أخبار العرب

زيد بن مهلهل .. الفارس الكريم الخلوق

لما أتى الإسلام؛ ازداد خُلقًا على خلقه، وكرمًا على كرمه

لم يصلنا الكثير عن حياة زيد بن مهلهل ، ولكن كان كافيًا لمعرفة أخلاق زيد الخيل العالية، وكرمه الشديد، لقد جمل الله خَلقه كما جمل خُلقه، حتى قيل إنه كان يحتجب على النساء خشية الفتنة، كما كان شديد الطول، لدرجة أنه عندما يركب الفرس تخط رجلاه الأرض، وكأنما يركب حمارًا، ولما أتى الإسلام ازداد زيد الخير خُلقًا على خلقه، وكرمًا على كرمه.

كرم لا يصدق من زيد بن مهلهل في الجاهلية :-

أصابت الناس سنة مجدبة، فترك رجلًا من بني عامر عياله بالحيرة، وطلب منهم أن ينتظروا عودته، وأقسم أنه لن يعود إلا لو كسب مالًا أو يموت.

ثم خرج وسار ليلة كاملة، فإذا به يرى خباء، وبجوارها مهر مقيد، ففكه وقال هذه أول غنيمة، فسمع صوتًا يقول له :”خلِّ عنه، واغنم نفسك”.

فتركه وانصرف.

ثم سار سبعة أيام، فوجد مكان فيه مراح الإبل، وخباء عظيم به قبة من أدم دليل على الثراء والنعيم.

فقال في نفسه :”لا بد لهذا المراح من إبل، ولهذا الخباء من أهل”

فنظر في الخباء، وكانت الشمس قريبة من المغيب، فوجد شيخًا فانيًا بداخله، فاختبأ وراءه دون أن يشعر.

وبعد أن غابت الشمس رأى فارسًا لم يرَ أجسم منه ولا أعظم، ومعه عبدان، ومائة من الإبل.

فقال الفارس لأحد العبدين :” احلب فلانة، واسقِ الشيخ”

فجرع الشيخ جرعة أو جرعتين (يعني شرب مرة أو مرتين)، وترك الإناء.

فتناوله صاحبنا وشربه كله.

ففرح الفارس وقال لهم :”احلبوا للشيخ فلانة” ، فجرع الشيخ مرة واحدة، وشرب الرجل نصفه مخافة أن يفطنوا له.

ثم أمرهم أن يذبحوا للشيخ شاة، وشواها للشيخ، وصار يطعمه بيده، حتى إذا شبع الشيخ أكل هو والعبدان.

ثم ناموا جميعًا، وانتظر الرجل حتى تأكد من أنهم ناموا بعمق.

وحل عقال الفحل وركبه، فسارت النوق خلفه، وسار طوال الليل، فلما أسفر الصبح.

وجد الفارس يأمره أن يترك النوق، وينصرف، فأبى، وقال إنه ترك نسوى جائعات في الحيرة وأقسم ألا يرجع لهم إلا لو كسب خيرًا أو يموت.

فقال له الفارس :”إنك ميت، فاترك النوق”، فرفض، فقال له :”إنك مغرور”.

ثم طلب منه أن يعقد في حبل ثلاث عقد، ويخبره في أي عقدة يريد أن يضع له السهم، ففعل ذلك، فوضع الفارس السهم حيث أشار الرجل.

عندها استسلم الرجل، وسأله الفارس :”كيف تظن بي؟”

فقال الرجل :”أسوأ الظن”.

فقال له :”كيف ذلك وقد شاركت مهلهل في طعامه وشرابه؟ “

فقال الرجل :”أنت زيد الخيل؟”

قال نعم :”ولو كانت هذه الإبل لي لسلمتك إياها، ولكنها لأخت من أخواتي، فأقم معنا، فإني على وشك غارة، قد أغنم منها”.

وما هي إلا أيام حتى غنم زيد بن مهلهل مئة ناقة تقريبًا من غارة على بني نمير، فسلمها للرجل، وبعث معه من يحميه حتى يصل إلى الحيرة.

زيد بن مهلهل وكعب بن زهير :-

لم تكن العلاقة بين شاعرنا وكعب بن زهير جيدة، بل كانت بينهما مهاجاة.

ويحاول الرواة بيان سبب تلك المهاجاة فيذكرون أن بجير والحطيئة ورجل من بني بدر الفزاري خرجوا وهم عُزل يقتنصون الوحش، فلقيهم زيد الخيل بن مهلهل، وأسرهم، ثم أطلق سراح الحطيئة لفقره وفاقته، وفدى بجير نفسه بفرس له اسمه الكميت، بينما فدى الفزاري نفسه بمئة من الإبل، فلما علم كعب بذلك، ادعى أنه صاحب الفرس، وهجا زيد.

وقيل: إن زيد الخيل لما علم أن بحير ابن زهير، أطلق سراحه من دون مقابل، فلما علم زهير بذلك أراد أن يشكره، فاختار من الفرس أجودها، وهي الكميت فرس كعب، وبعث بها إليه، فلما عاد كعب وعلم ذلك غضب غضبًا شديدًا، وقال لأبيه :”كأنك تقوي زيد على قتال غطفان”، فأجابه زهير :”ذلك مالي، وإن أردت سأعطيك ثمن الفرس وزيادة”

ولكن كعب أبى إلا التشهير بزيد وهجاءه، وقال شعرًا يحرض فيه بني ملقط على زيد، وأراد أن يوقع بينهم الشر، فبعثوا له بفرس، ولم يكلموا زيد في شيء.

ولامت زوجة كعب زوجها فيما يفعل، فقالت له :”أما استحييت أن ترد كلمة أبيك، وهو في هذه السن والشرف والهيبة”.

فلما نزل بكعب أضياف، نحر لهم بكرًا من إبل زوجته، وقال لها :”لك بدلًا منه بكران”.

اشتهر زيد الخير بكرمه (تعبيرية).

وفي ذلك يقول كعب:

أَلا بَكَرَت عِرسي تُـوائِـمُ مَـن لَحـى … وَأَقـرَبَ بِأَحلامِ النِساء مِنَ الرَدى

أَلا لا تَلــومي وَيبَ غَيــرِكِ عـــارِيـاً … رَأى ثَوبَهُ يَوماً مِنَ الدَهرِ فَاِكتَسى

فَيــا راكِبـــاً إِمــــا عَرَضتَ فَبَلِّغَــن … بَنـي مِلقَطٍ عَني إِذا قيلَ مَن عَنى

فَما خِلتُكُم يا قَــومُ كُنتُم أَذِلَّـــةً … وَمـــا خِلتَكُم كُنتُم لِمُختَلِسٍ جَنى

لَقَد كُنتُم بِالسَهــلِ وَالحَزنِ حَيَّـــةً … إِذا لَدَغَت لَم تَشفِ لَدغَتَها الرُقى

لقد نال زيد الخيلِ مالَ أخيكمُ .. وَأَصبَحَ زَيدٌ بَعدَ فَقرٍ قَد اِقتَنى

فردَّ عليه زيد الخيل بن مهلهل ، في قصيدة من أشهر قصائده، قائلًا:

أَفي كُـــلِّ عـــامٍ مَأَتَمٌ تَجمَعونَــهُ … عَلى مِحمَرٍ ثَوَّبتُموهُ وَما رضى

تُجِدّونَ خَمشاً بَعدَ مَمشٍ كَــــأَنَّـهُ … عَلى فاجِعِ مِن خَيرِ قَومِكُم نُعى

ويذكر فيها مكانة زهير، وأنه السبب الذي سيحمي كعب من الهجاء القذع، فيقول:

فَلَولا زُهَيرٌ أَن أُكِدِّرَ نِعمَةً ..

لَقاذَعتُ كَعباً ما بَقيتُ وَما بَقى

وأغلب الظن أن كعب هو الذي حمل زيد على هجائه، لما عُلم من أخلاق زيد العالية.

إسلام زيد:-

لما بلغ خبر دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- زيد بن مهلهل ، جهّز نفسه للقاء النبي في يثرب، ودعا سادة قومه للذهاب معه، فقدم إلى المدينة في وفد فيه زر بن سدوس، ومالك بن جبير، وعامر بن جوين وغيرهم.

فلما بلغوا المدينة توجهوا إلى المسجد النبوي، وأناخوا رواحلهم هناك، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب في المسلمين في ذلك الوقت، فأعجبوا بكلام النبي وإنصات المسلمين له وتعلقهم به.

تعرف هنا على النابغة الذبياني …مرجعية الشِعر في سوق عكاظ

تغيير النبي الكريم اسم زيد بن مهلهل :-

فلما رآهم النبي قال لهم :”إني خير لكم من اللات والعزى وما تعبدون من دون الله…….”

لقد كان وقع كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك الوفد مختلفًا، ففريق صم أذنه، وأبى إلا الضلال، وفريق شرح الله صدره للإسلام، وعلى رأسهم زيد الخيل بن مهلهل.

الذي لم يتردد ونادى بأعلى صوت :”يا محمد أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله”

وكان من أجمل الناس وأطولهم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم :”من أنت؟”، فقال :”زيد الخيل بن مهلهل”

فقال له :”بل أنت زيد الخير ، وما وصف لي إنسان إلا كان دون ما وصف إلا أنت”.

وأعد النبي متكأ لزيد ليجلس معه قبل رحيله، ولكن عظم على زيد أن يجلس في حضرة النبي.

ثم أخبره النبي أن فيه صفتين يحبهما الله وهم الحلم والأناة.

وقال زيد الخير للنبي إنه يريد 300 فارس، ويكفيه شر الروم.

فأعجب النبي بهمته وقال :” لله درك يا زيد، أي رجل أنت؟”.

وفاة زيد الخير :-

لما ودعه النبي -صلى الله عليه وسلم- :”قال أي رجل هذا؟ كم سيكون شأنه عظيم لو سلم من وباء المدينة”

وكانت المدينة في ذلك الوقت موبوءة بالحمى، وشعر زيد الخير بالحمى وهو عائد إلى قومه، وظل يصارع المنية ويسابقها، ويحاول الوصول لقومه لدعوتهم للإسلام، ولكن إرادة الله كانت فوق كل شيء فتوفي فارسنا وهو في الطريق، ولم يكن بين إسلامه ووفاته متسع لأن يقع في ذنوب.

وقيل: إنه توفى في خلافة عمر، وقيل بل في خلافة أبي بكر، وإن كان الرأي الأول عليه أكثر الرواة.

الخصائص العامة لشعر زيد بن مهلهل :-

1- يعد شعر زيد بن مهلهل وثيقة تاريخية عامة، فقد حرص شاعرنا على تسجيل جميع الحوادث والوقائع والغزوات التي خاضها هو وقومه، كما حرص على ذكر خصومه وأسمائهم، وأوصافهم.

2-لم يذكر زيد في شعره شخصًا إلا وذكر سبب ذكره، مثلما ذكر سبب هجائه لكعب بن زهير، لما اتهمه بسرقة فرسه.

3-لم يكتفِ زيد بن مهلهل بذكر الرجال وأماكن المعارك وتاريخها، بل ذكر خيله، ويدل وصفه للخيل بأنه فارس حاذق وعالم بجميع شئون الخيل، ولا عجب في ذلك فهو المشهور بزيد الخيل.

4-اعتنى زيد بذكر الأماكن والحوادث في شعره، ولكنه لم يقف على الأطلال إلا مرتين، فيما وصلنا من شعره، وإنما كان يدخل مباشرة في موضوع القصيدة، ولعل ذلك سبب عدم طول قصائده.

5-ذكر زيد في شعره العديد من الألوان، وكأنه يريد أن يرسم صورًا تنبض بالحياة.

6-ذكر زيد الحيوانات في شعره كالذئب والعقاب والنعام والثعلب والدجاج والغفار (ولد الأرنب) والرخم والغراب وغيرها، و يستعمل هذه الحيوانات ليرسم بها الصورة المناسبة فهو يشبه انقضاض فرسه على الخصوم بالعقاب الذي ينقض على صيده، ويشبهه بالذئب في السرعة والخفة.

7-أما الأوزان الشعرية؛ فكان البحر الطويل هو أكثر ما يستعمل، ربما لما عُرف عن هذا البحر من لطف النغم، والقدرة على استيعاب الصور، وقد يكون مثل غيره من أصحاب الرصانة الذين اعتقدوا أنه لا يركب ذلك الوزن إلا الماهر، وغيره يفتضح لو استعمله.

8-استعمل بعض ألوان البديع في شعره كالمجاز.

الفارس الشاعر الخلوق :-

لقد ضرب زيد بن مهلهل أروع صورة للفارس المغوار، والغني الخلوق، والشاعر الصادق الذي صور بشعره كل ما جال بخاطره، وشاءت إرادة الله لهذا الفارس أن يختم حياته بالإسلام، ليصدق عليه قول النبي :”خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام”، فكان خير الناس في الجاهلية ومن خيارهم في الإسلام.

حاز زيد بن مهلهل صفات العربي الشهم والكريم والفارس.

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

1-الشعر والشعراء لابن قتيبة، ص 286 :288 ، دار المعارف.
2-ديوان زيد الخيل، الدكتور نوري حمودي القيسي، ص 5: 24، مطبعة النعمان.
3-صور من حياة الصحابة، للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، ص 124: 131، دار النفائس، الطبعة الأولى.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى