أعلامانفوجرافيكس

ذو الرمة .. الشاعر الفحل العاشق

اشتُهِر بحبه وتعلقه بمَيَّةَ ابنة مقاتل المنقري، وكان كثير التغزل بها

ذو الرمة – اسمه ونشأته:-

ذو الرمة هو غَيلْان بن عُقبة بن بُهَيش، أبو الحارث، فحل من فحول الشعراء العرب، وُلِدَ في نجد سنة 77هـ.

لقبه:-

اشتُهِر بذي الرُّمَّة، و(الرُّمَّة): بضم الراء: الحبل البالي، وبكسر الراء (الرِّمَّة): العظم البالي، وأُطلِق عليه هذا اللقب؛ لما قاله في الوتد:

علــى ثــلاثٍ بــاقيـــاتٍ ســــودِ .. وغيــــر بـــاقــي ملــعـبِ الوليــــدِ

وَغَيرَ مَرضــوخِ القَفـــا مَوتــودِ .. أَشعَــثَ باقي رُمَّةِ التَقلـيـــدِ

شعره:-

كان ذو الرمة من أشعر شعراء العرب، ومن مشاهير عصره، ومن المتقدمين في النَّظم في زمانه، وهو من فحول الطبقة الثانية في عصره، قال أبو عمرو بن العلاء: “فُتِحَ الشعر بامرئ القيس وخُتِمَ بذي الرمة”.

ارتبط اسم العرب منذ القدم بالشعر والكرم والفروسية والإبل مثل ذو الرمة
ارتبط اسم العرب منذ القدم بالشعر والكرم والفروسية والإبل- مكتبة الكونغرس (مطلع القرن العشرين)

كان شديد القصر دميماً، يضرب لونه إلى السواد، أكثر شعره في الغزل وبكاء أطلال، يذهب في ذلك مذهب الجاهليين، وكان مقيماً بالبادية، يختلف إلى اليمامة والبصرة كثيراً، امتاز بإجادة التشبيه، وقد قال جرير: “لو خرس ذو الرمة بعد قوله قصيدته التي أولها:

ما بالُ عَينِكَ مِنها المــاءُ يَنسَكِــبُ..

كَـــأَنَّـهُ مِــن كُلـى مَفــرِيَّـة سَــرِبُ

 .. لكان أشعر الناس”.

وقال أبو عمرو بن العلاء: “شعر ذي الرمة نقط عروس يضمحل عن قليل، وأبعار ظباء لها شم في أول رائحة، ثم يعود إلى البعر”.

مكانته الشعرية:-

لم تَحُل شُهرة جرير والفرزدق والأخطل، وهم فحول شعراء العصر الأموي؛ دون سطوع نجم شاعرنا في هذه الحقبة، فقد احتل ذو الرّمة مكانة مرموقة في أيَّامه، وقد كان يحسده عليها معظم الشُّعراء حينذاك، وذلك على الرُّغم من قُصر عُمره إذ أنه لم يعمِّر أكثر من أربعين عاماً.

وقد كان أهل البادية يُعجَبون بشِعره، وقد نُقِلَ عن الإمام الشَّافعي قوله: ” ليس يُقدِّم أهل البادية على ذي الرمة أحداً”.

ولم يكُن أهل البادية يؤثرون ذا الرّمة على سواه فحسب، إذ وَرَدَ عن الشَّافعي أيضاً إنَّه لَقِيَ رجلاً يمانياً فقال للأخير: من أشعر النَّاس؟، فقال : ذو الرمة ! .. فقال له: فأين امرؤ القيس؟!.. ليحميه بذلك لأنَّه يماني، فقال: ” لو أن امرأ القيس كُلِّف أن ينشد شعر ذي الرمة ما أحسَنَه”! ، وقال عنَّه حمّاد الرواية: ” ما أخّر القوم ذكرهُ إلَّا لحداثه سِنّه، وأنهم حسدوه..”.

وذو الرمة هو آخر شعراء الجاهليَّة انتماءً بتشبيه، وبكائه على الأطلال، وفي أغراضه الشعريَّة.

وقد وجَدَ علماء العراق في ذي الرّمة خبيراً أريباًً في الشِّعر الجاهلي، فإنَّ شُهرة ذو الرّمة -بصَرْف النَّظَر عن بعضِ التحفُّظات- كانَت واسعة، وخَاصَّة عند نحويي البَصْرَة الذي كانوا يحلو لهُم الاستشهاد بوصْفهِ للحيوان، وكانوا في أوساط المُغنين وهُواة الفَن يُعجَبُونَ بقصائده لميَّة التي أصبحَت بطَلَةً روائيةً في القَرْن الثالث الهجري / التَّاسِع الميلادي، وإنَّ كَميَّة الكَلِمات النَّادِرة التي نجدُها في شُعرِه؛ أهَاجَتْ فُضُول المُعجبين به.

حسين علي الهنداوي، موسوعة تاريخ الأدب والنَّقْد والحكمة العربية في العصر الأُموي.

حبه لِمَيَّة ابنة مقاتل:-

كان من عشَّاق العرب المشهورين، وقد اشتُهِر ذو الرمة بحبه وتعلقه بمَيَّةَ ابنة مقاتل المنقري، وكان كثير التغزل بها، حتى قال أبو تمام فيهما:

مـا رَبـعُ مَــيَّةَ مَعــموراً يُطــيفُ بِــهِ ..

غَيلانُ أَبهى رُبىً مِن رَبعِها الخَرِبِ

وبقيت محبوبته مَيَّة مدة طويلة تسمع شعره ولا تراه، فنذرت لله تعالى عليها أن تنحر بدنة يوم تراه، فلما رأته رأت رجلا دميماً أسود، وكانت هي من أهل الجمال، فقالت: واسوأتاه، وابؤساه! فأنشدها ذو الرمة قوله:

عَلـى وَجـهِ مَـيٍّ مَسـحَةٌ مِـن مَلاحَـةٍ.. وَتَحتَ الثِيابِ الخِزيُ إِن كانَ بادِيا

أَلَــم تَـــرَ أَنَّ المــاءَ يَخلُـفُ طَعـــمُهُ.. وَإِن كـانَ لَونُ الماءِ أَبيَـضَ صـافِيا

فَيا ضَيعَةَ الشِعرِ الَّذي لَجَّ فَاِنقَضى.. بِمَـيٍّ وَلَــم أَمـلِك ضَـــلالاً فُــؤادِيا

هام ذو الرمة في حب ميَّة
هام ذو الرمة في حب ميَّة

ومن جميل شعره فيها:

إِذا هَـبَّتِ الأَرواحُ مِــن نَحـوِ جــانِب .. بِـهِ أَهـلُ مَيٍّ هـاجَ شَـوقي هُـبوبُها

هَــوىً تَذرِفُ العَـينـانِ مِـنهُ وإنَّمــا.. هَــوى كُلِّ نَفسٍ حَيثُ كَانَ حَبيبُها

تَناسَــيتُ بِالهِجــرانِ مَــيّاً وَإِنَّنــي.. إِلَيـــها لَحَــنّانُ القَـــرونِ طَــروبُها

بَدا اليَأسُ مِن مَيٍّ عَلى أَنَّ نَفسُه.. طَـــويلٌ عَلـى آثــارِ مَــيٍّ نَحــيبُها

وقال فيها أيضاً:

ذكـرتُــكِ أن مــرّتْ بنـا أمُّ شــادِنٍ .. أمـام المــطايا تَشـرئبُّ وتَســنَحُ

من المؤلِفاتِ الرمل أدْماءُ حُــرَّةٌ .. شُــعاعُ الضُّحى في متنها يتوضَّحُ

هي الشِّبْهُ أعطافـاً وجِيـداً ومقلــةً .. ومَــيّةُ أبهــى بعــدُ مِنـها وأملَـحُ

وقد تزوجت ميَّة ابن عمها عاصم الذي قال فيها ذو الرمة:

أَلا لَيتَ شِعري هَل يَموتَنَّ عــاصِمٌ .. وَلَـم تَشتَعِبني لِلمَنايا شَعوبُها

دَعا اللَهُ مِـن حَتفِ المَنيَّةِ عاصِماً.. بِقاضـيَةٍ يُدعــى لَهـا فَيُجـيبُها

حبُّه للخرقاء وتغزله بها:-

تغزّل ذو الرمة بامرأة من بني البكاء بن عامر بن صعصعة، حيث كان في سفر، فرآها خارجة من خيمة، فوقعت في قلبه، فخرق إداوته ودنا منها يستطعم كلامها، فقال: إني رجل على ظهر سفر، وقد تخرقت إداوتي، فأصلحيها لي، فقالت: والله ما أحسن العمل وإني لخرقاء -والخرقاء التي لا تعمل شغلاً؛ لكرامتها على أهلها- فقال فيها الشعر، ومما قاله فيها:

وما شَـنَّتا خرقاءَ واهيتا الكُــلى .. سَـقــى بهـا سـاقٍ ولـم يَتَبَـللا

بأضيعَ مِنْ عَيْنَيْكِ للدَّمْــع كلَّما .. تذكَّــرْتَ ربعاً أو توهَّمْتَ منزلا

ومما قاله فيها أيضاً:

تمــامُ الحــجِّ أنْ تَقِفَ المطايــا..

على خـــرقاءَ واضـعةَ اللِّثـــامِ

وذلك أن منزلها كان على طريق الحُجَّاج.

التشبيه في شعره:-

وقد شبَّه الشيء بالشيء صورةً ولوناً وحركةً وهيئةً كقوله:

ما بالُ عينـكَ منهـا الدَّمعُ ينسَـكِـبُ.. كأنَّــه مـن كُلـى مفريـةٍ سَـربُ

وفــراءُ غـرفـــيةٌ أثــأى خــوارِزهـا.. مشلشلٌ ضيعته بينها الكُتُـــبُ

المدح في شعره:-

اشتُهِر ذو الرمة بالمدح، وكان كثير المدح لبلال بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وفيه قال شاعرنا:

إِذا اِبـن أَبي موسـى بِـلالٌ بَلَغــتِـهِ .. فَـقــامَ بِفَـأسٍ بَيــنَ وصلَيـكِ جـازِرُ

بِـلالُ اِبـنُ خَــيرِ النــــاسِ إِلا نُـبــوَّةٍ .. إِذا نُشِّــرَت بَيــنَ الجَمــيعِ المــآثِرُ

نَماكَ أَبو موسى إِلى الخَيرِ وَاِبنُهُ.. أَبــوكَ وَقَــيسٌ قَــبلَ ذاكَ وعــامِرُ

أَسودٌ إِذا ما أَبدَتِ الحَربُ ساقَهــا .. وَفي سائِرِ الدَهرِ الغُيوثُ المَواطِرُ

ما قيل عنه:-

  • كان ينشد شعره في سوق الإبل، فجاء الفرزدق فوقف عليه، فقال له ذو الرُّمَّة: كيف ترى ما تسمع يا أبا فراس؟ فقال: ما أحسن ما تقول! قال: فما لي لا أذكر مع الفحول؟ قال: قَصَّر بك عن غايتهم بكاؤك في الدِّمَنِ، وصفتك للأبعار والعَطَن.
الفرزدق يجيب على ذي الرمة
الفرزدق يجيب على ذي الرمة (تعبيرية)
  • وقال أبو عمرو بن العلاء: “خُتِمَ الشعر بذي الرُّمَّة، والرجز برؤبة بن العجاج”، وقال أيضاً: ” فُتِحَ الشِّعر بامرئ القيس، وخُتِمَ بذي الرمَّة”.
  • روى الرياشي، قال سمعتُ الأصمعيّ يقول: أحسنُ ما قيلَ في وصف الثَّغر قول ذي الرِّمة:

و تَجْلُـــو بفَـــرعٍ منْ أرَاكٍ كَـــأنَّــهُ .. مِـنَ العَنْبَرِ الهِنْـدِيّ والمسْـكِ يُصْبَـحُ

ذُرَا أُقْــحُوانٍ وَاجَـهَ اللَّيــلَ وارْتَقَـى .. إليـهِ النَّـدَى مِن رَامَـةَ المَترَوِّحُ

هِـجَانِ الثَّـنايَـا مُـغْرَبـاً لو تبَسَّـمتْ.. لأَخْرَسَ عنـهُ كـادَ بالقولِ يُفْصِـحُ

  • وقد كان له أخ اسمه أوفى وآخر اسمه مسعود، فمات أوفى ثم مات ذو الرُّمَّة فرثاهما مسعود بقوله:

تَـعَـزَّيْـتُ عَــنْ أوْفَــى بِغَــيْلاَنَ بَعْـدَهُ.. عَــزَاءً وَجَفْـنُ الْعَــيْنِ مَـلآنُ مُــتْرَعُ

نَعَى الرَّكْبُ أوْفَـى حِـينَ آبَتْ رِكابُهُـمْ.. لَعَـمْرِي لَقَــدْ جَـاؤُا بِشَـرٍّ فأوْجَعُـوا

نَعَـــوا بَـاسِــــقَ الأَفْعالِ لاَ يَخْلُفُـونَـهُ.. تَكــادُ الْجِــبالُ الصُّــمُّ مِـنْهُ تَصَـدَّعُ

خوَى الْمَسْجدُ الْمَعْمُورُ بَعْدَ ابْنِ دَلْهَمٍ. وأمْسَى بِأوفَى قَوْمُهُ قَدْ تَضَعْضعُوا

فَلَمْ تُنْسِني أوفـى الْمُصــيِبَاتُ بَعْـدَهُ.. وَلكِـــنَّ نَـكْ الْقَـرْحِ بِالْقَـرْحِ أوجَــعُ

وقد كان مسعود هذا يلوم أخاه ذا الرُّمَّة على بكائه على الأطلال، حتى قال له ذو الرُّمَّة يوماً:

عَشِيَّةَ مَسعودٌ يَقـــولُ وَقَد جَــرى .. عَلـى لِحَيتي مِن عَبَرةِ العَينِ قاطِرُ

أَفـي الـدَّارِ تَبكـي أَن تَفَـرَّقَ أَهلُهـا .. وَأَنتَ اِمرُؤٌ قَـد حَلَّـمَتكَ العَـشائِرُ

وفاته:-

توفي ذو الرمة سنة 117هـ بأصفهان، ولما حضرته الوفاة قال: “أنا ابن نصف الهرم، أنا ابن أربعين سنة”، وأنشد قائلاً:

يا قابضَ الرُّوح عن نفسي إذا احتضرَتْ

وغافــرَ الذَّنبِ زحـزحْـنِي عَــنِ النَّــار

أصفهان المدينة التاريخية الجميلة التي يُعتقد بأن الشاعر توفي فيها بعيداً عن مسقط رأسه في نجد

وقد قال الشَّاعر الوشَّاح ابن حريق في أحد موشَّحاته ذاكراً غيلان:

فَخَـــلِّ عـينـــيَّ فــي انـهِـمـــالِ … يـقــــرّ للدَّمـــعِ مــن قـــرارِ

وابـــكِ مَـعـــي رقَّـــةَ لحِــــالــي .. بُكَــــاءَ غيلانَ في الدِّيــــارِ


المصادر:

  • الشعر والشعراء (1/515/رقم 94).
  • طبقات فحول الشعراء (2/534/رقم 712) و(2/563/رقم 757).
  • معجم الشعراء العرب (1279/رقم 77).
  • ديوان ذي الرمة ، الخطيب التبريزي.
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/11/523).
  • عيار الشعر، ابن طباطبا.
  • نهاية الأرب، شهاب الدين النويري.
Image by Gerd Altmann from Pixabay 

https://www.freepik.com/free-vector/arabs-riding-camels-desert_4805659.htm#page=3&query=camel&position=0

Image by Kat Hönow from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى