معلومات تاريخية

دار الحكمة في القاهرة .. المنارة العلمية

احتوى على ما يقارب المليون وستمائة ألف مجلد

توطئة:.

قام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بتأسيس دار الحكمة في القاهرة أو كما كان يعرف “دار العلم” و”دار الصقلبي” وذلك في عام 395هـ الموافق لعام 1004م.

وقد خصص لهذا الدار مكاناً كبيراً قريباً من القصر المغربي، واعتمد في بنائه على مجموعة من أهم المهندسين وأكثرهم خبرة، كما وأغدق الأموال الطائلة على هذا البناء وعلى تزيينه بأبهى الزخارف وأجملها.

كما رصد الحاكم بأمر الله ميزانية ضخمة جداً للإنفاق على مستلزمات وحاجيات دار الحكمة، ووظف فيه عدداً كبيراً من الاختصاصيين والعاملين والخدم.

القاهرة في العام 1870 م
القاهرة في العام 1870 م – مكتبة الكونغرس

تأسيس دار الحكمة في القاهرة:

لم يكن اهتمام الفاطميين منذ دخولهم الى مصر مقتصراً على بناء القوة العسكرية والسياسية فحسب، بل اهتموا كذلك كثيراً بالمنجزات العلمية والفكرية، فشيدوا القاهرة التي كانت مدينة ثقافية مهمة وعملاقة والتي أطلق عليها من قبل بعض المؤرخين اسم “قاهرة المعز” لأنها بنيت في عهده.

وقد أسس الخليفة الفاطمي المعز بأمر الله جامعة الأزهر في سنة 970 م ، وذلك بغية رفع معدل الثقافة بين الناس ولينافس الخلافة العباسية التي كانت قد أنشأت مكتبة بيت الحكمة في بغداد.

كان عهد الخليفة الفاطمي الخامس “العزيز الفاطمي” هاماً جداً من الناحية العلمية، فقد دفعه حبه للقراءة إلى أن يجمع الكتب ويؤسس مكتبة ضخمة في قصره، كما كلّف وزيره ومستشاره العلمي يعقوب بن كلس بجمع أهم الكتب من مختلف البلدان، ثمّ خصص لها أربعين خزانة في قصره.

وقد تعددت الروايات عن عدد الكتب الموجودة في هذه المكتبة، لكنها تراوحت بين مائتي ألف كتاب وستمائة ألف كتاب ، من ضمنها 1800 مخطوطة من العالم القديم ومائتان وأربعون نسخة من القرآن الكريم مجلدة ومزينة بشكل مميز.

صفحة من القرآن العظيم تعود للقرن التاسع الميلادي
صفحة من القرآن العظيم تعود للقرن التاسع الميلادي

بعد ذلك؛ جاء عهد الخليفة الفاطمي السادس الحاكم بأمر الله، والذي تسلَّم زمام الحكم وهو صغير في السِّن، وشهد عهده بعض الخلافات المذهبية، فقرر إنشاء مكتبة دار الحكمة في القاهرة ، لعلها تصرف الشباب عن النقاش بالأمور الخلافية وتحثهم على الدراسة والبحث العلمي، وقد نقل إلى هذه المكتبة كافة كتب قصر الخلافة الفاطمية التي جمعها والده العزيز الفاطمي.

مواصفات دار الحكمة في القاهرة:

كان اهتمام الحاكم بأمر الله بهذا الدار كبيراً جداً، وقد أراد منه مضاهاة بيت الحكمة في بغداد، فضخَّ أموالاً طائلة فيه، ولم يسمح بفتح أبوابه أمام الناس إلى حين تمّ فرشه وتزيينه وزخرفته بشكل كامل، وهذا ما جعله يظهر بصورة فنية وجمالية رائعة.

العناية بأدق التفاصيل في دار الحكمة في القاهرة
العناية بأدق التفاصيل الفنية الجمالية

تمّ توظيف عدد كبير من العاملين والخدم والاختصاصيين في المكتبة التي ضمت أربعين خزانة ضخمة موزعة على ثماني عشرة قاعة للبحث والمطالعة، وتتسع كل خزانة منها لأكثر من ثمانية عشر ألف كتاب، وقد احتوى دار الحكمة على ما يقارب المليون وستمائة ألف مجلد، من ضمنها ثمانية عشر ألف مخطوطة بالفلسفة و6500 أخرى مختصة بعلم الرياضيات.

كان إقبال القراء كبيراً ومتزايداً على المكتبة المفتوحة للجميع، والتي يمكن لأي شخص الدخول إليها بشكل مجاني والحصول على الكتاب الذي يريده حتى يقرأه أو يستنسخ منه، ولتسهيل العمل فيها؛ فقد دوّن على أبواب كل خزانة قائمة بأسماء المخطوطات والكتب التي تحويها، كما أنه يوجد فيه أشخاصاً تتمثل مهمتهم في مناولة الكتب لأي شخص يبحث عن كتاب ولا يستطيع إيجاده في الرفوف المفتوحة.

وصف ابن بطوطة مدينة القاهرة - دار الحكمة
وصف ابن بطوطة لمدينة القاهرة

حققت مكتبة دار الحكمة مستوى متقدم جداً على صعيد الفهرسة والتنظيم والترتيب، وتمّ تقسيمها إلى مجموعة من الأقسام الرئيسة، فمنها ما كان مخصصاً للقرآن الكريم والمنشدين الدينيين وقسم آخر للفقهاء والعلماء ، كما أن علماء الفلك كان لهم قسمهم الخاص بهم، بالإضافة إلى قسم خاص بالطب وآخر للغة والنحو، مع قاعة واسعة تقام فيها الندوات والأمسيات والفعاليات المتنوعة.

فُتِحَت الدَّارُ المُلقَّبَة بدار الحِكمة بالقاهرة، وجَلَسَ فيها الفُقَهَاء، وحُمِلَت إليها الكُتُبِ من خزائنِ القُصُورِ المَعْمُورة، ودَخَلَ النَّاسِ إليها، ونَسخ كُلُّ من التَمَسَ نسخَ شيءٍ ممَّا فيها ما التَمَسهُ، وكذلكَ من رَأى قراءة شيء ممَّا فيها، وجَلَسَ فيها القُرَّاء والمُنَجِّمُونَ وأصحابُ النَّحوِ واللُّغَة والأطباء، بعد أن فُرِشَت هذه الدَّار وزُخْرِفَت، وعُلِّقِت على جميعِ أبوابِهَا السُّتور، وأُقيمَ قوَّام وخُدَّام وفرَّاشون وغيرهِم وَسُمُّوا بخدمَتِهَا، وَحُصَّلَ في هذه الدَّار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمرِّ اللهِ من الكُتُبِ التي أَمَرَ بِحَمْلِهَا إليها من سائرِ العُلومِ والآدابِ والخُطوطِ المَنْسُوبةِ ما لم يَرَ مثله مجتمِعاً لأحدٍ قطّ منَ المُلوك، وأباحَ ذلكَ كلَّهُ لسائر النَّاس على طبقاتهم؛ فمنهم من يحضر لقراءة الكُتُب، ومِنْهُم من يحضر للنَّسْخ، ومنهم من يحضُر للتَّعَلُّم، وجَعَلَ فيها ما يحتاجُ النَّاسُ إليه منَ الحِبْرِ والأقلام والوَرَق والمَحابِر.. وفي سَنَةِ 403 هجرية؛ أحضَرَ الحاكم جماعةً من دار العِلمِ من أهلِ الحِسابِ والمنطق، وجماعةً منَ الأطباء إلى حضرته، وكانت كُلُّ طائفةٍ تحضُرُ على انفرادٍ للمُنَاظَرَةِ بين يديه، ثُمَّ خَلَعَ على الجَمْعِ وصَرَفَهُم.. وَوَقَفَ الحاكِم بأمرِ الله أماكِن في فُسطاط مصر عليها، وقد استمرَّت على هذا الوضْع إلى سنة 516 هجرية؛ حيث كثُرَت فيها المُناقشات الدِّينية التي سَبَّبَت فِتَناً، فأُغلِقَت ثُمَّ أُعيدَ فتحُهُا.

— عز الملك محمد بن عبيد الله المسُبَحِّي، الأديب والشاعر الذي عاش بمصر بين عامي 366 و 420 هجري، (977-1029 م).

كتاب أصيلة ونسخ عنها:-

تولى مجموعة من العلماء والعارفين إدارة دار الحكمة في القاهرة، ومن أبرزهم الشيرازي الذي ألّف ثمانية مجلدات عرض فيها للدعوة الفاطمية وأفكارها واجتهاداتها، ويعتقد عدد كبير من المؤرخين أن الهدف الأساسي من بناء الدار هو التعريف بالمذهب الإسماعيلي الفاطمي وجذب المريدين اليه.

احتوت خزائن مكتبة دار الحكمة على نسخ متعددة لبعض الكتب المهمة، ومنها أكثر من ألف نسخة من كتاب “تاريخ الطبري” إحداها نسخة بخط الطبري نفسه، كما وجِد بالدار ما يقارب المئة نسخة من كتاب “الجمهرة” لابن دريد وثلاثين نسخة من كتاب “العين” للخليل بن أحد الفراهيدي منها نسخة بخط يده.

الفراهيدي.. العلم في علم العروض

كانت ظاهرة تعدد النسخ من نفس الكتاب من الظواهر التي عانى منها الدار، وهذا ما دفع الحاكم بأمر الله لتوزيعها وإجراء مسابقة لاقتنائها.

على الرغم من أن مكتبة دار الحكمة في القاهرة كانت مفتوحة للجميع، بيد أنها احتوت على خزانة داخلية تقع تحت الإشراف المباشر لقصر الخليفة الفاطمي، وقد كان الاطلاع على محتويات هذه الخزانة محظوراً على العامة ولا يسمح به إلا للمقربين جداً من الحاكم بأمر الله أو لمن يحصل على إذن خاص بذلك.

اندثار دار الحكمة في القاهرة:

تأثر دار الحكمة  بضعف الدولة الفاطمية، فبعد أن كان مركزاً ثقافياً ومكاناً لجذب المريدين للمذهب الفاطمي؛ فقد تعرض للسلب والنهب والضياع في عام 461هـ  الموافق لسنة 1068م ، وذلك نتيجة للخلاف الذي نشب في مصر بين الأتراك والجنود السودانيين، وقد أحرقت بعض محتوياته من بعض العابثين.

كما كان لانتشار الطاعون والأوبئة أثر تدميري على المكتبة التي لم يبق منها سوى ما يقارب مائة ألف كتاب.

بعد نهاية الدولة الفاطمية ودخول صلاح الدين الأيوبي الى القاهرة في عام 1171م؛ أبقى على دار الحكمة لكنه قضى على مهمة الدار في نشر المذهب الفاطمي، لتعود المكتبة وتتأثر في عامي 1348و1349م بتعرض القاهرة للمجاعة والقحط، ما أجبر بعض الأشخاص على مقايضة مجلدات هامة برغيف من الخبز.

رسم تقريبي لصلاح الدين الأيوبي يعود للقرن التاسع عشر - دار الحكمة
رسم تقريبي لصلاح الدين الأيوبي يعود للقرن التاسع عشر

وبعد دخول العثمانيين لمصر في عام 1517م؛ نقل الأتراك الكتب المتبقية إلى إسطنبول للحفاظ عليها.

وبذلك اندثرت مكتبة دار الحكمة في القاهرة والتي كانت إحدى أهم المراكز الثقافية في العالم الوسيط، وساهمت بنشر العلم وحفظ المخطوطات النادرة.

المصادر :

ظهر الإسلام، أحمد أمين.

https://www.syr-res.com/article/2358.html

https://www.marefa.org/%D8%AF%D8%A7%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D8%A7%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9

https://www.aramcoworld.com/Articles/January-2019/Cairo-s-House-of-Knowledge

عمر

عمر هاشم، سوري الجنسية، خريج جامعة دمشق، كلية الحقوق، عام 2001، ويهوى العمل الصحافي ويمارسه منذ سنوات وذلك عبر العديد من المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى