أعلام

سعيد بن المسيب .. سيد التابعين في زمانه

جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع، وكان يعيش من التجارة بالزيت

سعيد بن المسيب –اسمه ونشأته:

سعيد بن المسيب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو، أبو محمد القرشي المدني، سيد التابعين في زمانه، وأحد فقهاء المدينة السبعة، وُلِدَ سنة 13هـ لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وكان في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه رجلاً.

والمسيَّب: بفتح الياء المشددة، وروي عنه أنه كان يقول بكسر الياء، ويقول: “سيَّب الله من يسيِّب أبي”.

سعيد بن المسيب – مكانته العلمية:

يعتبر سعيد بن المسيَّب أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وقد كان سيد التابعين من الطراز الأول، جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع، وكان يعيش من التجارة بالزيت، لا يقبل أن يأخذ أي عطاء من أحد، وكان أحفظ الناس لأحكام وأقضية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حتى سُمِّي راوية عمر.

لقي جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وسمع منهم؛ مثل: عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم، ودخل على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عنهن.

روى عنه خلق كثير؛ مثل: عمرو بن دينار، وقَتَادة بن دِعامة، والزُّهْري، وغيرهم.

كان زوج بنت أبي هريرة، وأعلم الناس بحديثه، وكان يسير الليالي الطوال في طلب الحديث الواحد.

سعيد بن المسيب – صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة

فضائله ومأثوراته:

روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: “حججت أربعين حجة”، وقال: “ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة”؛ وذلك لمحافظته على الصف الأول.

وقيل: إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة، وكان يقول: “ما أعزَّتِ العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها بمثل معصية الله”.

ودعي إلى نيف وثلاثين ألفاً ليأخذها، فقال: “لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان، حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم”.

وكان يقول: “لا تملأوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكارٍ من قلوبكم؛ لكي لا تحبط أعمالكم”.

ورأى عبد الملك بن مروان في منامه كأنه قد بال في المحراب أربع مرات، فوجه إلى سعيد بن المسيَّب من يسأله، فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة، فكان كما قال، فإنه ولي الوليد وسليمان ويزيد وهشام، وهم أولاد عبد الملك لصلبه.

المسجد النبوي بالمدينة المنورة 1910 م
المسجد النبوي بالمدينة المنورة 1910 م

نوادر ابن المسيب :

قال أبو وداعة: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: هلا أخبرتنا فشهدناها؟ قال: ثم أردت أن أقوم فقال: هلا أحدثت امرأة غيرها؟ فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: إن أنا فعلت تفعل؟ قلت: نعم، ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين أو قال على ثلاثة، قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي، وجعلت أتفكر ممن آخذ وأستدين؟ وصليت المغرب، وكنت صائماً، فقدمت عشاي لأفطر، وكان خبزاً وزيتاً، وإذا بالباب يقرع.

فقلت: من هذا؟ قال: سعيد، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيَّب؛ فإنه لم يُرَ منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقمت وخرجت، وإذا بسعيد بن المسيَّب، فظننت أنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد، هلا أرسلت إلي فآتيك؟ قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، قلت: فما تأمرني؟ قال: رأيتك رجلاً عزباً قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، فإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم دفعها في الباب ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم صعدت إلى السطح، فناديت الجيران، فجاءوني وقالوا: ما شأنك؟ فقلت: زوجني سعيد بن المسيَّب اليوم ابنته، وقد جاء بها على غفلة، وها هي في الدار، فنزلوا إليها، وبلغ أمي فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام، فأقمت ثلاثاً ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفهم يحق الزوج؛ قال: فمكث شهراً لا يأتيني ولا آتيه، ثم أتيته بعد شهر وهو في حلقته، فسلمت عليه، فرد علي ولم يكلمني حتى انفض من في المسجد، فلما لم يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: هو على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا، فانصرفت إلى منزلي.

وكان عبد الملك بن مروان قد خطب بنت سعيد هذه لابنه الوليد حين ولاه العهد، فأبى سعيد أن يزوجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على ابن المسيب حتى ضربه في يوم بارد وصب عليه الماء.

ما قيل فيه:

قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “ألم أخبركم أنه أحد العلماء”، وقال أيضاً في حقه لأصحابه: “لو رأى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لسره”.

وسئل الزهري ومكحول: من أفقه من أدركتما؟ فقالا: سعيد بن المسيب.

وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: “بلغني أن سعيد بن المسيَّب كان يلزم مكاناً من المسجد لا يصلي من المسجد في غيره، وأنه ليالي صنع به عبد الملك ما صنع قيل له أن يترك الصلاة فيه فأبى إلا أن يصلي فيه”.

وفاته:

لما احْتُضِرَ سعيد بن المسيب ، ترك دنانير، فقال: “اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلا لأصون بها حسبي وديني”، وقد توفي بالمدينة المنورة سنة 94هـ، وسُمِّيت هذه السنة سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها من الفقهاء.

الرحالة والجغرافي الإصطخري يصف المدينة المنورة والمسجد النبوي خلال عصره
الرحالة والجغرافي الإصطخري يصف المدينة المنورة والمسجد النبوي خلال عصره

اقرأ ايضا كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

المصادر:

  • الأعلام (3/102).
  • سير أعلام النبلاء (4/217/رقم 88).
  • طبقات الحفاظ للسيوطي (25/رقم 37).
  • وفيات الأعيان (2/375).
  • Image by Konevi from Pixabay

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى