أعلامانفوجرافيكس

دبيس بن صدقة .. الحازم المهيب الكريم

كان جواداً كريماً، من الشجعان الأشداء، موصوفاً بالحزم والهيبة، عارفاً بالأدب

دبيس بن صدقة:-

دبيس بن سيف الدولة أبي الحسن صدقة بن منصور بن دُبَيْس بن علي بن مَزْيَد، أبو الأعز الأسدي الناشري، الملقب نور الدولة حاكم الحلة وأمير بادية العراق، وُلِدَ سنة 463هـ.

سلطته ومكانته:-

كان دبيس بن صدقة جواداً كريماً، من الشجعان الأشداء، موصوفاً بالحزم والهيبة، عارفاً بالأدب، يقول الشعر، وفي المؤرخين من يصفه بالشر وارتكاب الكبائر، فقد قتل أبوه سنة 501هـ، وأُسِرَ هو فأُرسِلَ إلى بغداد ثم أُطلِق، وعاد إلى الحِلَّةِ سنة 512هـ فجعله أهلها أميراً عليهم مكان أبيه.

نشبت بعد ذلك فتن وحروب بينه وبين الخليفة المسترشد، وتمكن في خلافة الإمام المسترشد واستولى على كثير من بلاد العراق، وانتهت هذه الحروب بمقتل المسترشد غيلةً سنة 529هـ.

في سنة 519 هجرية؛ كانت البداية الفعلية للنزاع بين الخلافة العباسية والدولة السلجوقيَّة، عندَمَا لجأ دبيس بن صدقة إلى طغرل بن محمد، حيث حسُنَ له الاستيلاءُ على العراق وطَلَب السَّلْطَنَة، فاستجابَ طغرل لإغراء دبيس له، فسارَ الإثنان على رأسِ جيشٍ كبيرٍ إلى بغداد لقتال الخليفة المسترشِد بالله، والسُّلْطَان محمود بن محمد، وكان سببُ مسيرة دبيس لحرب الخليفة ما بينهُما من نزاعٍ وخِلافٍ، بينما كان هَدَف طغرل هو انتراعُ لقب السُّلطانِ من أخيه محمود بن محمد، وحينما بلغ الخليفةُ أنَّ طغرل ودبيس أعدَّا جيشاً لقتاله؛ أعدَّ هُوَ الآخَرُ جيشاً وخَرَجَ لصدِّهِمَا إلَّأ أنَّ طغرُل مرِض فجأة، ومن ثمَّ لم يشترك في الحرب ضّدَّ الخليفة ، وتقابل جيش الأخير مع جيش دبيس، إلَّا أن ابن صدقة طلب العفو من الخليفة، وقبَّلَ الأرضَ بين يديه، ممَّا جَعَلَ الخليفة يصفحُ عنه.

— دولة السلاجقة، علي الصلابي.

أبو الأعز الأسدي ومقامات الحريري:-

دبيس بن صدقة هو الذي عناه الحريري صاحب «المقامات» في المقامة التاسعة والثلاثين بقوله: “أو الأسدي دُبَيْس”؛ لأنه كان معاصره، فرام التقرب إليه بذكره في مقاماته، ولجلالة قدره أيضاً.

ما قيل فيه:-

  • قال الذهبي: “كان أديباً، جواداً، مُمَدَّحاً، من نجباء العرب، ترامت به الأسفار إلى الأطراف، وجال في خراسان”.
  • وللوزير ظهير الدين محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم قصيدة في الأمير دبيس بن صدقة:

يغبّ الغيثُ أكنـــافَ الــــــبلادِ .. ويخلـفُ بارقُ السُّحُبِ الغوادي

ويغبـــرُّ الشتـاءُ، ومنــه يرجــــى .. نمـــوُّ الروض، أو رِيُّ الصَّـــوادي

وسيفُ الدولـة الملك المرَجَّــى .. سَحُــوحُ الجودِ مُنْهَلُّ العِــــهاِد

يُبِيدُ نوالــه فَــــقْــرَ المَـــــقــاوِي .. وحـد حُسامِهِ مُهَجَ الأعــــــادي

إذا افتخــرت ملــوكُ الأرضِ طـــرّاً .. بتعديد المساعي والأيــــــادي

شآهـا عند معتبر المَــــــعاِلــي .. طـــويـلُ الرمحِ واليدِ والنِّــــــجاِد

طليــقُ الوجــهِ أغلبُ مَزْيــــــديٌّ .. مضيء النار مرفوع العِــــــمِاد

شِعر دبيس بن صدقة:-

له نظم حسن، منه هذه الأبيات اللامية التي من جملتها:

أسلــــمه حب سليمانكم..

إلى هوى أيســـــره القتل

وكتب بدران أخو دُبَيْس إلى أخيه وهو نازح عنه:

ألا قُــل لمنصــور وقُــل لمسيب .. وقُــل لدبيــــــس إنَّني لغــــــريب

هنيئــاً لكم مــاء الفــرات وطيبـه إذا .. لم يكن لي في الفرات نصيب

فكتب إليه دُبَيْس:

ألا قُــل لبـدران الذي حــنَّ نازعــاً .. إلــى أرضه والحر ليس يخـــيب

تمتَّـع بأيَّــام السُّــــرور فإنَّــــمــا .. عـذار الأماني بالهموم يشـــــيب

ولله في تلك الحـــوادث حكـمـــة .. وللأرض من كأس الكرام نصيب

وكان أبو الأعز الأسدي كثيراً ما ينشد:

إنَّ اللَّــيالــي للأنـــام مناهــــــل .. تطــوى وتبسط بينها الأعمار

فقصارهنَّ مع الهموم طويلة.. وطوالهنَّ مع السُّرور قـصار

قتل الأمير دبيس بن صدقة:-

كان الأمير دبيس بن صدقة في خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي، وهم نازلون على باب المراغة من بلاد أذربيجان ومعهم الإمام المسترشد بالله، فيقال: إن السلطان دس عليه جماعة من الباطنية فهجموا على خيمة المسترشد بالله، وقتلوه يوم الخميس الثامن والعشرين، سنة 529هـ، وخاف أن تنسب القضية إليه، وأراد أن تنسب إلى دُبَيْس، فتركه إلى أن جاء إلى الخدمة وجلس على باب خيمة السلطان، فسيَّر بعض مماليكه، فجاءه من ورائه وضرب رأسه بالسيف فأبانه، وأظهر السلطان بعد ذلك أنه إنما فعل هذا انتقاماً منه بما فعل في حق الإمام، وكان ذلك بعد قتل الإمام بشهر.

وذكر ابن الأزرق في «تاريخه» أنه قتله كان على باب تبريز، وأنه لما قُتِلَ حُمِلَ إلى ماردين إلى زوجته كهارخاتون، فدُفِنَ بالمشهد عند نجم الدين إيلغازي صاحب ماردين، والد كهارخاتون، ثم تزوج السلطان المذكور ابنة دُبَيْس.

وقد رثى الوزير ظهير الدين محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم الأمير دبيس بن صدقة بقصيدة؛ قال فيها:

هَبْنِــي كتمـتُ لواعــــجَ البُــرَحــاءِ .. فمـنِ المكتِّمُ عَبرتي وبكــــائي؟

كيــف التّصبُّــرُ، والهــمــومُ أسـنّــةٌ .. يَخْطِــرْنَ بينَ حَيازِمي وحشائي؟

كيــف التّصبُّـــرُ، والــرَّزِيّــــةُ بالـذّي .. جلَّـتْ رزّيتُــــهُ عن الأرزاءِ؟

طرَقَ النَّعيُّ، فلم يكن لي مسمعٌ.. يُصغي إلى المكروهة الرَّوْعاءِ

وطفِقتُ أتَّهِــمُ الحــديثَ كغــــيــره .. مِــن سائر الأخــــبارِ والأنبــــاءِ

فإذا الــرَّدَى قد أمكــــنتــه غِـــــرَّةٌ .. مِـن قِرنه، فجرى بــــلا إِبقــــاءِ

لا طعــمَ بعدَ أبــي الأغــرِّ لحالــــةٍ .. وإنِ اكتست من رونق وبهــــاءِ


المصادر:

  • الأعلام (2/336).
  • خريدة القصر وجريدة العصر (1/240) و(1/336).
  • سير أعلام النبلاء (19/612/رقم 359).
  • الكامل في التاريخ (9/66).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (5/256).
  • وفيات الأعيان (2/263).
  • دولة السلاجقة، الصلابي.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى