أعلام

دعبل الخزاعي .. الشاعر المجيد صاحب اللسان البذيء

اشتهرت قصيدته التائية التي مدح بها أهل البيت

اسمه ونشأته:

دعبل بن علي بن رزين بن سليمان، أبو علي الخزاعي ، الشاعر المشهور، أصله من الكوفة، ويقال: من قرقيسيا، وأقام ببغداد، وسافر إلى غيرها من البلاد فدخل دمشق ومصر، وُلِدَ سنة 148هـ.

وقد قيل: دعبل لقب واسمه الحسن، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: محمد، وكنيته أبو جعفر، ودِعْبِل اسم الناقة الشارف.

ودِعْبِل هو ابن عم أبي جعفر بن عبد الله بن رَزِيْنٍ الملقب أبا الشيص الخزاعي الشاعر المشهور، وكان أبو الشيص من مداح الرشيد، ولما مات رثاه ومدح ولده الأمين.

الخليفة العباسي هارون الرشيد يتحدث عن دعبل الخزاعي

مكانته الشعرية:

كان شاعراً مجيداً، إلا أنه كان بذيء اللسان، مولعاً بالهجو والحط من أقدار الناس، وهجا الخلفاء فمن دونهم، وطال عمره، فكان يقول: “لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي، أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك”.

وهجا إبراهيم بن المهدي بأبيات قال فيها:

نَعَرَ ابنُ شُكْلةَ بالعِــراقِ وأَهْلِهِ ..

فهفا إليهِ كلُّ أطلــسَ مــائقِ

فدخل إبراهيم على المأمون فشكا إليه حاله، وقال: يا أمير المؤمنين، إن الله سبحانه وتعالى فضَّلك في نفسك عليَّ، وألهمك الرأفة والعفو عني، والنسب واحد، وقد هجاني دعبل فانتقم لي منه، فقال المأمون: ما قال؟ لعل قوله:

نَعَـرَ ابنُ شُكْلةَ بالعِـــراقِ وأَهْلِهِ ..

فهفـا إليهِ كلُّ أطلـسَ مــائقِ

فقال: هذا من بعض هجائه، وقد هجاني بما هو أقبح من هذا، فقال المأمون: لك أسوة بي فقد هجاني واحتملته، وقال فيَّ:

أَيَســومُني المَـــأمونُ خِطَّـــةَ عــاجِزٍ … أَو ما رَأى بِالأَمسِ رَأسَ مُحَمَّدِ

إِنّي مِنَ القَـــومِ الَّـذينَ سُيـــوفُهُم … قَتَلَـــت أَخاكَ وَشَرَّفَتكَ بِمَقعَدِ

رَفَعوا مَحَلَّكَ بَعدَ طولِ خُمولِهِ … وَاِستَنقَذوكَ مِنَ الحَضيضِ الأَوهَدِ

فقال إبراهيم: زادك الله حلماً يا أمير المؤمنين وعلماً، فما ينطق أحدنا إلا عن فضل علمك ولا يحلم إلا اتِّباعاً لحلمك.

وأشار دعبل في هذه الأبيات إلى قضية طاهر بن الحسين الخزاعي وحصاره بغداد، وقتله الأمين محمد بن الرشيد، وبذلك ولي المأمون الخلافة، وكان المأمون إذا أنشد هذه الأبيات يقول: “قبح الله دِعْبِلاً فما أوقحه! كيف يقول عني هذا وقد ولدت في حجر الخلافة ورضعت يديها وربيت في مهدها؟

الاتحاد مع الأنصاري:-

وكان بين دعبل ومسلم بن الوليد الأنصاري اتحاد كثير، وعليه تخرج دِعْبِل في الشعر، فولي مسلم جُرْجَان من ناحية خراسان، ولاه إياها الفضل بن سهل، فقصده دِعْبِل؛ لما يعلمه من الصحبة التي بينهما، فلم يلتفت مسلم إليه، ففارقه وأنشد هذه الأبيات:

غَشَشتَ الهَوى حَتّى تَداعَت أُصولُه… بِنا وَاِبتَذَلتَ الوَصلَ حَتّى تَقَطَّعا

وَأَنزَلتَ مِن بَينِ الجَوانِحِ وَالحَشا… ذَخيرَةَ وُدٍّ طالَما قَد تَمَنَّعا

فَلا تَعذِلَنّي لَيسَ لي فيكَ مَطمَعٌ… تَخَرَّقتَ حَتّى لَم أَجِد لَكَ مَرقَعا

فَهَبكَ يَميني اِستَأكَلَت فَاِحتَسَبتُها… وَجَشَّمتُ قَلبي قَطعَها فَتَشَجَّعا

دعبل الخزاعي
الشعر ركن أساسي في الثقافة العربية، وهو أمر اكتسبه حتى العجم الذين دخلوا الإسلام لاحقاً

وله شعر في الغزل؛ منه هذه الأبيات:

أَيــــنَ الشَـبــــــابُ وَأَيَّــــةً سَــلَــكــــا … لا أَينَ يُطلَـبُ ضَلَّ بَل هَلَكا

لا تَعجَبي يا سَلــمَ مِن رَجُـــلٍ … ضَحِـــكَ المَشيبُ بِرَأسِهِ فَبَكى

قَــد كـــانَ يَضحَـــكُ في شَبيبَتِـــهِ … فَــأَتى المَشيبُ فَقَلَّما ضَحِكا

يـا سَلـــمَ مـــا بِالشَــــيبِ مَنقَصَـــةٌ … لا ســوقَةً يُبقي وَلا مَلِكا

يا لَيـــتَ شِــعــــري كَيــفَ نَومُكُمــا … يـا صاحِبَيَّ إِذا دَمي سُفِكـا

لا تَأخُــــذا بِظُــــــلامَتي أَحَــــداً …. قَلبـــي وَطَرفي في دَمي اِشتَرَكــا

مدح آل البيت:-

ومن أشهر قصائده قصيدته التائية التي مدح بها أهل البيت، فقد قصد بها علي بن موسى الرضا بخراسان فأعطاه عشرة آلاف درهم وخلع عليه بردة من ثيابه، فأعطاه بها أهل قمّ ثلاثين ألف درهم فلم يبعها، فقطعوا عليه الطريق ليأخذوها فقال لهم: إنها تراد لله عز وجل وهي محرمة عليكم، فدفعوا له ثلاثين ألف درهم فحلف أن لا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه، فأعطوه كمَّا واحداً فكان في أكفانه، ومما جاء في هذه القصيدة:

مَـــدارِسُ آيــاتٍ خَلَـــت مِــن تِــلاوَةٍ … وَمَنـــزِلُ وَحيٍ مُقفِرُ العَرَصــاتِ

لِآلِ رَسولِ اللَهِ بِالخَيفِ مِن مِنىً … وَبِالرُكنِ وَالتَعريفِ وَالجَمَراتِ

دِيـارُ عَلِيٍّ وَالحُسَيــنِ وَجَعفَـــرٍ … وَحَمـــزَةَ وَالسَجّادِ ذي الثَفِنـاتِ

دِيــــارٌ عَفاهـــا جَــورُ كُلِّ مُنــــــابِذٍ … وَلَــم تَعفُ لِلأَيّامِ وَالسَنَواتِ

قِفـــا نَسأَلِ الدارَ الَّتي خَفَّ أَهلُهــا … مَتــى عَهدُها بِالصَومِ وَالصَلَــواتِ

وَأَينَ الأُلى شَطَّت بِهِم غَربَةُ النَوى … أَفانينَ في الآفاقِ مُفتَرِقاتِ

هُمُ أَهــــلُ ميراثِ النَبِيِّ إِذا اِعتَـــزَوا … وَهُــم خَيرُ قاداتٍ وَخَيرُ حُمــاةِ

مأثوراته:

قال: “من فضل الشعر أنه لم يكذب أحد قط إلا اجتواه -اجتنبه- الناس، إلا الشاعر فإنه كلما زاد كذبه زاد المدح له، ثم لا يقنع له بذلك حتى يقال له: أحسنت والله، فلا يشهد له شهادة زور إلا ومعها يمين بالله تعالى”.

نوادر دعبل:

كان يقول: مررت يوماً برجل قد أصابه الصرع، فدنوت منه وصحت في أذنه بأعلى صوتي: دِعْبِل، فقام يمشي كأنه لم يصبه شيء.

وعَدَ عبد الله بن طاهر دعبلاً بغُلام، فلمَّا طال عليه تصدَّى له يوماً، وقد رَكِبَ إلى بابِ الخاصَّة، فلمَّا رآه قال: أسأت الاقتضاء، وجهلت المأخذ، ولم تُحسِن النَّظَر، ونحنُ أولى بالفَضل، فلَكَ الغُلامُ والدَّابة متى ننزِل إن شاء الله تعالى، فأخَذَ بعنانه دعبل وأنشدهُ:

يا جَـــوادَ اللِّســــان مِــن غيـرِ فعْــلٍ.. ليْـــتَ في راحتيْكَ جُودَ اللِّســانِ

عيْـــنَ مِهْــــرانَ قد لَطَـــمْتَ مِــــراراً.. فاتـــــقِ ذا الجلالِ في مِهْـرانِ

عُــرْتَ عيْنــاً فــدَعْ لمِــــهـرانَ عيْنــــاً .. لا تَدَعْـهُ يطوفُ في العِميـانِ

قال فنَزَلَ له عن دابَّته، وأمَرَ لهُ بالغُلام.

في عام 198 للهجرة، غادر بغداد، قاصداً الديار المقدسة لتأدية مناسك الحج، فقرَّر التوجه بعد ذلك من مكة المكرمة إلى مصر عند واليها المطلب بن عبد الله الزاعي، ليقول فيه:

زمنــي بمُطَّلـــبٍ سُقــيــتَ زمانـــاً … مــــا كنتَ إلا روضة وجنانــا

كــــلُّ النَّــــدى إلَّا نـــداك تكلُّـــــفٌ … لَـْـم أَرضَ غيرك كائناً من كانــا

أصلَحتني بالبِرِّ بــل أفــــسدتني … وَتــركتنــي أتسخَّــطُ الإحســانـــا

وقد أكرمه المُطلب كثيراً وأحسن وفادته، كما ولَّاه أسوان، التي شعر فيها دعبل بالوحدة والغربة والبعد عن بغداد، وسرعان ما ساءت علاقته مع المُطلب فأخذ يهجو الأخير هجاءً مقذعاً، ليعود دعبل مجدداً إلى دار السلام.

وكَتَبَ دعبل الخزاعي إلى رجلٍ وعده وعداً وأخلفهُ:

أحَــــسِبْتَ أرْضَ اللـــهِ ضَيِّقَــــةً … عَنـــي فأرْضُ اللهِ لـم تَضِقِ

وَجَـــعَلتَني فَقْعـــاُ بِقَرْقَــــــرَةٍ … فـوَطِئْتَنــي وطْئاً على حَنَـقِ

فَــــإذا سألْتــكَ حاجــةً أبـــداً … فــاضْــــرِبْ بها قُفْلاً على غَلَقِ

وأعِــدَّ لـي غُـــلاَّ وجـــــامِعــةً … فــاجْمَــــع يَدَيَّ بِها إلى عُنُقِي

مَـا أطــولَ الدُّنيــا وأوْسَعَهـــا … وأدلَّنـــي بِمَسـالِكِ الطُّـرُقِ

ما قيل فيه:

قال ياقوت الحموي: “كان هجَّاءً، خبيث اللسان، لم يسلم منه أحد من الخلفاء ولا من الوزراء ولا أولادهم ولا ذو نباهة أحسن إليه أو لم يحسن، وكان بينه وبين الكُمَيْتُ بن زيد وأبي سعد المخزومي مناقضات، وكان من مشاهير الشيعة، وقصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر وأسنى المدائح”.

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..

قال شوقي ضيف: “هو أحد من برعوا لعصره في علم الشعر ونقده، مما جعله يؤلف في أخبار الشعراء كتاباً نفيساً طالما استقى منه القدماء في كتاباتهم”.

آثار دعبل ومصنفاته:

  1. ديوان شعر.
  2. طبقات الشعراء.

ومـــيثــــاءَ خَـضْــــراءَ زربـيَّــــــة .. بهـــا النَّـوْرُ يُزْهِــرُ مِـنْ كُلِّ فَـنْ

ضَـــحُوكــــاً إذا لاعَـبَتْـــهُ الريّــَاحُ … تَـــأوَّد كالشَّـارِب المرْجحنْ

فشَــبَّه صَـــحْبـــي نــــــوارَهُ … بديبـــــاجِ كِـسْرَى وعَصْبِ اليَمَنْ

فقُلتُ بعُــــدْتُم ولـكنَّنــــــي … أُشَبِّهُــــــهُ بجنـــابِ الحِسـنْ

فتَى لا يَــــرى المــــــال إلَّا العَطَـــــاءَ.. ولا الكنزَ إلَّا اعتقاد المنن

دعبل الخزاعي.

وفاة دعبل الخزاعي:

توفي دعبل الخزاعي سنة 246هـ بالطيب، وهي بلدة بين واسط وكور الأهواز.

ولما مات دعبل ، وكان صديق البحتري، وكان أبو تمام الطائي قد مات قبله، رثاهما البحتري بأبيات منها:

قَـد زاد في كلفــي وأوقد لوعتــي … مَثـــوى حبيب يوم مات ودِعْبِل

أخوي لا تزل السماء مخيلة … تغشاكما بسماء مزن مسبل

جدث على الأهـــواز يبعــد دونه … مســـرى النعي ورمة بالموصل

الشاعر أبو عبادة البحتري من أعظم شعراء العصر العباسي يتحدث عن دعبل الخزاعي
أبو عبادة البحتري من أعظم شعراء العصر العباسي، وسميَّ شعره «سلاسل الذهب»، كان بعض أهل عصره يقدمونه على أبي تمام الطائي بادئ الرأي، ويختمون به الشعراء.

المصادر:

  • الأعلام (2/339).
  • العصر العباسي الأول، شوقي ضيف.
  • سير أعلام النبلاء (11/519/رقم 141).
  • الشعر والشعراء لابن قتيبة (2/838/رقم 198).
  • طبقات الشعراء – ابن المعتز (264).
  • معجم الأدباء (3/1284).
  • معجم الشعراء العرب (1263).
  • وفيات الأعيان (2/266).
  • عيار الشِّعر – ابن طباطبا.
  • العقد الفريد.
Image by Alexas_Fotos from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى