معلومات تاريخية

سطيف .. مدينة جذورها تضرب في أعماق التاريخ

شهدت العديد من الثورات الشعبية ضد الاستعمار منها: زواغة، فرجيوة، والبابور

استوطن الإنسان منطقة سطيف منذ ما قبل التاريخ، فقد أثبتت الدراسات تواجد إنسان كرومانيوم في موقع عين الحنش الواقع في بلدية القلتة الزرقاء (دائرة العلمة بولاية سطيف).

التطور التاريخي لمدينة سطيف:-

تقع مدينة سطيف شرق الجزائر، وتتوسط العديد من المدن، ما جعلها همزة وصل بين مختلف المناطق الشرقية والوسطى، وتتميز بتربة خصبة جعلتها تشتهر على مرِّ العصور بإنتاج أجود أنواع الحبوب.

في العصر القديم:-

إن سطيف مدينة ضاربة في القِدَم، فقد كانت جزءاً من مملك نوميديا البربرية، وبعد سقوط هذه الأخيرة على يد الرومان؛ أصبحت سطيف عاصمة لمقاطعة موريطانيا القيصرية حسب التقسيم الإداري الروماني لشمال إفريقيا عامة. وظلت كذلك حتى عام 26 م وذلك حينما نَقَلَ الملك يوبا الثاني العاصمة إلى شرشال.

ويعود تأسيس سطيف كمدينة إلى الإمبراطور نارفا وذلك سنة 97 م، وأطلق عليها الأسماء التالية: كولونيا فيرفيانا – كولونيا أوغوستا – كولونيا مارتياليس، ومن ثم سميت ستيفيس التي اشتقت من التسمية البربرية أزديف والتي تعني التربة السوداء.

من المقتنيات الأثرية التي تعود للقرن الأول الميلادي
من المقتنيات الأثرية التي تعود للقرن الأول الميلادي والتي تم العثور عليها في شمال إفريقيا – الميتروبوليتان

الاحتلال البيزنطي:-

بعد تراجع قوة الوندال في شمال إفريقيا؛ أقدم البيزنطيون على احتلال سطيف، ونجحوا في الاستيلاء على العديد من المدن على طول الشريط الممتد من تونس إلى المغرب الأقصى.

وكانت سطيف واحدة من تلك المدن، وقد شيّدوا فيها القلعة البيزنطية (موجودة حاليا بحديقة التسلية)، والتي لم يتبقَ منها سوى السور الغربي والجنوبي وذلك بفعل تضررها من جرَّاء تعرضها إلى زلزال قوي ضرب المنطقة، وأتى على الكثير من عمرانها وسكانها.

العصر الإسلامي:-

لم تُعتبر سطيف في العصور الإسلامية الأولى مدينة رئيسة، غير أنها كانت آهلة بالسكان الذين يمتهنون الزراعة، ما أكسبها أهمية اقتصادية، فكانت مركز تموين لجيوش الدولة الأغلبية بالحبوب خاصة.

وبدأ الدور السياسي لسطيف في التبلور وذلك في عهد الفاطميين الذين اتخذوا من قلعة ايكجان شمال المدينة مقراً لانطلاق دعوتهم وعاصمة أولى لدولتهم ، وذلك بعد أن احتضنت قبيلة كتامة البربرية -التي كانت تستوطن المنطقة- الدعوة الفاطمية، فأصبحت معقلا لأصحاب هذه الدعوة.

وظلت سطيف محافظة على أهميتها الاقتصادية في عهد الحماديين (1014- 1152م)، خاصة وأنها تقع جنوب عاصمتهم بجاية، فكانت بوابة تجارية نحو المناطق الداخلية والجنوبية.

تعرف هنا على بجاية .. عاصمة الدولة الحمادية

وصف الإدريسي لمدينة سطيف

وعلى إثر الغزوات الهلالية التي اجتاحت بلاد المغرب في القرن الخامس الهجري؛ استوطنت قبيلة بني عامر الغرابة منطقة سطيف -إحدى بطون الذواودة- منطقة سطيف، وبسطوا سيطرتهم على أجزاء كبيرة من إقليم الزاب (الشرق الجزائري) فتعربت المنطقة بشكل كبير.

ووصف الرحالة والجغرافي الشهير أبو عبد الله الإدريسي (1099- 1165 م) مدينة سطيف بالقول: “.. وحصن سطيف حصنٌ كبير العطر كثير التخلق كالمدينة، وهو كثير المياه والشجر والمثمر، بضروب من الفواكه ومنها يحمل الجوز لكثرته بها الى سائر الاقطار وهو بالغ الطيب حسن ويباع بها رخيصا”.

في العهد العثماني:-

كانت سطيف تتبع الحفصيين وقاعدتهم ببجاية لنحو ثلاثة قرون حتى مجيء العثمانيين، فأصبحت ضمن بايليك الشرق (مقاطعة) وعاصمته قسنطينة.

سيف جزائري يعود للقرن الثامن عشر
سيف جزائري يعود للقرن الثامن عشر أو التاسع عشر (متحف الميتروبوليتان)

الاحتلال الفرنسي:-

سقطت سطيف على يد الاحتلال الفرنسي، فقد دخلها الجنرال كالبوا بتاريخ 15من شهر ديسمبر كانون الأول 1838م، وذلك بعد القضاء على مقاومة أحمد باي قسنطينة.

وكان مما قام به الفرنسيون في سطيف هو إحياء الآثار الرومانية والبيزنطية، على غرار ما فعلوه في بقية المناطق الجزائرية وذلك بهدف إحياء أمجاد الرومان ومحاولة منهم إقصاء تاريخها الإسلامي والعربي، فقاموا بترميم القلعة البيزنطية وسط المدينة وتمركزوا فيها، فكانت لهم حصناً منيعاً.

ثم ما لبثت مدينة سطيف أن توسعت خارج حدود هذه القلعة بشكل كبير وذلك خلال الحقبة الاستعمارية، ولهذا نجد عمرانها يأخذ الطابع الفرنسي والهندسة الأوروبية التي تتضح في نمط البنايات والشوارع وتقسيماتها، ولا تزال الكثير من هذه البنايات والمنازل الكبيرة قائمة إلى اليوم.

وفي إطار السياسة الاستعمارية في الاستيطان لإحكام القبضة على البلاد، أسست حكومة الاستعمار مستوطنات لها في كل مكان، فكانت سطيف واحدة منها، لما تمتاز به من أرض خصبة، فأقامت بها العديد من المزارع الكبرى بعد سلب الأراضي الفلاحية من أصحابها، ومنحتها للمستوطنين الذين جاءت بهم من أوروبا لاستغلالها في زراعة الحبوب التي تناسب جدا مناخ المنطقة، فلا تزال إلى اليوم تحتل سطيف المراتب الأولى في زراعة الحبوب في الجزائر.

سطيف الثائرة:-

شهدت منطقة سطيف العديد من الثورات الشعبية ضد الاستعمار منها: زواغة، فرجيوة، والبابور سنة 1849-1864 م ، حصار تاقيطونت (تيزي نبشار) سنة 1865 م، كما شملتها ثورة المقراني سنة 1871م.

ميناء الجزائر عام 1899 م
فرنسا مكثت في الجزائر 132 عاماً – ميناء الجزائر عام 1899 م

ومع بداية الحركة الوطنية ونشاط النضال السياسي؛ كانت مدينة سطيف مقراً مُفضَّلاً للكثير من زعماء الحركة الوطنية: فرحات عباس، البشير الإبراهيمي، محمد الأمين دباغين، علي محساس، محمد بوضياف وغيرهم.

كما كانت سطيف نواة لمظاهرات 8 مايو أيَّار 1945 التي خرج فيها الجزائريون احتفالا بانتصار الحلفاء وتحقيق حلم الاستقلال الذي وعدتهم به فرنسا، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى مجازر دامية أقدمت عليها فرنسا في حق المتظاهرين في كل من خراطة قالمة وسطيف، وأطلقت أول رصاصة على أحد عناصر الكشافة الإسلامية بسطيف وهو “سعال بوزيد”، الذي رفض إنزال علم الجزائر فسقط كأول شهيد، وأقيم له بعد الاستقلال نُصُباً تذكارياً وسط المدينة.

وفي أعقاب هذه الأحداث؛ ظهرت العديد من الأشعار والأغاني الحزينة التي تعكس صورة المأساة، لا يزال التراث الغنائي السيطفي يحتفظ بها، بل منها ما أُدخِل ضمن الأناشيد الوطنية الثورية مثل: “حيوا الشمال الإفريقي” و”الطيارة الصفراء”.

أما خلال الثورة التحريرية؛ فقد لعبت سطيف دوراً بارزاً في التنسيق ما بين مختلف ولايات الوطن التاريخية بحكم موقعها الاستراتيجي، بحيث كانت تنتمي للولاية الثانية (الشمال القنسنطيني)، وتقع على الحدود مع الولاية الثالثة (منطقة القبائل).

قسنطينة في العام 1899 م
قسنطينة في العام 1899 م – مكتبة الكونغرس

الرد الفرنسي:-

وكان رد فعل فرنسا إزاء هذا النشاط؛ أن قامت بتكثيف تواجدها العسكري هناك، فزادت من تحصين القلعة البيزنطية التي أصبحت ثكنةً عسكريةً أطلقت عليها اسم “نابليون بونابرت”، كما دشنت مركزاً جهوياً للتجنيد والتدريب يديرها عسكري برتبة جنرال، هذا فضلاً عن إنشائها لمراكز متقدمة بمحيط المدينة من جميع جهاتها: مركز الحرملية (مزلوق)- معتقل قصر الطير، وغيرها.

معالم مدينة سطيف:-

تزخر سطيف بالعديد من الأماكن التاريخية والأثرية التي تشهد على عراقة هذه المدينة، نذكر منها:

المسجد العتيق: وهو أقدم مسجد في المدينة ويعدّ من أهم معالمها، تضاربت الآراء حول تاريخ تأسيسه بين من يرجعه للحقبة العثمانية وبين من ينسبه لفترة الاحتلال عام  1854 م مستندين في ذلك إلى اللوحة التأسيسية الواقعة فوق المدخل الرئيسي للجامع وإلى الوثائق الرسمية الخاصة به، وأغلب الظن أنه أقدم من الوجود الفرنسي هناك، ولا يزال المسجد ذو الطابع العمراني المغربي الأندلسي يحتفظ بكل تفاصيله وتقام فيه الصلاة.

مدينة جميلة الأثرية: وتسميتها الرومانية “كويكول”، تقع في الشمال الشرقي من مدينة سطيف، وهي واحدة من أكبر المدن الرومانية الباقية في شمال إفريقيا، لازالت محتفظة بجل آثارها ومعالمها، وقد تأسست في القرن الأول للميلاد، وكانت مركزاً عسكرياً ثم تحولت مع الوقت إلى مدينة كبيرة تحتوي على العديد من المرافق: فوروم (ساحة عمومية)، مسرح، سوق، حمامات، وغيرها.

وقد أولاها الاحتلال الفرنسي عناية كبيرة، حيث فَرَّغ لها الباحثين والمنقبين لإحيائها.

مدينة سطيف
مدينة جميلة الأثرية

قلعة ايكجان: وهي القلعة التي اتخذها أبو عبيد الله الشيعي منطلقا لدعوته وانبثقت منها دولته أواخر القرن الثالث الهجري، قبل أن ينتقل إلى المهدية بتونس، وتقع في بلدية بني عزيز حاليا شمال شرق سطيف، لم تحظى هذه القلعة للأسف بنفس العناية التي حظيت بها جميلة في التنقيب والترميم، فقد أهملت تماما، تنقسم بقايا آثارها إلى:

  1. الخربة: وتوجد بقربها أطلال القصر.
  2. مصر: وهي أرض تقع شرقي الخربة وتسمى عند السكان المحليون مصر.
  3. القصر: وهو خربة أخرى تقع على بعد 5 كلم من الخربة الأولى.

عين الفوارة: وهي عين مشهورة تتوسط قلب المدينة وكل عمرانها بجانب المسجد العتيق، وهذه العين تضرب بجذورها في القِدَم، وسبب تسميتها بالفوارة يعود للبخار الذي يفور من مائها.

ففي الشتاء حينما يكون الطقس بارداً جداً؛ فإن الماء الذي يخرج من جوف الأرض يصحبه بخار ناتج عن التقائه بالهواء البارد، فيتهيأ للناظر وكأن شيئاً ما يفور كالبركان أو ما شابه، فأطلَق عليها السكان المحليون اسم العين الفوارة.

ويقال إن الحاكم الفرنسي في المدينة أراد إغاظة الأهالي واستفزاز مشاعرهم الدينية -كعادة المستعمر الفرنسي- فقام بتنصيب تمثال امرأة شبه عارية على عين الفوارة عام 1898م، لما كان المصلون يستخدمونها في الوضوء.

 ومازال التمثال إلى اليوم قائما وقد أصبح مؤخرا مثار جدل بين ناقم عليه وبين من يعتبره معلما ًتاريخياً ورغم ذلك؛ فإن التمثال لم ينقص من حب أهل المدينة لعين الفوارة واعتزازهم بها.

ومن الحكايات التي تروى عن عين الفوارة أن من يشرب منها من الزوار حتما سيعود يوماً ما إليها، ومازال هذا الاعتقاد راسخا في الذاكرة الشعبية لسكان المدينة.

وتعرَّض التمثال إلى عملية تخريب مؤخراً.

الثلوج تغمر سطيف كل شتاء
الثلوج تغمر سطيف كل شتاء

أهم المصادر:-

  • نزهة المشتاق، الإدريسي
  • سطيف تاريخ وأمجاد، مديرية المجاهدين، سطيف، 2010
  • التاريخ المغاربي القديم، محمد الهادي حارش
  • الأعمال الكاملة، للمهدي بوعبدلي
  • دور المشاركة الشعبية في التخطيط الحضري، نادية داود، مذكرة ماستر غير منشورة، جامعة سطيف 2
  • Sétif et sa région, Armand Camborieux
  • https://www.flickr.com/photos/dantoujours/15241197554/
  • https://www.flickr.com/photos/[email protected]/15945471975/

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى