أعلام

أبو زكريا الفراء .. النحوي الكوفي الكبير

كان ينتقل من بغداد إلى الكوفة فيمكث فيها أربعين يوماً عند أهله، وهذا دليل على كرمه وبره بأهله

نسبه ونشأته:-

هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي، مولى بني أسد، أو بني منقر لقبه ” الفراء ” ، إمام الكوفيين، وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، انتقل إلى بغداد، فكان أكثر مقامه بها، فإذا جاء لآخر السنة؛ انصرف إلى الكوفة فأقام أربعين يوماً في أهله.

مولده:-

اختلف المؤرخون في تاريخ ولاته، حيث ذهب الإمام جلال الدين السيوطي إلى أنه ولد سنة مائة وأربعين للهجرة، وقد ذهب آخرون إلى أنه وُلِدَ سنة مائة وأربعة وأربعين للهجرة، وبهذا أيضاً قال ابن خلكان، وأبو البركات، وياقوت الحموي، وقد ذكر السمعاني أنه ولد سنة مائة وستة وأربعين للهجرة.

لقبه:-

اختلفت الروايات في سبب تسميته ” الفراء ” ولعَلَّ من الأهمية بمكان أن نذكر أننا لا نكاد نعثر في كتب التراجم للمتقدمين ومن هم أقرب عهداً بالفراء من تعرُّضٍ لسبب لقب الفراء بهذا اللقب إلا الأنباري (ت328هـ)، فلم يتعرض لذلك أبو الطيب اللغوي (ت351هـ)، والأزهري (ت368هـ)، والزبيدي (ت379هـ)، وابن النديم (ت385هـ)، والخطيب البغدادي (ت463هـ)، ومن جاء بعدهم لسبب ذلك اللقب.

وقد كان أو من تعرض لذكر سبب تسميته بذلك محمد بن قاسم الأنباري في الأضداد، وجاء بعده السمعاني (ت562هـ) في الأنساب، حيث ذكر الأخير أن الفراء هذه النسبة إلى خياطة الفرو وبيعه، وقال فيما قال عنه: أنه لُقِّبَ بذلك لأنه كان يفري الكلام، بينما ذكر الأنباري أنه ما عهد عن الفراء بيعه للفراء ولا شرائها، وإنما سمي الفراء لأنه كان يحسن نظم المسائل فشبه بالخارز الذي يخرز الأديم، وروى عن بعضهم قولهم: أنه سمي الفراء، لأنه كان يفري الخصوم بالمسائل التي ينعت بها، ومن قولهم: قد فرى إذا قطع، أي قطع على خصومه الكلام.

أخلاقه:-

كان الفراء متورعاً، متديناً، على تيه فيه وتعظم، وكان يُجلسُ النَّاسَ في مسجِدِه إلى جوار منزله، وكان ينزل بإزائه الواقدي الذي قال: وكَانَ الفَرَّاء يتفلسف في تأليفاته وتصنيفاتِهِ، حتَّى يسلُكَ في ألفاظِهِ كلاَم الفَلاسِفَة، وكان أكثر مقامهُ في بغداد، وكانَ يجمَعُ طَوَالَ دهرهِ، فإذا كان آخر السَّنَة؛ خَرَجَ إلى الكُوفَة، فأقامَ بها أربعين يوماً في أهله يُفَرِّق فيهم ما جمعهُ ويَبرُّهم.

أبو زكريا الفراء

وقد نقل عنه المؤرخ جمال الدين القفطي أنه كان شديد طلب المعاش، لا يأكل حتى يمسه الجوع، وكان لا يستريح في بيته، ونقل عنه ابن خلكان في “وفيات الأعيان” أنه كان لا يميل إلى الاعتزال، بينما ذكر السيوطي أنه كان يميل إلى الاعتزال.

شيوخه:-

أخذ أبو زكريا الفراء علمه عن الكسائي، وهو عمدته، وروى عن قيس بن الربيع، ومندل بن علي، وأخذ عن أعراب وثق بهم، مثل أبي الجراح وأبي ثروان، وغيرهما، وأخذاً نبذاً عن يونس بن حبيب البصري، وذكر أبو الطيب أن أهل الكوفة كان يدعون أنه استكثر من الأخذ عن يونس، وأهل البصرة يدفعون ذلك، وقد أخذ أيضاً عن أبي الكلابي، وعن سفيان بن عيينة، وأبي جعفر الرؤاسي، وعن الفضيل بن عياض، وأبي ليلى السجستاني، كما أخذ عن عبد الله بن المبارك كثيراً، وكان يصفه بالثقة، فيقول: وحدثني الثقة عبد الله بن المبارك، وعن غيرهم الكثير.

تلاميذ الفراء:-

تتلمذ على يد الفراء الكثير ممن تناثرت أسماؤهم في كتب التراجم، أو ممن نقلوا عنه فذكروا اسمه في مصنفاتهم، ولعل أهمهم: راوييه: سلمة بن عاصم، ومحمد بن الجهم الذي مدحه في قصيدة، ووصف فيها مذهبه في النحو.

ومن تلاميذه في القراءات: هارون بن عبد الله، ومحمد بن عبد الله بن مالك، وغيرهما، ومن تلاميذه أيضاً: أبو جعفر محمد بن قادم، وأبو عبد الله الطوال، وعمر بن بكير، وابن سعدان، وجودي بن عثمان، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم.

قال ثعلب غير مرَّة: لولا الفَرَّاء ما كانت عربيَّة، لأنَّهُ خلَّصَهَا وضَبَطَهَا، ولولَا الفَرَّاء لسَقَطَت العربية، لأنَّهَا كانت تُتنازَع ويدَّعيها كُلُّ من أرَادَ، ويتكلَّم النَّاسُ فيها على مقاديرِ عقولِهم وقرائِحِهِم فتَذْهَب، ولقد رأينا العُلَمَاءَ يؤدُّونَ في العِلْمِ أقاويلَ العُلَمَاء، ثمَ تكُون العِلَل بعدُ، ثمَّ رأينا النَّاسَ بعْدَ ذَلِك يتكلَّمُونَ في العِلْمِ بآرائهم ويقولون: نحنُ نقول؛ فيأتونَ بالكَلامِ على طِباعِهِم، ويحسِّنونَ ما يَحْسُنُ في عُقولِهِم، وهذا ذهابُ العِلْمِ وبُطلانهِ.

— انباه الرُّواة على أنباه النُّحَاة، القفطي.

مؤلفات الفراء:-

قال أبو العباس: “كتب الفراء لا يوازي بها كتاب”، وقال سلمة: أملى الفراء كتبه كلها حفظاً، لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين، ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة، وكان مقدار الكتابين خمسين ورقة، وقد حفظ التاريخ للفراء أسماء الكثير من آثاره، وقد بلغ ما ذكره المؤرخون أكثر من ثلاثين مصنفاً.

وسيتضح من أسماء المصنفات التي ذكرها المؤرخون مدى عناية الفراء بالدراسات القرآنية التي جعلها الفراء بحثه لغة وصرفاً وقراءة وتفسيراً.

  1. معاني القرآن.
  2. المذكر والمؤنث.
  3. الأيام والليالي والشهور.
  4. المقصور والمدود.
  5. الحدود.
  6. لغات القرآن.
  7. مجاز القرآن.
  8. المصادر في القرآن.
  9. الجمع واللغات، والجمع والتثنية في القرآن.
  10. ما تلحن فيه العامة.
  11. البهى، أو البهاء.
  12. مشكلة اللغة الصغيرة، أو اللغة الكبير.
  13. التحويل.
  14. التصريف.
  15. الكتاب الكبير، كتاب في النحو.
  16. الوقف والابتداء.
  17. اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام في المصاحف
  18. آلة الكتاب.
  19. النوادر.
  20. كتاب فعل وافعل.
  21. الفاخر في الأمثال.

أبو زكريا الفراء – نهاية مسيرة:-

الذي عليه معظم المؤرخين أنه توفي سنة مائتين وسبعة للهجرة، وذهب السمعاني إلى أن أبا زكريا الفراء توفي سنة مائتين وتسعة للهجرة.

المصادر:-

الأضداد، مراتب النحويين، طبقات اللغويين والنحويين، والفهرست، وتاريخ مدينة السلام، والأنساب، ونزهة الألباء، وإنباه الرواة، ومعجم الأدباء، ووفيات الأعيان، وإشارات التعيين، والبلغة، وتهذيب التهذيب، وبغية الوعاة، ومفتاح السعادة، وشذرات الذهب، والأعلام.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى