناء الحصار؛ كانت المفاوضات تجري خارج أسوار القدس مع ممثلي الملك حزقيا. ووقف الجنرال الآشوري مخاطباً رجال حزقيا بصوتٍ عالٍ ليخبرهم أن مصر لن تستطيع تقديم المساعدة لهم، وكان يتحدث باللغة العبرية بدلاً من الآرمية حتى يتمكن الناس الذين يصطفون بأسوار المدينة من فهمه. 

وعندما طلب منه ممثلو الملك أن يتحدث بالآرامية حتى لا ينشر الذعر بين الناس ، رفض قائلاً: “الرسالة لهم أيضاً، فهم مثلكم سيكون عليهم أكل فضلاتهم وشرب بولهم”.

نقوش تعود للعصر الآشوري الحديث.

قتال المصريين:-

أطلق حزقيا سراح ملك عقرون، وأرسل أحد عشر طناً من الفضة وطناً من الذهب إلى سنحاريب في لكيش، وانسحب الجيش الآشوري من القدس وتوجه لقتال المصريين وتمكنوا من هزيمة القوات المصرية ثم عادوا إلى الشرق لقمع الثورات في عقرون وصور وصيدا.

حصار القدس:-

 بعد استعادة النظام والقضاء على المتمردين، أعاد سنحاريب تحويل انتباهه إلى القدس. وعلى الرغم من قيام حزقيا بدفع جزية كبيرة، فإن سنحاريب لم يكن هو الشخص الذي ينسى ويسامح بسهولة. ولذلك فقد توجه نحو المدينة واستولى عليها عبر الحصار كما ورد في النقش :

“أما حزقيا اليهودي الذي لم يركع لنيري، فقد حاصرت مدنه القوية ومعها المدن الصغيرة المجاورة والتي لاتحصى وأسندت المشاة مستخدمين كتل اللهيب والانفاق وحفر الثغرات حتى استوليت على هذه المدن وأسرت 150-200 من السكان ، نساءً ورجالاً كباراً وصغاراً واغتنمت عدداً لا يُحصى من الخيول والبغال والحمير والماشية ، أما حزقيا فقد جعلته مثل الطير محبوساً في القفص ووضعت عليه القيود وعاقبت كل من حاول الهرب من المدينة وعينت ملك اشدود ميتيتي وبادي ملك اكرون وسبلي-بعل ملك غزة حاكماً على المدن التي أستوليت عليها . وبذلك حجمت أرضه وضاعفت علية الأتاوات وفرضت علية ضريبة سنوية على شكل هدايا لجلالتي ، وخذلت حزقيا بفخامتي المرعبة وهجره العرب والمرتزقة من القوات التي جلبها لتعزيز دفاعاته في القدس مدينتة الملكية …. الذي أرسل 300 طالنت من الذهب و 800 طالنت من الفضة ، أحجاراً كريمة ألواحا كبيرة من الحجر الأحمر ،  أرائك مطعمه بالعاج وكراس ومقاعد مطعمه بالعاج جلود فيله أنياب فيله وخشب الأبنوس وثيابا ملونه وأردية مطرزه بالألوان القرمزية وكل كنوزه الثمينة وأخذت بناته وحريم قصره والعازفين من الذكور والإناث جلبتهم معي الى نينوى مدينتي الملكية “.

ما أورده الكتاب المقدس:-

ولكن الكتاب المقدس يذكر أن الحصار رُفع بمشيئة الله، حيث ورد في سفر الملوك الثاني (18 – 19) و سفر أخبار الأيام الثاني (32)، وسفر أشعياء (37)، أن سنحاريب فرض الحصار على القدس، لكن النبي أشعياء أخبر حزقيا ألا يخاف لأن الرب سيدافع عن المدينة :

” لذلك هكذا يقول الرب عن ملك آشور.لا يدخل هذه المدينة ولا يرمي هناك سهما ولا يتقدم عليها بترس ولا يقيم عليها مترسة. 34 في الطريق الذي جاء فيه يرجع وإلى هذه المدينة لا يدخل يقول الرب. 35 وأحامي عن هذه المدينة لاخلصها من اجل نفسي ومن أجل داود عبدي” (سفر إشعياء 37 : 33 – 35).

” و كان في تلك الليلة أن ملاك الرب خرج و ضرب من جيش آشور مئة الف و خمسة و ثمانين ألفا و لما بكروا صباحاً إذا هم جميعاً جثث ميتة.  فانصرف سنحاريب ملك آشور و ذهب راجعاً و أقام في نينوى”. (سفر الملوك الثاني 19 : 35 – 36).

قصيدة إهلاك سنحاريب :-

كانت هذه الأحداث هي التي ألهمت الشاعر “لورد بايرن” لكتابة قصيدته “إهلاك سنحاريب” في عام 1815م.  وهي القصيدة التي خلدت اسم الملك لأنها قُررت على أطفال المدارس وأصبح مطلوباً منهم أن يقوموا بحفظها وقراءتها بانتظام.

وبذلك أدرك الجميع – حتى أولئك الذين لم يقرأوا سفر الملوك – أن الملك الآشوري قد هُزم. وقد أشار المؤرخون الآشوريون – قبل وقت طويل من كتابة القصيدة – إلى فشل سنحاريب في الاستيلاء على القدس.

 وكذلك فإن الكتاب المقدس قد سجل ستة وأربعين من مدن يهوذا التي سقطت في قبضة الآشوريين إلا أن القدس لم تكن من بينهم. وإضافة لما سبق، فإن قصر سنحاريب مزخرف بنقوش تصور حملاته العسكرية وانتصاراته بما في ذلك حصار لكيش، ولكن القدس لم تظهر أبداً من بين تلك الانتصارات.

الآشوريون أمام المصريين:-

وقد استشهد العلماء برواية هيرودوت عن معاناة الآشوريين في المعركة ضد مصر في مدينة الفرما ، يكتب هيرودوت أن الفرعون المصري سثوس صلى إلى إلهه من أجل المساعدة في هزيمة القوة الآشورية الهائلة، وقد أرسل الرب إلى هناك ” سرب من فئران الحقول والتهمت كنانات وأوتار أقواس العدو، كما التهم أربطة دروعهم. وفي الصباح بدأوا قتالهم، وسقطت أعداد غفيرة، إذ لم يكن لديهم أسلحة يدافعون بها عن أنفسهم.”.

يُعتقد أن القصتين تشيران إلى وباء أصاب الجيش الآشوري في مناسبتين منفصلتين، وأياً كان ما حدث فقد بقيت المدينة على حالها وعاد سنحاريب إلى نينوى.

بناء المشاريع وغزو عيلام:-

بالعودة إلى نينوى؛ نجد أن سنحاريب قد كرَّس نفسه لبناء المزيد من المشاريع، وكان قد كلف بالفعل بتجديد المدينة في وقت سابق، وبعد ذلك أخذ على عاتقه أن يشرف شخصياً على إنشاء المنتزهات والحدائق والبساتين.

وقد كان مولعاً بشكل خاص بالزهور والنباتات والعينات المستوردة من جميع أنحاء الإمبراطورية لوضعها في حدائقه العامة.

 كما أنه أولى اهتماماً خاصاً لقصره الذي أطلق عليه ” القصر الذي ليس له منافس” ، وهو نفس الاسم الذي أطلقه والده على القصر في دور شاروكين.

يكتب المؤلف كريستوفر سكار:

“كان قصر سنحاريب يحتوي على جميع التجهيزات المعتادة لقائد آشوري عظيم مثل التماثيل الضخمة والنقوش الحجرية المنحوتة بشكل مثير للإعجاب (أكثر من ألفي لوح منحوت في 71 غرفة). وكذلك كانت الحدائق استثنائية. تشير الأبحاث الحالية التي أجرتها عالمة الآشوريات البريطانية ستيفان دالي إلى أن هذه الحدائق هي الحدائق المعلقة الشهيرة، واحدة من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم. فيما بعد نسب الكُتاب هذه الحدائق إلى بابل، لكن فشلت عمليات البحث المكثفة في إيجاد أي أثر لها، بينما يتوافق وصف سنحاريب لحدائق القصر  مع الحدائق المعلقة في العديد من التفاصيل الجوهرية”.

مشاكل جديدة:-

وبينما كان سنحاريب مشغولاً بإنشاء المشاريع في نينوى، كانت المشاكل تندلع في الجنوب. فبعد أن استولى على بابل، قام بتعيين شخص موثوق يُدعى بيل إبني وسلَّمه عرشها.

 نشأ بيل إبني في كنف سنحاريب في البلاط الآشوري ، واعتقد أنه جدير بالثقة. وبغض النظر عن ولائه، فقد كان بيل ابني حاكماً غير كفؤ سمح للمناطق الجنوبية بأن تفعل ما يحلو لها.

وفي هذا الوقت عاد مردوخ بلادان من مخبئه وبدأ بإثارة الاضطرابات في جميع أنحاء المنطقة.

توجه سنحاريب مجدداً إلى الجنوب، وأخمد الثوارت، ثم أرسل بيل إبني إلى نينوى، وعين ابنه ووريثه آشور نادين شومي ليحكم بابل.

مواجهة عيلام :-

بعد ذلك ذهب سنحاريب لمطاردة مردوخ بلادان، وجهز جيشاً ضخماً لإيجاد وقتل قائد المتمردين، وعندما وجده أخيراً، كان قد توفي وفاة طبيعية.

عاد سنحاريب إلى نينوى، لكن سُرعان ما استُدعي إلى حملة جديدة، فقد اختطف العيلاميون آشور نادين شومي ، وأعلنوا أن بابل أصبحت في قبضتهم. تمكن سنحاريب من الانتصار على البابليين، واستولى على المدينة مرة أخرى، وأعدم المتمردين، لكن لم تكن هناك معلومات عن مصير ابنه، وقد أدى ذلك إلى اندلاع الحروب بين الآشوريين والبابليين والعيلاميين لمدة أربع سنوات.

جهز سنحاريب رحلة استكشافية ضخمة لغزو عيلام ضمت السفن الفينيقية وكل قوة الجيش الآشوري. جمع الملك العيلامي قواته وتحرك لملاقاة الآشوريين عند ضفة نهر دجلة.

تصف نقوش سنحاريب المعركة الافتتاحية:

“مع غبار أقدامهم الذي غطى السماوات الواسعة كعاصفة عاتية، تجمعوا أمامي في صفِّ القتال على ضفة نهر دجلة. وقد قطعوا ممراتي وبدأوا المعركة. وضعت معطفي ، وخوذتي شعار النصر وضعتها على رأسي. وركبت مركبتي القتالية التي تهزم الأعداء بالغضب الذي يعتمل في صدري. وبيدي أمسكت القوس العظيم الذي منحه آشور لي. وقبضت على الرمح . لقد أوقفت تقدمهم ونجحت في حصارهم. لقد أهلكت العدو بالسهم والحربة. لقد قطعت أعناقهم مثل الحملان، وأنهيت حياتهم الثمينة مثلما يقطع أحدهم الخيط. وقد جعلت محتويات حناجرهم وأحشائهم تتدفق على الأرض الواسعة”.

وبالرغم من نجاح المعركة، فإن سنحاريب خسر الحرب ثم عاد إلى نينوى. لا توجد نقوش توضح مصير ابن سنحاريب، ولكن من المرجح أنه أُعدِم عام 694 ق.م. بقيت بابل تحت سيطرة العيلاميين، وعاد سنحاريب إلى مشاريعه الإنشائية ويبدو أنه قرَّر ترك بابل وشأنها.

نهب بابل وتسويتها بالأرض :-

عندما توفي الملك العيلامي في العام التالي، حشد سنحاريب قواته وهاجم بابل على حين غرة. سقطت المدينة وأُرسل المطالب بالعرش إلى نينوى مُقيداً بالسلاسل.

 لقد قضى سنحاريب معظم فترة حكمه في التعامل مع بابل والعيلاميين، وكرَّس الكثير من الرجال والموارد وهو يحاول إخضاع المدينة أكثر مما فعل في أي حملة أخرى، ولذلك عندما تمكن من الاستيلاء على المدينة هذه المرة ، أمر بتسويتها بالأرض.

 يصف سنحاريب في نقوشه عملية التدمير التي قام بها ويروي كيف أنه دمَّر المدينة وأحرقها بالنار وهدم جدرانها ومعابد آلهتها وأغرقها بالماء حتى طمس معالمها تماماً.

دُمِرت بابل، وحُمل تمثال إلهها مردوخ إلى نينوى، ولم يعد سنحاريب قلقاً بشأن من يحكم بابل، أو بشأن المشاكل التي تحدث بسببها؛ فالمدينة لم يعُد لها وجود. اعتقد سنحاريب أن بابل لن تسبب له المزيد من المشاكل بعد اليوم، ولكنه كان مخطئاً. فكما حدث في عهد تيكولتي نينورتا الأول، غضب الناس من تدمير المدينة العظيمة، علاوة على تدنيسه للمقدسات بنهب المعابد والاستيلاء على تمثال مردوخ.

مدينة بابل التي اكتسبت شهرة هائلة عبر التاريخ.

تقول المؤرخة سوزان باور: إنَّ قيام سنحاريب بإغراق مدينة الإله مردوخ كان إهانة للإله، وقد تفاقم الأمر عندما استولى على تمثال الإله وأرسله إلى آشور. كان الآشوريون والبابليون يقدسون بعض الآلهة المتشابهة – حتى وإن اختلفت الأسماء – وكانت هذه الإهانة إلى مردوخ غير محتملة.

تعرف على بابل .. المدينة التي نسجت حولها الأساطير

مقتل سنحاريب : –

يروي سفر الملوك الثاني 19 : 37 قصة مقتل سنحاريب على يد أبنائه : “و فيما هو ساجد في بيت نسروخ إلهه ضربه ادرملك و شراصر ابناه بالسيف و نجوا إلى أرض أراراط و ملك آسرحدون ابنه عوضا عنه”.

تؤكد النقوش الآشورية أيضاً أنه قُتِل على يد أبنائه، ولكن تختلف في ما إذا كان قد طُعِن أو دُهِس حتى الموت.

 يكتب المؤرخ ستيفين بيرتمان: “طُعِن سنحاريب بيد شخص (قد يكون واحداً من أبنائه) ، وفي رواية أخرى أنه دُهِس حتى الموت بواسطة ثور مجنح . وبغض النظر عن الطريقة التي مات بها، فمن المرجح أنه قُتل بسبب أفعاله في بابل.

من المعروف أن اغتيال توكولتي نينورتا – على يد أبنائه – قد حدث كنتيجة لنهب بابل، لذلك هناك احتمال بأن الكتبة قد خلطوا بين الدافع وراء اغتيال الملكين، ولكن يظل احتمال مقتل سنحاريب بسبب تدمير بابل قائماً.

الوراثة:-

بعد اختطاف آشور نادين شاومي كان على سنحاريب أن يختار وريثاً آخر، وفي عام 683 ق.م اختار ابنه الأصغر أسرحدون (الذي لم يكن ابن الملكة، ولكن ابن واحدة من محظياته تُدعى زاكوتو).

 كان ازدراء سنحاريب لأبنائه الأكبر سناً كافياً ليكون دافعاً لهم لقتله من أجل الاستيلاء على العرش لأنفسهم، لكنهم كانوا بحاجة لسبب شرعي ، وقد وفر تدمير بابل لهم المبرر لذلك.

بعد مقتل سنحاريب، اعتلى آسرحدون العرش وهزم أشقاءه في حرب استمرت ستة أسابيع، ثم أعدمهم وأعدم أُسرهم، وبعد أن استقر حكمه أصدر مراسيم وإعلانات جديدة، ومن أول المراسيم التي أُصدرت مرسوماً يوصي بإعادة إعمار بابل.

اقرأ أيضاً معلومات عليك معرفتها حول منجزات السومريين

المصدر:-

https://www.ancient.eu/sennacherib/

https://images.metmuseum.org/CRDImages/dp/original/DP863712.jpg

Maha

مها عبيد من مواليد العام 1987 م ، حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم، شعبة ميكروبيولوجي، وأعمل على إتمام دراسة الماجستير، مهتمة بالترجمة والتاريخ واللغات، وشغوفة بتعلم الأشياء الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى