أخبار العربانفوجرافيكس

زهير بن أبي سلمى .. شاعر الحكمة في الجاهلية

كان يُنظِّم القصيدة في شهر، وينقحها ويهذبها في سنة، فكانت قصائده تسمى (الحوليّاَت)

من هو زهير بن أبي سلمى ؟

زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني، من مضر، حكيم الشعراء في الجاهلية، وُلِدَ في بلاد مُزَينة بنواحي المدينة المنورة سنة 520م، وكان يقيم في الحاجر من ديار نجد، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام.

عاش في غطفان مع أخواله، لدرجة أن البعض ظنه غطفاني النسب، لكنه من قبيلة مزينة المحاذية لقبيلة غطفان التي كانت تتمركز في حاجز بنجدٍ، شرقي يثرب (المدينة المنورة).

كان زهير شاعراً مَجيداً ومُجيداً، سيداً في قومه، شريفاً، ثرياً، لم يحتج أحداً في تدبير شؤون حياته.

ويعتقد بأن جمع زهير لنِعَم المال والأخلاق وإجادة الشعر، إنما كانت جميعهاً بفضل خاله بشامة بن الغدير.

مكلَّـــل بأصـــولِ النبْتِ تَنْســجُــه.. ريــح الجنوبِ لِضَـاحِي مائهِ حُبكِ

زهير بن أبي سلمى ينتمي لأسرة الشعراء:-

كان يقيم هو وقومه في بلاد غَطَفَانَ، وأسرته أسرة شاعرة فكان أبوه شاعراً، وخال أبيه -واسمه بشامة بن الغدير – شاعراً؛ جمع إلى الشعر الحكمة وجودة الرأي، وكانت غَطَفَانَ إذا أرادوا الغزو أتوه فاستشاروه وصدروا عن رأيه، فإذا رجعوا من الحرب قسموا له مثل ما يقسمون لأفضلهم، وقد لازمه زهير وأخذ عنه الشعر وجودة الرأي.

وكان زوج أمه أوس بن حجر شاعراً، وكان أبو شاعراً، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب ويجير شاعرين، وابن ابنه المضرب بن كعب بن زهير كان كذلك شاعراً.

زهير بن أبي سلمى تفوق على أقرانه في شعر الحكمة ليكون شاعر الحكمة في الجاهلية بلا منازع

مكانة زهير بن أبي سلمى الشعرية:-

الشاعر الحكيم زهير بن أبي سلمى من أبرز شعراء العرب، وفي أئمة الأدب من يفضله على شعراء العرب كافة.

قال ابن الأعرابي: “كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعراً، وخاله شاعراً، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة”.

ذكره الأصمعي بالقول: ” كفاك من الشعراء أربعة، زهير إذا طرب، والنابغة إذا رهِب، والأعشى إذا غضِب، وعنترة إذا كلَب”.

الأصمعي إمام اللغة
الأصمعي .. راوية العرب.

وقال الشافعي: “الناس عيال على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الفقه، وعلى الكسائي في النحو، وعلى ابن إسحاق في المغازي”.

قيل: كان يُنظِّم القصيدة في شهر، وينقحها ويهذبها في سنة، فكانت قصائده تسمى (الحوليّاَت).

أشهر شعره معلقته التي مطلعها:

أَمِنْ أُمِّ أَوفى دِمنَــةٌ لَم تَكَلَّـــمِ.. بِحَومـــانَــةِ الدُرّاجِ فَالـمُتَثَلَّمِ

وَدارٌ لَهــا بِالــرَقمَتَينِ كَأَنَّهـــــا.. مَراجِـــعُ وَشمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ

بِها العَينُ وَالأَرآمُ يَمشينَ خِلفَةً.. وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ

وَقَفتُ بِهــا مِن بَعدِ عِشــرينَ حِجَّــةً.. فَـلَأياً عَرَفتُ الدارَ بَعدَ التَوَهُّمِ

أَثافِيَّ سُفعــاً في مُعَـرَّسِ مِرجَــلٍ.. وَنُؤيـــاً كَجِذمِ الحَوضِ لَم يَتَثَلَّمِ

ويقال: إن أبياته التي في آخر هذه القصيدة تشبه كلام الأنبياء:

وَمَنْ هَــابَ أَسْـبَـــابَ المَنَايَـــا يَنَلْنَـهُ.. وَلَو رامَ أَسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ

وَمَن يَعصِ أَطـــرافَ الزُجــاجِ فَإِنَّــهُ.. يُطيـــعُ العَوالي رُكِّبَت كُلَّ لَهذَمِ

وَمَن يَغتَرِب يَحسِب عَدُوّاً صَديقَهُ.. وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ

وَمَهمـــا تَكُــن عِندَ اِمــرِئٍ مِن خَليقَـــةٍ.. وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ

وَمَن لا يَزَل يَستَحمِـلُ الناسَ نَفسَــهُ.. وَلا يُغنِهـا يَوماً مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ

أسباب براعته الشعرية:-

  • البيئة العربية البدوية الشاعرة.
  • النهضة الأدبية في الشِّعر التي كانت تموج بها نجد والقرى العربية في عصر زهير.
  • وراثته الشعر عن أسرته، حيث قيل: ” لم يتصل الشعر في أهل بيت من العرب كما اتصل في بيت زهير، فأبوه وأبناؤه وأحفاده وأخته الخنساء كلهم من الشعراء المجيدين”.
  • اشتراكه في الملاحم الحربية التي اندلعت ونشبت في أرجاء الجزيرة العربية، وفي الحروب التي تثير الشاعرية وتهيِّج الخيال، وتحرِّك الشعور، وتبعث على الكلام.
  • المنافسات الأدبية مع الشعراء المعاصرين له، كانت من أسباب نضوج شعر زهير وشاعريته.

بأرض فــلاةٍ لا يُسدُّ وصِيدُهـــا..

عليَّ ومـعروفي بها غيْرُ منــكرِ

خصائص شعر زهير:-

  • الألفاظ: فقد كان يختارها بعناية، بل يبالغ في اختيارها بذوقه وفطرته الأدبية، ولا يخلو أغلب شعره من سهولة في اللفظ حينا، وجزالة وقوة غالبتين أحياناً.
  • الأسلوب: أسلوبه يقترب من أساليب الشعراء المجددين المصنعين في شعرهم، من حيث تهذيب الشعر وتنقيحه وصولاً به إلى منزلة الكمال الفني في النظم، كما يغلُبُ على شعره ألواناً كثيرة من الصنعة، يدخلها فيه من استعارة وتشبيه وكناية وطباق تجيء عفو القريحة.
  • المعاني: تنبع من نفسه وتصدُر عن حسِّه وتتصل بمظاهر البيئة في حياته، مع الحرص على صدق المعاني.
  • الخيال: يتكئ زهير على خياله ليُبرز معاني شعره في ألوانٍ مجنحة من صنعة الخيال المتصرف في ملكات النفس والشعور، لكن مع حرصه على تسهيل الصعب من المعاني وتوضيح الغوامض منها.
  • الأغراض: الإجادة البالغة في الحِكمة والمدح والغزل، والمقاربة من هذا المستوى في الوصف والفَخر والعتاب، لكنه كان متوسطاً في الهجاء والرثاء والاعتذار.

وعَــوَّدَ قَـومَـهُ هَــرِمٌ عَـلَيْــهِ..

ومِـنْ عَـادَاتِـهِ الخُلُـقُ الكـريـمُ

زهير بن أبي سلمى
البيئة لعبت دوراً كبيراً في تشكَُل شعر زهير.

زهير بن أبي سلمى شاعر الحكمة والسلام:-

وكانت بلاد غطفان ساحة للعداء الشديد والحرب المستعرة بين قبيلتين من قبائلهما وهما عبس وذبيان، وكانت هذه الحروب وهذا العداء سبباً في ثروة أدبية كبيرة من شعر ملئ بالفخر والهجاء والتحريض على القتال والأخذ بالثأر، ومن قصص تدور وقائعها على ما كان بين الفريقين.

وأمَّا زُهير بن أبي سُلمى الشَّيخ؛ فقد تجلَّت عبقريته في أنَّه دعا إلى السِّلْم في زمنٍ كان العالم غارقاً في الحُروب، يعتقد أنَّ الحَرب هي السبيل الوحيد لحَلِّ المشاكل.

د. عمر فرُّوخ.

فكان كثير من شعر زهير يدور حول السِّلم بين القبيلتين، والدعوة إليه وإظهار نتائجه، والإعجاب برجلين من رؤساء ذبيان، وهما هَرِم بن سنان والحارث بن عوف، سَعَيَا في الصلح بين عبس وذبيان، واحتملا ديات القتلى، ونشرا السلام في غطفان، فكان هذا داعياً لزهير ليُصوِّر حبه للسلام واستفظاعه للحرب وأهوالها، وليمدح هذين العظيمين على ما قاما به من جهود لتوطيد دعائم السلم في هذه الجزيرة العربية المتنافرة المتخاصمة، وفي ذلك يقول:

يَـمينـــاً لَنِــعمَ السَيِّـــدانِ وُجِــدتُما.. عَلـــى كُـلِّ حالٍ مِن سَحيلٍ وَمُبرَمِ

تَدارَكتُما عَبســاً وَذُبيانَ بَعدَمـــا.. تَفانـــوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ

وَقَد قُلتُما إِن نُدرِكِ السِلمَ واسِعاً.. بِمالٍ وَمَعروفٍ مِنَ الأَمرِ نَسلَمِ

فَأَصبَحتُما مِنها عَلى خَيرِ مَوطِنٍ.. بَعيدَينِ فيها مِن عُقوقٍ وَمَأثَمِ

وَمَــا الحَــرْبُ إلَّا ما عَلِمْتُمْ وَذُقتُم؛ .. وَمَــــا هُوَ عَنهَـا بالحَدِيثِ المُرَجَّــمِ

مَتَى تبعَثُوهَــا تَبْعَـثُوهَـــا ذَمِيمَـــــة؛ .. وتضــــرَ أذا ضَرَّيتموهــا فتضـرم

وقد مدح هَرِم بن سنان بمدائح كثيرة، وأجزل هرم له العطاء وله نحو العشرين قصيدة، يمدحه هو والحارث بن عوف بها؛ لسعيه في الصلح بين عبس وذبيان، وقال زهير في هَرِم بن سنان:

وَأَبيَـــضَ فَيّـــاضٍ يَــداهُ غَمامَـــةٌ.. عَلــى مُعتَفيهِ ما تُغِبُّ فَواضِلُ

تَـــراهُ إِذا مَــــا جِئتَـــهُ مُتَهَلِّــــلاً.. كَـأَنَّـــكَ تُعطيهِ الَّذي أَنتَ سائِلُه

له «ديوان» تُرجِم كثير منه إلى الألمانية، وللمستشرق الألماني ديروفّ كتاب في «زهير وأشعاره» بالألمانية طبع في منشن سنة 1892م.

زهير بن أبي سلمى .. شاعرٌ مُجيدٌ ومَجيد:-

تلك الأبيات التي نظمها زهير؛ جعلت من اسمه خالداً في صفحاتِ الأدب والبلاغة والحكمة، إذ لا يكاد مجتمع عربي معاصِر، إلا ويستعير من أبياته تلك الحِكمة الحيَّة التي يُمكن أن تعبِّر أو تعالج موقفاً أو حدثاً ما.

فَمــا يَكُ مِن خَيرٍ أَتَوهُ فَإِنَّمـــا… تَــوارَثَــهُ آباءُ آبائِهِم قَبلُ

وَهَــل يُنبِتُ الخَــطِّيَّ إِلّا وَشيجُـــهُ… وَتُغـرَسُ إِلّا في مَنابِتِها النَخلُ

لقد كان زهير بن أبي سلمى شاعراً فحلاً من فحول شعراء الجاهلية، فقد كان صاحب طبع لا يجاريه فيه أحد، إذ امتاز شعره بما لم يمتز به غيره في الرصانة والحصافة والتمحيص والانتقاء، ليخرج لنا بهذه الكلمات والأشعار التي ظلَّت مأثورات محفوظة في متون صفحات الكتب وضمائر الباحثين عن الحكمة والسلام.

وفضل زهير كثير ممن لهم معرفة بنقد الشعر على امرئ القيس والنابغة الذبياني وأضرابهما، فقد قال أناس: “هو أشعر العرب” وهو ما أيده الفاروق عمر بن الخطَّاب، ذلك لأنه لا يعاظل بين الكلام ولا يتبع حواشيه ولا يمدح أحداً بغير ما فيه”.

لَـــو كنتَ من شيءٍ سـوى بشـــرٍ.. كُنـــتَ المنيرَ لليلـــة البدرِ

ولأنتَ أجـــوَدُ بالـعطــــاء مِــنَ الـ.. ـــريَّــان لمَّــا جـاد بالقَطرِ

ولأنـــتَ أحيـــا مـِن مخــدَّرةٍ… عَـــــــذراء تقطُنُ جانِبَ الخِـدرِ

ولأنــتَ أبينُ حيـــن تنطـــقُ من.. لُقمـــان لمـا عيّ بالمكــرِ

وفاة زهير بن أبي سلمى :-

لقد عمَّر زهير طويلاً، إذ تقول بعض الروايات إنه ناهز المائة، وأنه أدرك الإسلام، على أنه لم يعتنقه.

لكن محقق ديوان الشعري؛ يشكك في إدراك زهير للإسلام، بل يقول: إن الأمر برمته غير صحيح، حيث وافته المنية قبيل مبعث الرسول محمد عليه السلام، وإنما أدرك ولداه كعب وبجير الإسلام فدخلاه وحَسُنَ إسلامهما، حتى أن لكعبٍ قصيدة مشهورة في مدح خير البرية، وسميت بـ”البُردة”، تختلف طبعاً عن تلك الشهيرة التي نَظَمها البوصيري بعد ذلك بقرون.

ويُعتقد أن وفاة الشاعر الحكيم زُهير بن أبي سلمى؛ صادفت سنة 13 قبل الهجرة، أي 609 م.

ألــم تَـرَ أنَّ اللَّـهَ أَهْلَــكَ تُـبَّعــــاً.. وأَهلَـــكَ لُقمــانَ بنَ عَـادٍ وعَــادِيـا؟

زهير بن أبي سلمى.

المصادر:

  • أشعار الشعراء الستة الجاهليين (42).
  • الأعلام (3/52).
  • الشعر والشعراء (1/137/رقم 2).
  • اختيارت من الشعر الجاهلي، الأعلم الشنتمري.
  • ديوان زهير بن أبي سلمى، عناية حمدو طمَّاس.
  • عيار الشعر، ابن طباطبا.
  • عارف حجاوي، أول الشعر، عُصارة الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى