معلومات تاريخية

“البصرة” و”الكوفة” قُطبا المدارس النحوية

الحاجة للنحو كانت لمواجهة آثار اختلاط العرب بالعجم على اللغة العربية

تسمو منزلة كل علم بمقدار الحاجة التي ألحَّت لبزوغه، وكفى بعلم النحو فخرًا أن تأسيسه كان في سبيل صيانة لغة القرآن الكريم عن اللحن والخطأ، فنشأ في رحابه المباركة، وتأسست المدارس اللغوية والنحوية، وتهافتت على تدعيم أصوله، وإرساء قواعده، وتنافس الأشراف والأفذاذ على النيل من فيوضه، وفي مقدمتهم مدرستا البصرة والكوفة.

 بداية تدوين علم النحو:-

انْح هذا النحو” كانت هذه الكلمات المُوجزات على لسان علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – بمثابة ساعة الصفر للبدء بالتدوين ووضع حجر الأساس لهذا العلم قبل قرابة أربعة عشر قرنًا من الزمان، حينما دخل عليه أبو الأسود الدؤلي عندما كان يقرأ رقعة في يده فقال له : ما هذه؟ قال علي – رضي الله عنه -: إني تأملت كلام العرب، فوجدته قد فسد بمخالطة الأعاجم، فأردت أن أصنع شيئًا يرجعون إليه، ويعتمدون عليه، ثم قال لأبي الأسود الدؤلي: انح هذا النحو، وكان يقصد بذلك أن يضع القواعد للغة العربية والنحو، وروي عنه أنّ سبب ذلك كان أنّ جارية قالت له (ما أجملُ السماء؟) وهي تود أن تقول: (ما أجملَ السماء!) فقال لها: (نجومها!).

أبو الأسود الدؤلي الكِناني إمام النحو وقاضي البصرة. الكوفة والبصرة
أبو الأسود الدُّؤَلي الكِناني إمام النحو وقاضي البصرة.

كانت هذه هي بداية الانطلاقة لنشأة هذا العلم الفتيّ، فأقبل عليه التلاميذ يأخذون عنه، فجعل النحاة يتتابعون طبقات بمرور الأيام، وتناقل علم النحو ونما غرسه، واشتد عوده، وتشكلت كينونته

المدارس النحوية:-

يشير هذا المصطلح إلى الإتجاهات التي ظهرت لدراسة علم النحو، والتي تختلف في مناهجها وبعض مسائلها، وقد ارتبط كل مذهب منها بإقليم عربي معين، ومن هذا المنطلق نشأت مدرستا البصرة والكوفة اللتان خلّفتا للأمة علماء جهابذة، وثروة لغوية ضخمة، ومؤلفات قيمة.

مدرسة البصرة ظفرت بالسّبق:-

مما لا مراء فيه ولا جدال أن النحو البصري كان أسبق وجودًا من النحو الكوفي، أو كما قيل إنه قد نشأ النحو بصريًا وتطور بصريًا، ويُردُّ وضع علم النحو إلى مدرسة البصرة؛ فقد كانت الحاجة لذلك أشد بها لكثرة خلاط العجم بالعرب، وتسلل اللحن في اللغة؛ لأنها كانت مَرفأ بحريًا يستقبل الكثير من الأجناس، فكان لزاماً على علماء و فصحاء البصرة الاشتغال بالنحو لصيانة اللغة العربية من الذوبان في اللغات الأعجمية، أما الكوفة فكانت ثغرًا من ثغور البادية، اشتغلت بإقراء القرآن الكريم ، ورواية الشعر العربي، وعلم الأدب والفقه، وتركت مهمة النهوض بعلم النحو لعلماء البصرة الأقحاح وأفذاذها، وظلت تنهل من فيض ما يأتيها من علماء البصرة حتى القرن الثاني الهجري، حينما بدأت بالإهتمام بعلم النحو الذي علا شأنه وشأن علمائه ومكانتهم، لتحاول أن تلحق بركب البصرة وعلمائها الأفذاذ.

وصف الإصطخري لمدينة البصرة والكوفة
وصف الإصطخري لمدينة البصرة

مدرسة الكوفة حظيت بالقرب من الخلفاء:-

لئن حظيت مدرسة البصرة بالسبق لتأسيس علم النحو والاشتغال به والتبحر فيه، فقد حظيت مدرسة الكوفة بالقرب من الخلفاء الذين فتحوا لهم أبوابهم على مصراعيها، لأن الكوفة كانت هي الأقرب موقعًا من بغداد، فأوكل الخلفاء إلى علمائها تأديب أبنائهم، فهذا هو الفرّاء في حاشية المأمون ومُؤدب ولديه، وابن السّكيت حظي بمُنادمة المتوكل.

مُجمل الاختلاف بين مدرستي البصرة والكوفة:-

ترجع أسباب الاختلاف بين مدرستي البصرة والكوفة إلى منهج الاستنباط المُتبع  لكل منهما، من حيث السماع والقياس والتعليل، وكذلك الموقع الجغرافي والموقف السياسي، ولم يخل الأمر أيضًا من التنافس العلمي والرغبة في إثبات الذات، وطريقة وأسلوب التفكير، ودوافع العصبية الإقليمية، كل هذه عوامل تضافرت وشكلت أُسس الاختلاف بين البصرة والكوفة، ومهدت لمذهبي النحو البصريّ والكوفيّ.

وجوهر الاختلاف والخلاف بين المدرستين يكمن بالأساس في السماع والقياس، حيث يتشدد نُحاة البصرة في الشواهد والروايات التي يعتدون بها ولا يأخذون إلا بالموثوق منها، وماعدا ذلك يرمونه بالشذوذ، أما نُحاة الكوفة فصدرهم أكثر رحابة فيما يتعلق بذلك، فهم لا يترددون في تلقُّف الروايات النادرة أو الشواهد الشاذة، وكذلك يعتدّون بكل ما ورد على ألسنة العرب.

سِيبويه والكِسائيّ من أعلام البصرة والكوفة:-

إن الحديث يطول عن أعلام مدرستي البصرة والكوفة من النحاة، الذين قدموا علمًا كان ذُخرًا للأمة، وجميعهم نجوم ساطعة في سماء اللغة، ولعلّ من أشهرهم سيبويه إمام نُحاة البصرة، والكسائي إمام نُحاة الكوفة، وسنترجم لكل منهما فيما يلي:

أولاً : سيبويه صاحب “الكتاب”:-

اسمه عمرو بن عثمان بن قنبر، لقبه الذي جاب الآفاق سيبويه، وُلد بفارس بمدينة البيضاء، لكنه نشأ وأقام بالبصرة، وقد أخذ علم النحو عن فطاحل اللغة الذين سبقوه، وعلى رأسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي ظل ملازمًا له كظله، وكان الأقرب إليه، وتتلمذ أيضًا على يد عيسى بن عمرو، ويونس بن حبيب، وكانت وفاته سنة 180ھ.

كتاب سيبويه:-

كان مُؤلَّف سيبويه أيقونةً خالدة في علم النحو، ذات أثر باق حتى يومنا هذا، ولم تعرف العربية كتابًا حفل به العلماء مثله، فقد يسّر للدارسين بعده السبيل، وأصّل لهم الأصول، وقدّم الشواهد، واستخرج الكنوز، فكان لهم نبراسًا يهديهم الطريق، غير أن سيبويه لم يُسمِّ كتابه، كما لم يجعل له مقدمة ولا خاتمة، فسماه العلماء عنه باسم “الكتاب”، وفيه يستعرض المفردات والأساليب من مأثور ومُستحدث ويفنِّدها، ويقضي فيها بحكمه حُسنًا أو قبحًا، صحة أو خطأ، كما استعرض في كتابه آراء شيوخه ناقدًا أو معلقًا أو مؤيدًا.

سيبويه إمام الكوفة والبصرة

ثانيًا : الكسائي إمام نحاة الكوفة:-

هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، كوفيّ المنشأ، وأحد القُراء السبعة المشهورين، أخذ علمه عن معاذ
الهرّاء، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وأُقرأ كتاب سيبويه على يد الأخفش، ولِعظم علمه ورفعة شأنه فقد
عهد إليه الرشيد بتأديب ولديه الأمين والمأمون، وقد توفي سنة 189ھ، بعد أن خلَّف كثيرًا من الآراء النحوية
المعمول بها، والكتب القيمة مثل “معاني القرآن” و “علم النحو”.

بعض مسائل الخلاف بين مدرستي البصرة والكوفة:-

عدَّدَ الشيخ محمد الطنطاوي في كتابه “نشأة النحو وتاريخ أشهر النُّحاة” بعض مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين ومنها:

  • ذهبت مدرسة البصرة إلى أن الفعل مُشتق من المصدر، بينما ذهبت الكوفة إلى القول بعكس ذلك.
  • يقول البصريون أن الظرف لا يرفع الاسم إذا تقدّم عليه، بينما يقول الكوفيون بأنه يرفعه.
  • ذهب البصريون بجواز تقديم الخبر على المبتدأ، بينما ذهب الكوفيون بعدم جواز ذلك.
  • يرى البصريون أن نِعم وبئس فعلان ماضيان، بينما يرى الكوفيون أنهما اسمان.
  • لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه عند البصريين، بينما يجوز عند الكوفيين.
  • لا يجوز تقديم الاستثناء في أول الكلام عند البصريين، بينما جوّزه الكوفيون.
  • أَفْعَل في التعجب فعل ماض عند البصريين، بينما هي اسم عند الكوفيين.

ختامًا، لا يفوتنا ذكر بعض مما تغزَّل به العلماء والشعراء في علم النحو، فقد مدح الإمام مالك بن أنس –
رحمه الله – فن الإعراب قائلًا : “الإعراب حُلى اللسان، فلا تمنعوا ألسنتكم حُليّها”، وأكدّ الإمام جلال الدين
السيوطي
-رحمه الله – على أن : “من فاته علم النحو فاته المعظم”، وقال شاعر:

من فاته النَّحو فذاك الأخرس . وفهمه في كل علم مُفلس

وقدره بين الوَرَى موضوع .وإن يُناظَر فهو المقطوع

لا يهتدي لحكمةٍ من ذكرِ.ومَاله في غامضٍ من فكرِ

المصادر:-

  • اختلاف الآراء النحوية بين مدرسة البصرة والكوفة، محمد معروف، 2010
  • حياة الشعر في الكوفة، يوسف خليف، دار الكتاب العربي، 1968
  • طبقات النحويين، محمد بن الحسن الزبيدي
  • نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، محمد الطنطاوي
الوسوم

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق