أعلامانفوجرافيكس

زبيدة بنت جعفر .. زوجة الرشيد ووالدة الأمين

أعظم نساء عصرها ديناً وأصلاً وجمالاً وصيانةً ومعروفاً

زبيدة بنت جعفر – اسمها ونشأتها:

زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور بن محمد، أم جعفر الهاشمية العباسية، زوجة هارون الرشيد وابنة عمه، وهي أم الأمين محمد بن هارون الرشيد.

اسمها أَمَةُ العزيز، ولقبها جدها أبو جعفر المنصور “زُبَيْدَة”؛ لبضاضتها ونضارتها، وليس في بني هاشم هاشمية ولدت خليفة إلا هي.

زواجها من هارون الرشيد:

تزوجها الخليفة هارون الرشيد في ذي الحجة في سنة 165هـ، في قصره المعروف بالخلد، وحشد الناس من الآفاق، وفرق فيهم الأموال، ولم يُرَ في الإسلام مثله، وبلغت النفقة في هذا الغرض من بيت مال الخاصة خارجة سوى ما أنفقه هارون من ماله خمسين ألف ألف درهم.

وصف زواجها من الرشيد:-

أورد المؤرخ أبو الحسن الشابشتي تفاصيل زواج هارون الرشيد بابنة عمِّه زبيدة بنت جعفر، وهي تفاصيل تميط اللثام عن مستوى البذخ والإسراف المتبع في هكذا مناسبات، وفيما يلي نص ما ذكره في كتابه “الديارات”:

فقد زوَّج الخليفة المهدي نجله الرشيد بأم جعفر ابنة أخيه، فاستعدَّ لها ما لم يستعدَّ لامرأة قبلها، من الآلة وصناديق الجوهر والحِلي والتيجان والأكاليل وقباب الفضة والذهب والطيب والكسوة.

حفل زواج استثنائي – تعبيرية

ويضيف “وأعطاها بَدَنةَ عبدة ابنة عبد الله بن يزيد بن معاوية، امرأة هشام، ولم يُرَ في الإسلام مثلها ومثل الحَب الذي كان فيها، وكان في ظهرها وصدرها خطان ياقوت أحمر وباقيها من الدر الكبار الذي ليس منه”.

“وحُشِر الناس من الآفاق وفُرِّق فيهم من الأموال أمر عظيم، فكانت الدنانير تُجعل في جامات ذهب، ونوافح المسك وجماجم العنبر والغالية في بواطي زجاج، ويفرَّق ذلك بين الناس ويُخلعُ عليهم خلع الوشي المنسوجة”.

“وأُوقِد بين يديه في تلك الليلة شمع العنبر في أتوار الذهب”.

“وأُحضِر نساء بني هاشم، وكان يُدفع إلى كل واحدة منهن كيسٌ فيه دنانير، وكيس فيه دراهم وصينية كبيرة فضة فيها طيب، ويخلع عليها خلعة وشيء مثقل..”.

سقاية أهل مكة:

تعتبر زبيدة بنت جعفر من فضليات النساء، كانت صاحبة معروف كثير وفعل خير، سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الرواية عندهم بدينار، وإنها أسالت الماء عشرة أميال بحط الجبال ونحوت الصخر حتى غلغلته من الحل إلى الحرم، وعملت عقبة البستان، فقال لها وكيلها: يلزمك نفقة كثيرة، فقالت: أعملها ولو كانت ضربة فأس بدينار، فبلغت النفقة عليه ألف ألف وسبعمائة ألف دينار.

الحرم المكي الشريف في العام 1910 م – مكتبة الكونغرس

وقد حجت زُبَيْدَة فبلغت نفقتها في ستين يوماً أربعة وخمسين ألف ألف، ولها آثار كثيرة في طريق مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ وإليها تنسب (عين زُبَيْدَة) في مكة المكرمة، حيث جلبت إليها الماء من أقصى وادي نعمان، شرقيَّ مكة المكرمة، وأقامت له الأقنية حتى أبلغته مكة المكرمة، وتشرف على هذه العين اليوم الهيئة العامة للأوقاف في المملكة العربية السعودية.

وقد ذَكَرَ الرحَّالة الشهير ابن جبير الأندلسي (المتوفَّى عام 1217م)، شأن استجرار الماء من العراق إلى الديار المقدسة.

وجاءَ في كتاب “رحلة ابن جبير: .. نَزَلنا بموضِع يُعرف ببِركة المرجوم، وهي مَصنع، وقد بُنِيَ له فيما يَعلوه من الأرض مصَب يؤدي الماء إليه على بُعد وأُحكِمَ ذلك إحكاماً يدلُّ على قدرة الاتساع وقوّة الاستطاع، ولهذا المرجوم المذكور مشهد على قارعة الطريق، وقد علا كأنه هضبة شمَّاء، وكل مجتازٌ عليه لا بدَّ أن يُلقي عليه حجراً، ويقال: إن أحد الملوك رَجَمَهُ لأمر استوجَبَ به ذلك، والله أعلم”.

وأضاف ابن جبير “وبهذا الموضع بيوت كثيرة للعرب، وبادروا للحين بما لديهم من مرافق الأدُم يبيعونها من الحاج، وكان المَصنع مملوءاً من ماء المطر، فغَمَرَ النَّاس وعمَّهم، والحَمدُ لله، وهذه المصانِع والبِرَك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مَكَّة هي آثار زُبيدة ابنة جعفر زوج هارون الرشيد وابنة عمِّه، انتدبت لذلك مدة حياتها، فأبقت في هذا الطريق مرافِق ومنافِع تعمّ وفد الله تعالى كل سنة من لدُن وفاتها إلى الآن، ولولا آثارها الكريمة في ذلك؛ لما سُلِكَت هذه الطريق، واللهُ كفيل بمجازاتها، والرِّضا عنها”.

فضائلها:-

وقد كان لها مائة جارية يحفظن القرآن، ولكل واحدة ورد عشر القرآن، وكان يُسمَع في قصرها دويٌّ كدوي النحل من قراءة القرآن.

ذكرها الحريري في إحدى مقاماته، حيث قال: “ولو حبتك شيرين بجمالها وزُبَيْدَة بمالها”.

مظاهر بذخها:-

أورد كتاب موسوعة هارون الرشيد؛ بعض مظاهر البذخ التي بدت على تصرفات زبيدة بنت جعفر حينما أصبح الرشيد خليفة ، وفيما يلي بعض تلك المظاهر:

  • أصبحت تقوم بمشاريع عامة على حسابها الخاص ( المسعودي في مروج الذهب).
  • ارتدت من حلي الذهب ما يجعلها تستند إلى جاريتين أثناء سيرها.
  • أول من اتخذ القباب من الفضة والأبانوس والصندل وكلاليبها من الذهب والفضة، ملبَّسة بالوشي والسمّور والديباج وأنواع الحرير.
  • اتخذت الخفاف المُرصَّعة بالجواهر، وشمع العنبر.

نوادرها:

أحضرت زبيدة بنت جعفر، راوية العرب الأصمعي وقالت له: إن أمير المؤمنين استدعاني، وقال: هلمي يا أم نهر، فما معنى ذلك؟ فقال لها: إن جعفراً في اللغة هو النهر الصغير وأنت أم جعفر.

الأصمعي إمام اللغة، كان من أعظم أئمة العلم في العصر العباسي، ومن أوثق الناس في اللغة وأسرعهم جواباً.

ووقع بين الرشيد وبين زُبَيْدَة شرٌّ، فتهاجرا، فعمل داود بن رزين مولى عبد القيس شعراً وهو:

زمـــــنٌ طـيِّـــبٌ ويــــومٌ مـطيــــر … هــذه روضةٌ وهذا غدير

إنَّمَــا أمُّ جعفـر جنَّــةُ الخُلْــد .. رضاهـــا والسَّخط منها السَّعير

أنت عبـــدٌ لهـــا ومـــولى لهـــذا .. الخلـــق طرّاً وليس في ذا نكير

فاعتذر يا خليفــــة الله في الأرض .. إليهـــا وتركُ ذاك كبير

فصار إليها عندما وقف على الأبيات، وسألت عن سبب مجيئه فعرفت، وأوصلت إلى داود مائة ألف درهم في وقتها وأضعافها بعد ذلك.

حلمها وعفوها:

حضر شاعر بابها، وأنشد:

أزُبَيْـــدَة ابنــــة جعـفــــــر .. طــــوبـــــى لزائرك المثابِ

تعطيــن مـن رجليـــــك مــــــا .. تعطــــــي الأكفُّ من الرّغابِ

فتبادر الخدم إليه ليوقعوا به على سوء أدبه وعبارته، فقالت: دعوه فإن من أراد خيراً فأخطأ خير ممن أراد شراً فأصاب، سمع الناس يقولون: شمالك أندى من يمين غيرك، فقدر أن هذا مثل ذلك؛ أعطوه ما أمل وعرفوه ما جهل.

موقفها من المأمون الذي اتُّهم بقتل ابنها:

ذكر المؤرخون أن طاهر بن الحسين قتل ابنها الأمين بن هارون الرشيد بسيف المأمون بن هارون الرشيد، وقال ابن تَغْري بَرْدي: “لم يكن قتل الأمين بإرادة أخيه المأمون، وإنما اقتحمه طاهر بن الحسين وقتله من غير إذن المأمون، وحقد المأمون عليه لذلك ولم يسعه إلا السكوت”.

ودخل المأمون إلى زبيدة بنت جعفر بعد قتل ابنها الأمين يعتذر إليها ويُعزِّيها فيه ويسكِّن ما بها من الحزن، فقال لها: يا ستَّاه، لا تأسفي عليه فإني عوضه لك؛ فقالت: يا أمير المؤمنين، كيف لا آسف على ولد خلَّف أخاً مثلك! ثم بكت وأبكت المأمون حتى غُشِيَ عليه، وعطف عليها، وجعل لها قصراً في دار الخلافة، وأقام لها الوصائف والخدم.

ابنا هارون الرشيد كانا من أُميِّن مختلفتين.. اتفقا في الصِغَر واختلفا حينما كبرا – تعبيرية.

وقالت زُبَيْدَة للمأمون عند دخوله بغداد: أهنيك بخلافة قد هنأت نفسي بها عنك قبل أن أراك، وإن كنت قد فقدت ابناً خليفةً لقد عُوِّضت ابناً خليفةً لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك وثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجراً على ما أخذ وإمتاعاً بما عوض.

ما قيل فيها:

قال ابن تَغْري بَرْدي: “أعظم نساء عصرها ديناً وأصلاً وجمالاً وصيانةً ومعروفاً … وكانت مع هذا الجمال والحشمة فصيحةً لبيبةً عاقلةً مدبِّرةً”.

وقال الرَّحالة ابن جبير: “هذه المصانع والبِرَك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة هي آثار زُبَيْدَة ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور زوج هارون الرشيد وابنة عمه؛ انتدبت لذلك مدة حياتها، فأبقت في هذا الطريق مرافق ومنافع تعمُّ وفد الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها الى الآن، ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سُلِكَت هذه الطريق، والله كفيل بمجازاتها، والرضا عنها”.

الحرم الشريف- مكة المكرمة – نهاية القرن 19 – مكتبة الكونغرس

وفاتها:

توفيت زبيدة بنت جعفر ببغداد، في شهر جمادى الأولى، سنة 216هـ، ورآها عبد الله بن المبارك في المنام فقال لها: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لي الله بأول معول ضُرِبَ في طريق مكة، قال: قلت ما هذه الصفرة في وجههك؟ قالت: دفن بين ظهرانينا رجل يقال له: بشر المَرِيْسِيُّ، فزفرت جهنم عليه زفرة فاقشعر لها جسدي، فهذه الصفرة من تلك الزفرة.

المصادر:

  • الأعلام (3/42).
  • موسوعة هارون الرشيد، الدكتور سعدي ضنَّاوي.
  • الديارات، أبو الحسن الشابشتي.
  • رحلة ابن جبير.
  • سير أعلام النبلاء (10/241/رقم 64).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (2/213).
  • وفيات الأعيان (2/314).
Image by Mücahit Yıldız from Pixabay 
https://www.freepik.com/free-vector/muslim-girl-praying-mosque_4771125.htm#page=4&query=muslim&position=16

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى