أعلام

ديك الجن … الشاعر الحِمصيّ المُتمرّد

كان مُنصرفًا إلى اللهو والدَّعة، وكان مُنشغلًا بالحياة المادية، واكتظت حياته بقصص الحب العابرة

صحيحٌ أن القاتلَ قد يمشي في جنازة المقتول، لكن هل يرثيه بعدما كان السبب في أن تأذنَ شمسُ حياته بالأُفُول؟ ديكُ الجنّ هو شاعر أخلفَ سُنّةَ المراثي؛ بأنْ جَنَتْ يداه ما قد تجرَّع من المآسي، فلو كان للمكلومين من الرثاء صَاع، فله وحدَه ألفُ صَاعٍ من الأوجاع.

من هو ديك الجن ؟

هو أبو محمد عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن مزيد بن تميم الكلبي الحمصي، شاعرٌ عربي عباسي، وُلد سنة 161هـ في مدينة حمص على نهر العاصي، حمل لقب ديك الجن بسبب اللون الأخضر البرّاق لعينيه، وقِيل بسبب تنقله بين البساتين، وقِيل أيضا لرثائه ديكًا ذُبح، ولم يرد الكثير حول طفولته، وعلى ما يبدو أن نشأته كانت عادية، لم يكن فيها ثَمّة ما تتطرق إليه كتب التراجم، فكان شأنه شأن أطفال ذلك الزمان الذين كان يُلحقهم ذويهم بالمساجد حيث يتلقون فيها علوم الدين واللغة والأدب، فقد شهدت أشعاره بخلفية ثقافية راسخة منذ باكورة نشأته.

وقد عاش أغلب حياته في مدينة حمص السورية، وارتبط اسمها باسمه، ولم يُذكَر أنه غادر بلاد الشام قطّ، ولم يُعرَف عنه أنه كان شاعرًا مدّاحًا للأمراء والوزراء، أو مُتكسِّبًا بشعره، ولعلّ ذلك بسبب توجهاته السياسية المعارضة، وقد اشتهر بشعره ومجونه، وكان معاصرًا لأبي تمام، والبحتري، وأبي نواس، غير أنه كان أسنَّ منهم.

حمص التي ينتسبُ إليها ديك الجن .

ما جَنَت يداه:-

كان ديك الجن مُنصرفًا إلى اللهو والدَّعة، وكان مُنشغلًا بالحياة المادية، واكتظت حياته بقصص الحب العابرة، التي لم ترقَ إلى الحب الصادق يومًا، حتى اقتحمت محبوبته وَرْد الحسناء حياته الفوضاوية، لتبثَّ فيها فيضًا من العواطف الرقيقة، والمشاعر النبيلة، وكانت إحدى جاراته، التي بادلته الحب، وقِيل: إنها كانت جارية عنده، وتكللت مشاعرهما بالزواج، وقد أُغرِم بها كما لم يُغْرَم بحب امرأة من قبل.

غير أن هذا الزواج لم يكن هو النهاية السعيدة لقصة الحب تلك، فقد كان البيت الذي جمعهما هو مقبرتهما، فقد كان حاضنًا لتلك النهاية المفجعة لهذا الزواج، الذي انتهى بأنْ فقدَ ديك الجن صوابه، وتجرّد من إنسانيته، وقتل زوجته غدرًا، بعدما تملكته مشاعر الغيرة، بعد تدخُّل الواشين بينهما وقذفها في عِرضها، غير أنه لم يصف له العيش بعدها، وكانت حياته علقمًا، وظل ينزف حزنا وألمًا، خاصة بعدما تيقن من براءتها وطُهرها، فحادثة مثل هذه لا تُمحى من الذاكرة ولا تُنسى مهما طال العمر، وكان هذا حدثًا فريدًا ليس فيما يخص عبد، السلام بن رغبان وحده، لكن فيما يخص تاريخنا الأدبي أيضًا، وقد رثاها من فَرط ندمه حين لا ينفع الندم فقال:

يا طَلْعَةً طَلَعَ الحِمَامُ عَلَيها .. وجَنَى لَها ثَمَرَ الرَّدَى بِيَدَيْها

رَوّيْتُ مِنْ دَمِها الثّرى ولَطَالَما .. رَوَّى الهَوَى شَفَتَيَّ مِنْ شَفَتيْها

قَدْ باتَ سَيْفي في مَجَالِ وِشَاحِها .. ومَدَامِعِي تَجْرِي على خَدَّيْها

فَوَحَقِّ نَعْلَيْها وما وَطِىءَ الحَصَى .. شَيءٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَعْلَيْها

ما كانَ قَتْليِها لأَنِّي لَمْ أَكُنْ .. أَبكي إذا سَقَطَ الذُّبَابُ عَلَيْها

لكنْ ضَنَنْتُ على العيونِ بِحُسْنِها .. وأَنِفْتُ مِنْ نَظَرِ الحَسُود إِليها

لقد كانت حياته مليئةً بالكثير من الشكّ، ذلك الشك الذي قتله حيًّا، ولعل عذره الذي هو أقبح من ذنبه، أنه لم يعرف يومًا للوفاء سبيل، أو لم يتيقن بوجود نساء فاضلات، بعدما تنقّل بين الماجِنات والسَّاقطات في شبابه.

ديك الجن وصنعته الشعرية:-

لم يكن من الصعب على ديك الجن أن يجد مكانًا لموهبته الشعرية، خاصة وأنه نشأ في عصرٍ هو أوج الإزدهار الحضاري والثقافي، وهو العصر العباسي، وقد استطاع أن يواكبَ حركةَ الإبداعِ والتجديد المتوالية في ذلك الوقت، ولا شك أنه اهتم بعلوم اللغة والأدب، وقد تجلى ذلك في صنعته الشعرية المُحكمة، فقد كان مالكًا لزمام الكَلِم، عالمًا بالدلالات، قادرًا على توظيف تلك الدلالات، ليصل للمعنى المنشود، من غير تكلّفٍ أو تصنُّعٍ، ملتزمًا بالأنساق اللغوية السليمة.

كما كان ذا صوتٍ نديٍّ، تَطربُ له الآذان، فكان يُنشد شعره ويتغنَّى به بنفسه، في حين أن بعض الشعراء كان يستأجرون من يُنشد لهم إن كانوا لا يُحسنون الإنشاد، وكان بارعًا في الضرب بالطُّنبور، وهي آلة وترية موسيقية قديمة، فكانت دائمًا ما تَعُجُّ مجالسه بالندماء، الذين لا يملُّون الاستماع إليه.

ويُروى من دلائل براعته في فن الشعر؛  أن أبا نواس كان يقصد مصر ليمتدح الخصيب، فمرّ بحمص في طريقه، وأراد أن يلتقي بديك الجن، غير أنه لم يُرد مقابلته، فذهب أبو نواس إلى بيته وقال لأَمَته: قولي له: اخرج فقد فتنتَ أهل العراق بقولك : “موردة من كف ظبي كأنما… تناولها من خده فأدارها”، فلما سمع ديك الجن بذلك، خرج إليه وأضافه.

ويُروى أيضًا أن دعبلًا الخزاعي لما اجتاز بحمص أراد مقابلته، غير أن ديك الجن لما علم بوصوله اختفى منه، خوفًا من أن يظهر لدعبل، لأنه كان قاصرًا بالنسبة إليه، فقصده في بيته، فقالت الجارية: إنه ليس هنا، فعرف قصده، فقال لها: قولي له: اخرج فأنت أشعر الإنس والجن بقولك:

وقُمْ أَنْتَ فاحْثُثْ كَأْسَها غَيْرَ صاغِرٍ .. ولا تَسْقِ إِلاَّ خَمْرَها وَعُقَارَهَا

فقامَ تكادُ الكَأْسُ تَحْرِقُ كَفّهُ .. مِنَ الشّمْسِ أَوْ مِنْ وَجْنَتَيْهِ اسْتَعَارَهَا

ظَلْلِنا بأَيدينا نُتَعْتِعُ رُوحَها .. فَتأْخُذُ مِنْ أَقْدامِنَا الرَّاحُ ثَارَهَا

مُوَرَّدةٌ مِنْ كَفِّ ظَبْيٍ كأنّما .. تَناوَلَها مِنْ خَدِّهِ فَأدَارَها

وقد شهد له كذلك ابن رشيق القيرواني فقال: “وأبوتمام من المعدودين في إجادة الرثاء، ومثله عبد السلام بن رغبان، وهو أشعر في هذا من حبيب، وله فيه طرائق انفرد بها”، وقال ابن خلكان: “شعره في غاية الجودة”.

ديك الجن وفلسفة الصعاليك :-

كما ديك الجن كان مهتمًا بعلوم التاريخ، وعكف على دراسة آداب العرب السالفة، وأخبارهم، واهتم بالشعر الجاهلي، وخاصة شعر صعاليك الجاهلية الذي لامسَ شَغَفًا في قلبه، ليس لصنعتهم الشعريّةِ فحسب، ولكنه كان مولعًا بفلسفتهم الحياتية، التي كان التّمردُ شعارها، والخروج عن المألوف عنوانها، فانتهج نهجههم، وسار على دربهم، حتى رأي في نفسه أنه جاوزهم تمرُّدًا، وفاقهم تجرُّدًا من أعراف المجتمع.

مبالغته في تمرُّده:-

لقد كان هناك تناقضًا جليًّا بين إنتماء عبد السلام بن رغبان السياسي ومواقفه الدينية، صحيح أنه كان منتميًا لتيار المعارضة الشيعية آنذاك، لكن ذلك لا يعني أنه كان شيعيًّا، فقد بلغ به تمرّده على أعراف المجتمع، أن تمرّد على ملاحقة الوعّاظ له في كل مجلس، بعد أن صرَّح بشكّه في كثير من الثوابت الدينية، كالقيامة والبعث وغيرها، وبدا في خضَمِّ ذلك مترددًا، وقلقًا، ومُتشكِّكًا، مما دفع الكثيرين لاتهامه بالإلحاد، خاصةً بعد تشكيكه في يوم القيامة، وقد صرّح بذلك غير مرةٍ في أشعاره فقال:

هيَ الدُّنيا وقَدْ نَعِموا بأُخْرى .. وتَـسْـويـفُ النُّفـوسِ مِنَ السّوافِ

فإنْ كَذبوا أَمِنْتَ وإِنْ أَصابوا .. فـإنَّ المُـبْـتَـليكَ هو المُعَافي

وأَصْــدَقُ مــا أَبُـثُّكَ أنَّ قـلبـي .. بِـتَـصْـديـقِ القِـيـامَةِ غيرُ صَافِ

ديك الجن وأبو تمام:-

حدث عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزبيدي قال: كنت جالسًا عند عبد السلام بن رغبان، فدخل عليه حَدَث فأنشده شعرًا من صنعته، فأخرج ديك الجن من تحت مُصلاه درجًا كبيرًا فيه كثير من شعره، وأعطاه له، وقال: يا فتى تكسَّب بهذا، واستعن به على قولك، فلما خرج سألته عنه، فقال: هذا فتى من أهل جاسم، يذكر أنه من طيء، يكنى أبا تمام، واسمه حبيب بن أوس، وفيه أدب وذكاء وله قريحة وطبع، قال: وعُمِّر عبد السلام بن رغبان إلى أن مات أبو تمام ورثاه.

أبيات من الحكمة لشاعر الخلوق أبي تمام الطائي
أبيات من الحكمة لشاعر الخلوق أبي تمام الطائي.

وفاته:-

توفي ديك الجن في أيام الخليفة العباسي المتوكل وذلك سنة 236 هـ.

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

● الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني.
● الدميري، حياة الحيوان الكبرى، ج1، ص485.
ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص184.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى