أعلامانفوجرافيكسمعلومات تاريخية

سطيح الكاهن .. الذي تنبأ ببعثة النبي الأعظم

ينبغي الحذر من أغلب قصص الكهان في الجاهلية

اشتهر سطيح الكاهن في الجاهلية، واسمه ربيع بن ربيعة، ويقال إنه سمي سطيح لأنه كان لا أعضاء له، وإذا غضب انتفخ وجهه وجلس، وهو واحد من أهم الكهان في الجاهلية، فقد تنبأ ببعثة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.

من هو الكاهن ؟

قبل أن نشرع في الحديث عن نبوءة سطيح الكاهن، فيجب أن نعرف أولًا من هو الكاهن؟

كانت هناك طائفة في الجاهلية تدعي أنها تعلم الغيب، وتستطيع تأويل الرؤى، وهم الكهنة، وكانت العرب في الجاهلية تلجأ إليهم للحكم بينهم، أو من أجل اتخاذ قرار كإعلان الحرب، أو التخلي عن نصرة أحلاف، أو قتل رجل، أو نحر ناقة، أو وفاء زوجة، … وغيرها. 

منطقة رعي بدوية بنهاية القرن التاسع عشر الميلادي – مكتبة الكونغرس

وكان هؤلاء الكهنة يخدمون الأوثان مما جعل لهم نوع من القداسة الدينية، وكأنهم يوحى إليهم من الآلهة، وكانت هذه الطائفة تستعمل السجع كثيرًا والألفاظ الغامضة المبهمة، التي يمكن تأويلها بأكثر من معنى، ولعل سبب ذلك هو أن يضفوا على أنفسهم نوع من الاختلاف عن الآخرين، وكذلك لتفسر هذه الألفاظ كل على حسب فهمه وما يتناسب معه.

وقد اشتهر من هؤلاء سطيح بن ربيعة، وشق الأنماري، والزبراء وغيرهم.

نبوءة سطيح الكاهن ببعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-.

في إحدى الليالي؛ رأى ملك اليمن نصر بن ربيعة رؤيا أرعبته وأهمّته وشعر أنها تدل على شيء مخيف، فلم يترك عرافًا ولا كاهنًا ولا منجمًا من أهل مملكته إلا وأتى به وأخبره الخبر، وعندما كانوا يسألون الملك عن تفاصيل الرؤيا حتى يخبروه بتأويلها، كان يقول إنه لا يمكنه الوثوق بتأويل الرؤيا إذا أخبرهم بها، فمن يعلم الرؤيا من دون ما يخبره بها، سيكون بلا شك عالم بتأويلها؛ فقالت له الناس :”عليك بشق وسطيح، فلا أحد أعلم منهما بهذا الأمر، فبعث إليهما”.

فوصل سطيح قبل شق، فقال له الملك :”إني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فإن أنت أصبتها أصبت تأويلها”، فقال له سطيح: “رأيت حمحمة، خرجت من ظلمة فأوقعت بأرض تهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة”، ومعنى كلام سطيح أن الملك رأى جمرة من نار خرجت من أرض مظلمة بالقرب من البحر فوقعت بأرض منخفضة، فأكلت كل ذات روح، فقال له الملك :” ما أخطأت في شيء منها يا سطيح، فما عندك في تأويلها”.

ابن حوقل يصف منطقة الحجاز خلال تجواله فيها
ابن حوقل يصف منطقة الحجاز خلال تجواله فيها

فأخبره سطيح الكاهن أن تأويل هذه الرؤيا أنه سيهبط في أرضهم الحبش، ويملكون من أبين إلى جرش باليمن، فسأله الملك عن موعد تحقق ذلك، فأخبره أنه بعد ستين أو سبعين سنة، ثم سأله هل يدوم ملكهم، فأخبره أنه سينقطع، وسيخرجون منها هاربين، فسأله من سيقطع ملكهم، قال إرم بن ذي يزن، فسأله هل يدوم ملكه، فأخبره أنه سينقطع بنبي كريم من ولد فهر بن غالب بن مالك بن النضر، وأن الملك سيكون فيه لآخر الدهر.

فسأله :”هل للدهر من آخر؟ ” فقال :”نعم، يوم يجمع الأول والآخر”.

ابن بطوطة يصف حواضر الجزيرة العربية
ابن بطوطة يصف حواضر الجزيرة العربية

تحقق رؤيا سطيح:-

وجاء شق فأخبر بمثل ما أخبر به سطيح الكاهن، مع اختلاف في الألفاظ، وطريقة التعبير، فتأكد الملك أن هذا هو التأويل الصحيح الرؤيا؛ وبالفعل فقد تحقق ما قاله سطيح وشق في هذه الرؤيا، وقد ذكر ابن هشام في غير موضع من سيرته تحقق كلامهما.

وبالرغم من وجود هذه القصة في الكثير من كتب السير والتاريخ إلا أنه يجب الحذر من  أغلب قصص الكهان في الجاهلية؛ لأنه كما يرى البعض فقد أضيف عليها الكثير من التفاصيل التي جعلتها أقرب للخيال من الواقع، فكيف يُعقل أن شق كان شق إنسان، وأن سطيح الكاهن وشق قد عرفا رؤيا الملك دون أن يخبرها لهم!

سطيح الكاهن .. حادثة أخرى:-

قال أبو عبد الله محمد بن عبد السَّلام الخشني: “لما احتضر نزار بن معد بن عدنان، تَرَكَ أربعةَ بنين: مُضَر، ورَبيعة، وأنمار، وإيَّاد، وأوصَى أن يَقسم ميراثهم بينهم سطيح الكاهن”.

وأضاف الخشني ” فلمَّا مَاتَ نِزار، صفَّهم سطيح بين يديه، ثُمَّ أعطاهم على الفِراسة، فأعطى ربيعة الخيل، ويُقال له: ربيعة الفَرَس، وأعطى مُضر الناقةَ الحَمراء، فيُقال له: مُضر الحَمراء، وأعطى أنماراً الحِمار، وأعطى إيَّاداً أثاثَ البيت”، قال الخشني: فقيل لسطيح: “من أين علِمت هذا العلم؟، قال: سمعتهُ من أخي حين سمعهُ من موسى يوم طور سَيناء”.

هذه الرِّواية الأخيرة أوردها ابن عبد ربه الأندلسي في كتابه الشهير “العقد الفريد”، ولا يُمكن التثبُت من صِحتها، فتُترك على ذمتي الراوي والناقل.

ابن عبد ربه جمع قدراً هائلاً من الروايات الموروثة وذلك في كتابه الشهير “العقد الفريد”

المصادر:

  • تاريخ الأدب الجاهلي للدكتور شوقي ضيف، ص 420:423، دار المعارف بمصر، الطبعة الحادية عشر.
  • تاريخ العرب قبل الإسلام لمحمد سهيل طقوس، ص 150:152، دار النفائس، الطبعة الأولى.
  • البداية والنهاية، الجزء الثاني ص 162، 163، مكتبة المعارف، طبعة 1990م.
  • سيرة ابن هشام، الجزء الأول، ص 31:34، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة.
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي، تحقيق: محمد سعيد العريان.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى