أعلاماختراعات

زين الدين الآمدي .. الفقيه المبادر بصناعة الحروف البارزة

تمكَّن من إجادة اللغات الفارسية والتركية والمغولية إلى جانب العربية التي برَعَ في سائر فنونها

زين الدين الآمدي ، التعريف بالشخصية:-

لا يختلف اثنان على أن زين الدين علي بن أحمد بن يوسف بن الخضر الآمدي هو أول من صنع الحروف البارزة التي تساعد فاقدي البصر على القراءة.

فالآمدي -الذي ولد في قرية آمد الواقعة في الأناضول بمنتصف القرن الثالث عشر- سبق الفرنسي  لويس بريل (توفي 1852 م) بما يربو على خمسة قرون في ابتكار نظام الأحرف النافرة التي يمكن للمكفوف تحسُّسها والتعرُّف عليها وبالتالي التمكُّن من القراءة.

مسقط رأس الآمدي :-

تقع آمد -التي ينتمي لها زين الدين الآمدي – في منطقة ما بين النهرين، وتحديداً جنوب شرقي تركيا، وقد حافظت على اسمها لغاية عام 1869 م، واستُعيض عنه باسم ديار بكر.

فتحها المسلمون على يد خالد بن الوليد وذلك سنة 18 هجرية (639 م)، وقد سكن آمد عبر التاريخ العرب والتركمان والكرد والسريان والأرمن والكلدان واليهود، وهي شهيرة بزراعة الحبوب والبقوليات والفواكه والخضار، إلى جانب تميزها بصناعة العسل والنحاسيات التقليدية والمجوهرات.

اللغوي أبو علي القالي (280-356هـ)، ولد بمدينة منازكرد، ثم توجه إلى العراق وأكب على الدراسة والتحصيل، وترك لنا كتب قيمة أهمها كتاب الأمالي
ديار بكر التي ينتمي إليها الآمدي.

سماته الشخصية:-

لم يحظَ الآمدي بقدرٍ كافٍ من الأضواء التي سُلِّطَت على بعض أعلام الحضارة العربية الإسلامية، وذلك على الرغم من مساهماته الكبيرة التي أحاطت علوماً  متعددة. وقد أثنى المؤرخون على شخصية زين الدين الآمدي ، فقد قال عنه الزركلي في “الأعلام” :  “كان آية في قوة الفراسة، وحدَّة الذِّهْن، وتعبير الرُّؤيا، عارفاً بلغاتٍ كثيرة.. وصنَّفَ كتباً منها جواهر التبصير في علم التعبير”.

وقال عنه الصلاح الصفدي :”كـان شيخاً مليحاً ، مهيباً صالحاً ، ثقة صدوقاً ، كبير القدر والسن ، وكان لا يفارق الأشغال والاشتغال “أي التدريس والدرس ” أبداً، وعنده تودُّد عظيم وتؤدة تامة في سائر أموره وحركاته، وأنَّه كان للناس والحُكَّام والرؤساء عليه إقبالاً كبيراً لما له من خير وفضل وورع وحلم ودين ونزاهة ومروءة..”

مكانته العلمية:-

زين الدين الآمدي الذي عُمِيَ في صغره؛ تمكَّن من إجادة  اللغات الفارسية والتركية والمغولية إلى جانب العربية التي برَعَ في سائر فنونها.

كما يعتبر أحد أكبر فقهاء المذهب الحنبلي من حيث فقهه وصلاحه وصدقه ومهابته، وقد حاز شهرة واسعة حينما انتقل إلى بغداد التي توفِّي فيها سنة 714 هجرية (1314 م).

وتنسب الحنابلة للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، إمام المذهب الفقهي، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، والذي قال عنه قتيبة بن سعيد: “لو أدرك أحمد بن حنبل عصر الثَّورِيِّ، والأوزاعي، ومالك، والليث بن سعد، لكان هو الـمُقدَّم”.

الآمدي و تجارة الكُتُب :-

اشتهر زين الدين الآمدي بكياسته وفطنته التي قادته لتجاوز المصاعب التي تترافق عادةً مع حياة المكفوف،  فقد احترف التجارة بالكتب وحقق منها مالاً وفيراً، إذ لم يكُن ينطلي عليه دهاليز الباعة وأساليبهم.

فقد كانت لديه القدرة على تقييم الكتب التي يقتينها ليقوم ببيعها لاحقاً، كيف لا؟ وهو العارف باللغات المتعددة فضلاً عن تفرغه في بغداد لبعض الوقت وذلك لأغراض تعلُّم الحيل الميكانيكية التي تتطلب قدراً كبيراً من الذكاء.

فوظَّف كُل هذه المهارات والمواهب التي حازها ليتمكن من تحقيق نجاح كبير على صعيد تجارة الكتب، وذلك على الرغم من أن الفترة عاش فيها جاءت بعد دخول العالم الإسلامي في حقبة انحطاط ثقافي أعقبت غزو المغول للشرق العربي عام 656 هـ (1258 م)، وأدى ذلك إلى ضياع الإرث المكتوب الذي كانت تكتنزه مكتبة بيت الحكمة في بغداد.

لقد كانَ الظَّنُ أن يحمِلَ التَّتَار هذه الكُتُب القيِّمَة إلى قراقوم عاصِمة المغول ليستفيدوا – وهم لا يزالون في مرحلة الطُفولة الحضارية- من هذا العِلم النَّفيس.. لكنَّ التَّتَار أُمَّةً هَمَجِيَّة.. لا تقرأ ولا تُريدُ أن تتعلَّم.. يعيشون للشهوات والملذَّات فقط، ألقى التَّتَار بمجهود القُرون الماضية في نهر دِجْلَة، حتى تحوَّل لون مياه نهر دِجْلة إلى اللَّون الأسود من أثَرِ مِدادِ الكُتُب، وحتى قيلَ إنَّ الفارِسَ التَّتَرِي كان يعبُر فوق المُجلَّدات الضَّخْمَة من ضفِّةٍ إلى أُخرى! وكان هذا جريمةً في حقِّ الإنسانية كلَّها!.

— الدكتور راغب السرجاني.

الأحرف النافرة :-

يعتبر زين الدين الآمدي أول من ابتكر طريقة الأحرف البارزة أو النافِرة والتي من شأنها مساعدة المكفوفين على القراءة وذلك عبر تحسُّسهم للأحرف.

ونتيجة إصابته بالعمى منذ طفولته، وبفضل تميزه بالفراسة والذكاء، وبفعل تجارته في الكتب؛ استطَاعَ الآمدي أن يسبق بريل بطريقته المبتكرة بأكثر من 500 عام.

فقدكان العالم الفقيه يقوم بجمع الكُتُب، وكلما كان يقتني واحداً منها؛ أخذ ورقةً ثم قام بفتلها بشكل رقيق ليصنع منها حرفاً أو أكثر من حروف الهَجاء لعددٍ ثمن الكتاب بحساب الجُمَّل، ثم يقوم بلصقها على طرف جلد الكَتاب ويجعل فوقها ورقة تثبتها، فإن غابَ عنه ثمنه؛ مسَّ الحُروف الورقية فعرفه.

وحساب الجُمَّل هي بمثابة طريقة لتسجيل صور الأرقام والتواريخ عبر استعمال الحروف ، كل منها يُعطي رقماً معيناً يدلُّ عليه، وتسفر تشكيلة هذه الحروف ومجموعها عن تاريخ معين، وهذا ما يمكن تطبيقه بشكل عكسي على الأرقام للوصول إلى النُّصوص المكتوبة.

الآمدي سطع نجمه في بغداد وذلك بعد عقود من حرق المغول لبيت الحكمة.

مؤلفاته:-

ترك زين الدين الآمدي مجموعة من المؤلفات القيَّمة، نذكر منها:

  • جواهر التبصير في علم التعبير.
  • منتهي السؤل في علم الأصول.
  • تعاليق في الفقه.

تعرَّف أيضاً على جابر بن منصور السكري .. الطبيب الموصلي البارع

المصادر:-

  • من أعلام الكرد في كردستان تركيا، محمد علي الصويركي.
  • الأعلام، الزركلي.

https://www.albayan.ae/paths/books/2010-07-24-1.267974

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى