أعلام

رفاعة رافع الطهطاوي .. أحد أركان نهضة مصر العلمية الحديثة

دعا إلى نبذ التخلف والجهل، وفهم الدين فهماً صحيحاً، وقد برز منهجه في ذلك من خلال كتابه «القول السديد في الاجتهاد والتجديد»

رفاعة رافع الطهطاوي:-

رفاعة رافع بن بدوي بن علي الطهطاوي، يتصل نسبه بالحسين السبط، من أبرز علماء مصر وأعلام نهضتها الكبار، وُلِدَ في طهطا المصرية سنة 1216هـ (1801 م)، وإلى هذه المدينة نسبته.
قال عمر طوسون واصفاً العالم المصري رفاعة رافع الطهطاوي: “هو مؤسس مدرسة الألسن وناظرها، وأحد أركان النهضة العلمية العربية، بل إمامها في مصر”.

خير الأمور العِلْم، وأنه أهمُّ كل مُهِم، وأن ثمرته في الدُّنيا والآخرة؛ صاحبه تعود، وأنَّ فضلهُ في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ مشهود.

الطهطاوي
القاهرة في العام 1870 م
القاهرة في العام 1870 م

تحصيله العلمي:-

تعلم رفاعة الطهطاوي في مدارس طهطا الابتدائية، ثم ترك طهطا وانتقل إلى مدينة القاهرة سنة 1223هـ، والتحق بالأزهر الشريف، وتعلم فيه، وتتلمذ على يد كبار العلماء فيه؛ كالشيخ حسن العطَّار والشيخ الفضالي الذي قرأ عليه صحيح البخاري، والشيخ حسن القويسني الذي تولَّى مشيخة الجامع الأزهر برغم كفاف بصره، حيث قرأ عليه كتاب جمع الجوامع في أصول الفقه، وكتاب مشارق الأنوار في الحديث، كما تتلمذ على يد الشيخ الدَّمهوجي شيخ الأزهر كذلك، حيث درس عليه شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، كما دَرَسَ كتاب الحِكَم لابن عطاء الله السَّكَنْدَري على الشيخ البخاري.

وكان العطَّار أعظم أساتذته على الإطلاق، حيث اتصل به رفاعة منذ دخوله للأزهر، وأحبه الشيخ لما آنسه فيه من الذَّكاء وحبِّ العِلم، فقرَّبه منه، وأحاطه برعايته، وكان يشترك معه في الاطلاع على الكُتُب التي لم تتداولها أيدي علماء الأزهر، حيث كان التلميذُ يتردد دوماً على منزل شيخه، يُسمعهُ بعض شعره ونثره، فاقتفى أثر أستاذه مُحبَّاً للعلوم العصرية، ميَّالاً للأدب.
تخرج من الأزهر وعمره 21 سنة، وأصبح معلماً فيه بعد أن كان طالباً، وبقي يعلم في الأزهر لمدة سنتين.

ابتعاثه إلى فرنسا :-

حصل رفاعة الطهطاوي بعد ذلك على بعثة مع مجموعة من الشباب الذين أرسلتهم الدولة المصرية لتلقي العلوم العصرية في فرنسا، وكان هو الواعظ الرسمي لتلك المجموعة، وهذه البعثة كانت فرصة كبيرة له كي يكمل دراسته هنالك في فرنسا، حيث حصَّل فيها علم التاريخ وعلم الجغرافية، وبرع فيهما.

فقد أرادَ محمد علي باشا أن يُرسِلَ بعثة كبرى إلى فرنسا، تدرُسُ هناك ما تحتاجه مصر من حقوقٍ، وسياسةٍ، وطبٍ، وجرَاحةٍ، وتاريخٍ طبيعي، وكيمياء، وفنون حربية وبحرية، وزراعةٍ وحيل (ميكانيكا) وغير ذلك، كما أرادَ أن ينتقي لهم من عُلماء الأزهر من يذكَّرَهُم بالدِّين، ويعظهم ويرشدهم، ويؤمُّهُم بالصَّلاة، فطَلَبَ محمد علي من الشيخ العطَّار أن ينتخبَ من عُلماء الأزهر إماماً للبعثة يرى فيه الأهلية واللياقة، فاختار الشيخ رفاعة لتلك الوظيفة.

ويقول الرافعي في هذا السِّياق: ” إن ثلاثة أئمة آخرين كانوا مع رفاعة، وأنَّهُم لم يتجاوزا حدود وظيفتهم، ولم يدرسوا العِلم في فرنسا كما درسه رفاعة، ولكننا رجعنا إلى أسماء أعضاء البعثة؛ فلم نَجِدَ فيهم غير رفاعة إماماً، أما الثلاثة الآخرون، فشيوخٌ من أعضاء البعثة، ذهبوا للتخصُّص والدِّراسة، وقد وكل إليهم أيضاً وعْظُ الطَّلبة وإرشادهم إلى جانب دراستهم ما أُرسلوا من أجله”.

وأثناء إقامته هناك؛ أقدم على ترجمة اثني عشر مترجماً، بعضها مما قرأه مع أساتذته منها كُتُبٌ كاملة، وبعضها نبذات صغيرة، وهي:

  • كتاب أصول المعادن.
  • كتاب دائرة العلوم في أخلاق الأُمم وعوائدهم.
  • مقدمة جغرافية طبيعية.
  • أصول الحقوق الطبيعية التي يعتبرها الفرنج أصلاً لأحكامهم.
  • تقويم سنة 1244 من الهجرة، ألَّفه الأستاذ جومار لمصر والشَّام، متضمناً شذراتٍ علمية وتدبيرية.
  • نبذة من تاريخ الإسكندر الأكبر مأخوذ من تاريخ القدماء.
  • قطعة من كتاب ملطبرون في الجغرافيا.
  • نبذة في علم هيئة الدُّنيا.
  • نبذة في الميثولوجيا يعني جاهلية اليونان وخرافاتهم.
  • نبذة في علم سياسة الصِّحة.
  • قطعة من عمليات ضابطان عِظام.
  • ثلاث مقالاتٍ من كتاب لجندر في علم الهندسة.

من أهم ما مجَّدَهُ (الطهطاوي) في فرنسا؛ نَظْمها السياسة، القائمة على الدَّستور ولشغفه بهذ المبادئ؛ تَرجَمَ في كتاب رحلته، دستور فرنسا، وأعجبه كذلك توخِّيهِم للعدل في حكومتهم وتمسُّكِهِم بالقوانين، ونفرتهم من الظُّلمِ والتَّشفي.

أحمد أحمد بدوي

حديث أساتذته وزملائه عنه:-

حظي رفاعة الطهاوي بتقدير وثناء أساتذته وزملائه الذين تعامل معهم أثناء تواجده في فرنسا، ومن بين من أقدم على مدحه:

  • قال عنه المستشرق المعروف سلفستر دي ساسي : ” مسيو رفاعة أحسن صَرفَ زمنه مُدة إقامته في فرنسا، وأنه اكتسب فيها معارف عظيمة، وتمكَّن منها كلَّ التمكُّن ، حتَّى تأهل لأن يكون نافعاً في بلاده.. وله عندي منزلةً عظيمةً، ومحبة جسيمة”.
  • شهد له بكرم الخُلُق استاذه السيد شواليه، الذي رافقه نحو 40 شهراً، فقال عنه : “لم أرَ منهُ إلَّا أسباب الرِّضا، سواء في تعلُّمه، أو في سلوكه المملوء من الحِكمة والاحتراس، وحسن خُلُقِهِ ولين عريكته”.
  • وقال عنه السيد صالح مجدي بك: “.. وقال لي من أثِقُ به ممن كانوا معه في باريس: إنّهُ كان يؤدي الفرائضَ والسُّنن، ولم يأكُل مما لم يُذكَر اسم الله عليه، وواظب على تلاوة القرآن”.

الوظائف التي تقلدها في مجال التعليم:-

فور عودته إلى مصر؛ كان رفاعة الطهطاوي يتوقد حماسة للمشاركة في نهضة بلده وإشاعة التعليم فيها، وقد تقلَّد عدة مناصب، فيما يلي أبرزها:

  • أول وظيفة كانت الاطلاع بمهمة الترجمة في مدرسة الطب الواقعة في أبي زعبل.
  • عُهِدَ إليه تدريس الترجمة لتلاميذ المدرسة الفرنسية المُلحَقة بمدرسة الطِّب.
  • إدارة المدرسة التجهيزية للطب والقيام على شؤونها (مدرسة المارستان)، والتي يتعلم فيها الطلبة علوم الحساب والهندسة والكون والتاريخ والمنطق، ويمكن للناجحين فيها؛ الالتحاق بكلية الطب.
  • في عام 1833 م؛ انتقل إلى مدرسة المدفعية (الطوبحيَّة) وعُهِد إليه ترجمة العلوم الهندسية والفنون الحربية، بدلاً من المستشرق كنج.
  • في عام 1835 م؛ وقع وباء بالقاهرة، فسافر إلى طهطا، وبها عكف على ترجمة مجلد من جغرافيا ملطبرون، وعاد به بعد ستين يوماً إلى القاهرة، فقدَّمه لمحمد علي باشا، الذي اُفتُتِنَ بإنجاز رفاعة وكافأه عليه.
  • ثم أُنيطت به مهمة نظارة مكتبة المدرسة التجهيزية بالقصر العيني، وهي مكتبة فخمة ضخمة تحتوي على 15 ألف مجلد غالبيتها باللغتين الإيطالية والفرنسية.
  • في ظل تزايد اهتمام محمد علي باشا بنشاط الترجمة التي يعوَّل عليها للظفر بأكبر عددٍ من الكُتُب المترجمة بأقل زمن ممكن، فعرض رفاعة على محمد علي تأسيس مدرسة الألسن لهذا الغرض بحيث يعتمد على الكفاءات الوطنية ويستغني بها عن الغرباء، فوافق على المقترح وعَهِدَ إليه مع حكيم مهمة اختيار تلاميذها مناصفةً من القسمين البحري والقبلي، وجعَلَ مقرها بالسراي (الدفتر دار) بحي الأزبكية، وفي سنة 1841 م؛ قررت لجنة تنظيم المدارس أن يكون عدد تلاميذ “الألسن” ستين تلميذاً، وظلت محتفظة بنحو هذا العدد حتى نهاية عصر محمد علي.
  • أحيل إليه في الأثناء مهمة تفتيش مكاتب الأقاليم عموماً، وتفتيش مدارس الخانقاه وأبي زعبل، وكان يترأس كل عام امتحان تلاميذ مكاتب (المبتديان) بالأقاليم، فيسافر في النيل إليها، ويمتحن تلاميذها، ويستقطب المتفوقين منهم إلى المدرسة التجهيزية الملحقة بـ”الألسن”.
  • ظلَّ رفاعة ناهضاً بأعبائه الثقال في مدرسة الألسن بالقاهرة، حتى مطلع عصر عباس الأول، حيث نُقِلتَ من الأزبكية إلى النَّاصرية، ثمَّ أُلغِيَت المدرسة سنة 1849 م (1226 هـ)، حيث عُيِّن ناظراً لمدرسة ابتدائية في الخرطوم بحجَّة أنَّه “ملمٌ بأصول المدارس، ليُنسِقها كما ينبغي، وينظمها نظاماً حَسَناً” وكلَّفه مهمة اختيار المدرسين بين الرِّجال الأكفاء، ليدُرِك أكبر رجال العلم في مصر، بل كبيرهم، أن الغرض من وراء إرساله للسودان هو إبعاده عن مصر، بعدما تأثَّر عباس بما يقوله الواشون عن الطهطاوي الذي نظم قصيدة يبثُ فيها شكواه وسخطه قائلاً:

ومَــــا خِـلْتُ العَـــزيــز يُــريد ذُلِّـــي .. ولا يُصغِي لأخصامٍ لِــدادِ

لديه سعــــوا بألسِنــــةٍ حِـــــدادٍ .. فكيف صغى لألسنة حِداد ؟!

مهــــازيل الفضــــائل خـــادعوني .. وهل في حربهم يكبو جوادي

وزخــــرفٌ قولهــــم إذ موَّهــــــوه .. على تزييفهِ نادى المُنادي

فهــل من صيرفي المعني بصـيـــر .. صحيـــــحُ الانتقاء والانتقادِ

  • في عهد الخديوي محمد سعيد باشا (1822 -1863 م)؛ عاد الطهطاوي لمصر من السودان ولقي حفاوة من قبل زملائه وتلامذته، والتقى بصديقه أدهم باشا وهو المفتش العام الجديد للمهمات والمدارس المعين من قبل الخديوي الجديد، واتفقا على العمل على تجديد عهد ازدهار الحركة التعليمية كما كانت في عهد محمد علي، لكن الخديوي سعيد لم يضع هذا المشروع كأولوية باعتباره منشغلاً بمشروع قناة السويس.
  • عينه أدهم تحت رياسته عضواً ومترجماً في مجلس المحافظة، ثم عينه بعد شهر وكيلا للمدرسة الحربية التي باتت ذات طبيعة عسكرية مدينة تقدم علوماً شاملة وتم تأسيسها في القلعة سنة 1856 م، حيث ترأسها الطهطاوي حتى العام 1861 م حيث تم إقفالها.
  • في عهد إسماعيل باشا الداعم للعلوم والمعارف؛ عُيِّنَ رفاعة عضواً في “قومسيون الديوان” الذي كان يجتمع يومياً للنظر فيما ينبغي عمله لافتتاح المدارس الجديدة، كما اختير عام 1863 م ناظراً لقلم الترجمة بديوان المدارس، كما أشرف على ترجمة بعض أعداد المجلة العسكرية المصرية، كما قام بدور كبير في تدريس اللغة العربية بالمدارس، قكان يمتحن الفقهاء والشيوخ لينتقي أفضلهم لوظائف التدريس.

شعره:-

خلال تواجده في باريس؛ نَظَمَ رفاعة رافع الطهطاوي قصيدةً مدح فيها مصر والتي كان يراها قادرة على النهوض لو توفرت فيها أدوات العمران الكفيلة بجعلها سلطان المُدُن ورئيسة بلاد الدُّنيا، حيث يقول:

ناحَ الحَمَـامُ على غُصونِ البــان .. فأبـــاحَ شيمة مغرم ولهانِ

مـــا خِلتـــه مذ صـــاحَ إلَّا أنَّــه .. أضـــحى فقيد أليفهِ ويُعاني

وكـــــــــأنَّه يُلقــي إلــيَّ إشــــارةً .. كيــف اصطباري مذ نأى خِلَّاني

مَــع أنَّنـــي والله مُذ فــــارقتهــم .. مَـــــا طَابَ لي عيشي وصفو زماني

لكننــي صــبٌ أصـــونُ تلهُّــــفي .. حتَّـــى كأني لسـتُ باللهفان

وبباطنِ الأحشـــاء نـــــارٌ لو بدَت .. جمراتهــا ما طاقها الثَّقَلانِ

أبكـــي دمــاً من مُهجتــي لفِراقِهِــم .. وأودُّ ألَّا تشـعُر العينانِ

زَمــنٌ علــيَّ له لمصــــرَ فديتهــــا .. حـــقٌ وثيــقٌ عاطل النُّكْرَان

أو شــابهـت عينــاي فائــضَ نيلهـــا .. لَــمْ توفِ بعض شفائه أحزاني

أو لو حَكَى قلبي بِحَـــارَ علومها .. طَرَبــــاً لما أخلو من الخَفَقانِ

ولكُم بأزهرها شمـــوسٌ أشْـــرَقَت .. وأنَـــارت الأكوانِ بالعرفانِ

فشذا عبير علومهم عـــمَّ الـــوَرَى .. وسَـــرَت مآثرهم لكلِّ مكانِ

وحوتهمو مصـــرُ فصَــارت روضــــةً .. وهُمُـــو جناها للمبتغى للجاني

قد شبَّـهُوهَـــا بالعَــرُوس وقد بدا .. مِنهَـــا “العروسي” بهجة الأكوانِ

قالوا تعطر روضها فأجبتهم .. “عطــارهــا حسَن” شذاه معاني

حبر له شهِـــدت أكابر عصـــره .. بكمــــال فضلٍ لاحَ بالبُرهـانِ

لو قُلتُ لم يوجَـد بمصـــر نظيره .. لأُجِـبتُ بالتصديقِ والإذعانِ

هـــذا لعمــري إن فيهَــــا ســــادَةً .. قَــد زيَّنوا بالحُسْنِ والإحسانِ

وقال أيضاً:

لقد ذَكَروا شمــــوس الحُسْن طرا ..

وقــالـــوا إنَّ مطلعاً بمِصر

وقال كذلك في حق بلاده:

لئــن طــلَّقـــتُ باريســـاً ثلاثـــــاً .. فـمَــــا هذا لغير وصال مصر

فكُــــلٌّ منهمــــا عنــدي عَـــروس .. ولكــن مِصْرَ ليست بنت كُفْر!

إسهامات رفاعة الطهطاوي العلمية والنهضوية:-

اعتُبِر رفاعة رافع الطهطاوي أحد أركان ودعائم النهضة العربية المعاصرة في مصر، وبرز ذلك من خلال الإسهامات العلمية والنهضوية التي قام بها بعد فترة طويلة من التحصيل العلمي والترحال والاطلاع على الحضارة الغربية، ولعل أبرز الإسهامات والرؤى التي قدمها تتلخص فيما يلي:

  1. قام بمهمة وأعباء الوعظ في الجيش المصري، وذلك بعد تخرجه من الأزهر الشريف.
  2. عندما عاد من فرنسا إلى مصر تولى مهمة رئيس الترجمة في المدرسة الطبية.
  3. عمل مترجماً للعلوم الهندسية والعسكرية في مدرسة المدفعية.
  4. أنشأ أول متحف للآثار في تاريخ مصر.
  5. قام بإنشاء جريدة «الوقائع المصرية».
  6. كان له باع كبير في الترجمة، وقام بترجمة بعض الكتب الأجنبية، وخاصة الفرنسية منها، فقد استغل فترة بقائه في فرنسا ليلتقي بكبار الأدباء والباحثين والمؤرِّخين والجغرافيين الفرنسيين، وليتقن اللغة الفرنسية بجدارة نطقاً وكتابةً.
  7. دعا إلى نبذ التخلف والجهل، وفهم الدين فهماً صحيحاً، وقد برز منهجه في ذلك من خلال كتابه «القول السديد في الاجتهاد والتجديد».
  8. دعا إلى تطوير التعليم وإصلاحه، وأنشأ في سبيل ذلك مجلة تربوية تعنى بهذا الشأن وهي مجلة «روضة المدارس»، كما قام بوضع أسس للمناهج التعليمية.
  9. أحيا مدرسة الألسن للغات في مصر، وساهم في تطورها وتقدمها.
  10. دعا إلى تعليم المرأة، ومَنْحِها كامل حقوق، ومنها حقها في التعلم وحقها في العمل، وألَّف كتاباً في ذلك سماه «المرشد الأمين للبنات والبنين».
  11. عاش رفاعة رافع الطهطاوي فترة ذهبية أثناء حكم محمد علي باشا، الذي أكرمه وقرَّبه منه وأجزل له العطايا، ولكن تم نفيه إلى السودان أثناء تولي عباس باشا الذي جمَّد الحركة العلمية في مصر أثناء حكمه، وفي السودان أنشأ الطهطاوي أول مدرسة ابتدائية.

كما أن البلاد الإسلامية قد برَعَت في العلوم الشَّرعيَّة والعمل بها، وفي العُلوم العقلية، وأهملت العلوم الحُكمية بجُملتِها، فلذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كَسْب ما لا تعرفهُ، وجلب ما تجْهَل صُنْعَهُ، ولهذا حَكَمَ الفِرَنْجُ بأنَّ عُلَماءَ الإسلامِ إنَّما يعرفونَ شريعتهم ولِسانَهُم، يعني ما يتعلَّق بالعربية، ولكِن يعترفون لنا بأننا كُنَّا أساتيذهم في سائر العُلوم، وبِقِدَمِنا عليهِم.

الطهطاوي

كتب رفاعة رافع الطهطاوي:-

له العديد من الكتب والمؤلفات في شتى المعارف والعلوم؛ كالرحلات، والجغرافية، والتاريخ، والهندسة، وغير ذلك، ومن أشهر هذه الكتب والمؤلفات ما يلي:

  1. تخليص الإبريز في تلخيص باريز: كتاب في الرحلات، تحدث رفاعة الطهطاوي فيه عن رحلته إلى فرنسا.
  2. المرشد الأمين للبنات والبنين: كتاب في التربية، وضَّح فيه حقوق المرأة، ودعا إلى تلبية هذه الحقوق أسوة بالرجل.
  3. القول السديد في الاجتهاد والتجديد: كتاب فكري، دعا فيه إلى نبذ التخلف واللحق بركب الحضارة الإنسانية.
  4. نهاية الإيجاز: كتاب في السيرة النبوية.
  5. أنوار توفيق الجليل: كتاب تحدث من خلاله عن تاريخ مصر.
  6. تعريب القانون المدني الفرنساوي.
  7. تاريخ قدماء المصريين.
  8. بداية القدماء.
  9. جغرافية بلاد الشام.
  10. مبادئ الهندسة.

رفاعة الطهطاوي يتحدث عن تجربته في فرنسا:-

لخَّصَ رفاعة رافع الطهطاوي تجربته في فرنسا عموماً وباريس على وجه الخصوص، وخَرَجَ بجملة ملاحظات إجتماعية وثقافية بعضها إيجابي والآخر سلبي، فيما يلي بعضها:

  • من أوصافهم (أهل باريس) توفيتهم غالباً بالحقوق الواجبة عليهم، وعدم إهمالهم أشغالهم، فإنَّهُم لا يكلِّون من الأشغال، سواء الغني والفقير، فكأن لسان حالهم يقول: إنَّ الليل والنَّهَار يعملان فيك، فاعمل بهما.
  • ومن طباعِهم الغالبة (أهل باريس): وفاءُ الوَعْد، وعدَم الغدر، وقِلَّة الخيانة، والصِّدق، ويعتنون كثيراً بالمروءة الإنسانية.
  • ومن الأمور المستحسنة في طباعهم، الشبيهة حقيقة بطِباع العَرَب: عدم ميلهم إلى الأحداث، والتَّشَبُّب فيهم أصلاً، فهذا أمرٌ منسي الذِّكر عندهم، تأباه طبيعتهم وأخلاقهم.
  •  ومن الصِّفات التي يُقبَحُ وصف الإنسان بها عندهم” كُفْرُ النِّعِم”، مثل غيرهم، فيرون أنَّ شُكْرَ المُنعِمِ واجبٌ.
  • وليس عندهم المواساة (أهل باريس) إلَّا بأقوالهم وأفعالهم، لا بأموالهم، إلَّا أنهم لا يمنعون عن أصحابهم ما يطلبون استعارته لا هِبَتَهُ إلَّا إذ وثقوا بالمكافأة، وهُم بذلك أقرب للبُخل من الكرم.
  • ومن خصالهم أيضاً: صَرْفُ الأموال في حظوظ النَّفْس، والشَّهَواتِ الشَّيطانية، واللَّهو واللَّعِب، فإنَّهُم مسرفون للغاية.
  • ومن خصالهم الرديئة: قلَّة عفاف كثير من نسائهم، وعدَم غيرة رجالهم فيما يكونُ عِنْدَ الإسلام من الغيرة بمثل المصاحبة والمُلاعبة والمسايرة.
  • القهاوي عندهم (مرسيليا) ليسَت مجمعاً للحرافيش، بل هي مجمع لأربَاب الحِشْمَة؛ إذ هي مُزيَّنة بالأمور العظيمة النَّفيسة التي لا تليق إلَّا بالغِنى التَّام، وأثمان ما فيها غالية جِدَّاً، فلا يدخلها إلَّا أهل الثروة، وأمَّا الفُقراء؛ فإنهُم يدخلون بعض قهاوي فقيرة أو الخمَّارات والمحاشيش، ومع ذلك هذه المحال أيضاً مجمَّلة تجَمُّلاً نسبياً.
  • ينكرون خوارق العادات، ويعتقدون أنه لا يمكن تخلف الأمور الطبيعية أصلاً، وأن الأديان جاءت لتدُل الإنسان على فِعل الخير، واجتناب ضدّه، وأنَّ عمارة البلاد وتطرق النَّاس وتقدَّمهم في الآداب والظَّرافة تسدُّ مسد الأديان.
  • ومن عقائدهم القبيحة قولهم: إن عقول حكمائهم وطبائعييهم أعظم من عقولِ الأنبياء وأذكى منها.
  • ومنهم جماعة يعتقدون أنَّ الله تعالى خلَقَ الخلْق، ونظَّمهم نظاماً عجيباً، فَرَغَ منه ثم لا يزال يلاحظهم بصفة له تعالى، تُسمَّى صِفة العِناية والحِفْظ، تتعلَّق بالمُمكنات إجمالاً.
مدينة باريس في أواخر القرن التاسع عشر
مدينة باريس في أواخر القرن التاسع عشر

وفاته:-

توفي العالم المصري رفاعة رافع الطهطاوي في القاهرة سنة 1290هـ (1873 م).

وخلال تأبينه؛ قال عنه تلميذه صالح مجدي بك: “عاشَ صحيح البنية، قوي الأعصاب، معتدل المزاج، إلى أن اعترته النَّزلة المثانية التي تصيب الكهول، وتؤدي بهم إلى الهلاك بعد النحول، فتخلَّص منها أول مرَّة، ثم عاودته ثاني كرَّة، فنجا منها لفسحةٍ في أجله، ثم أدركته في الدفعة الثانية، فلازَمَ الفِراش، ولم تنفكَ عنه حتى مات”.

ورثاه في قصيدة مطلعها:

كيـــف النجــاة وأحكـــام المنيــات .. مــن دونها ماضيات المشرفيات

وعلى شطر التَّـــاريخ وهو رفاعــــة .. زاده أهنى بجنَّــاتِ

ونعته “الوقائع المصرية” مسجلة ًهذا الوداع الحافل، حيث قالت: ” قدِمَ على ربٍ كريم، بالمؤمنين رؤوف رحيم، الجناب الذي ما قصى نحبه، وودَّع توديع الفراق صحبه، إلَّا من بعد أن زكي من نصاب ذكائه زكاة الإنفاق، إلى أن ارتقت سيرته الطباق، وملأت شهرته الآفاق.. المرحوم رفاعة بك أفندي، الغني عن الإطناب، بما له من جليل النعوت وجميل الألقاب..”.


المصادر:

  • الأعلام (3/23).
  • الموسوعة العربية (12/621).
  • تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي، مؤسسة هنداوي.
  • رفاعة الطهطاوي بك، أحمد أحمد بدوي.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى