معلومات تاريخية

دار الحكمة بالقاهرة .. منارة العلم وإشعاعه

احتضنت أعمال وأبحاث علماء الفلك والرياضيات والنحو والمنطق والأطباء وعلماء اللغة والفقهاء

تمهيد:-

في تاريخ 24 مارس آذار من العام 1005 م؛ قام الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي – الذي عُرِف بالجنون – بتأسيس دار العلم في القاهرة وهي واحدة من أكثر المؤسسات الأكاديمية تقدُّماً وتأثيراً في العصور الوسطى.

” في يوم السبت هذا، تم تدشين ما يُعرف بدار الحكمة في القاهرة” هذا ما كتبه المؤرخ “المسبحي” وهو أحد أصدقاء الخليفة الحاكم بأمر الله والذي كان قد تولى الخلافة قبل تسعة أعوام من هذا التاريخ.

وعلى الرغم من فقدان المخطوطة الأصلية للمسبحي؛ فقد بقيت أجزاء منها في كتابات المقريزي وهو مؤرخ مصري من القرن الرابع عشر الميلادي.

كان المسبحي وباقي حاشية الملك يعرفون جيداً مدى صعوبة الإبقاء على علاقة جيدة بالخليفة الذي عُرف فيما بعد بـ “الخليفة المجنون”، ففي لحظة قد ترى الخليفة يختلط بمرح مع رعاياه في الطرقات، وفي اللحظة التي تليها يُصدر أحكاماً بالإعدام أو يأمر بقتل كلاب المدينة لأن نباحها يزعجه.

الخليفة الفاطمي
كان الخليفة صاحب مزاج متقلب

المشاع الإبداعي المحلي:

حكم الخليفة الحاكم بأمر الله من عام 996 م وحتى عام 1021م، وبالرغم من اختفائه بلا أثر، فقد ترك تراثاً ثقافياً وعلمياً كبيراً في دار العلم التي قدمت علم الفلك والرياضيات والطب والقانون، حيث مُلأت الرفوف بكتب ومخطوطات من مختلف فروع المعرفة.

لأكثر من مائة عام تميزت دار العلم كمركز للتعلم، حيث قام علماء الفلك والرياضيات والنحو والمنطق والأطباء وعلماء اللغة والفقهاء بإجراء الأبحاث، وإعطاء المحاضرات، وكان الجميع مُرحب بهم، كما بقيت دون أن يُفرض عليها أي قيود بواسطة الضغوط السياسية أو التأثيرات الحزبية.

كتب المؤرخ بول واكر من جامعة شيكاغو عن الدولة الفاطمية التي كان الحاكم بأمر الله جزءاً منها: ” لا يوجد دليل على أن دار العلم كانت بمثابة مؤسسة دعائية، لقد أُنشأت ببساطة لتكون أكاديمية عامة”.

إرث كبير لدار الحكمة:-

من بين الاكتشافات العظيمة التي خرجت من دار العلم كانت الاكتشافات في علم البصريات من قبل العالم الموسوعي ابن الهيثم الذي قدم أيضاً إسهامات كبيرة في علم الفلك والرياضيات والفلسفة، وكذلك الاكتشافات في علم الفلك التي قدمها ابن يونس، وهو فلكي عاش أثناء نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر الميلادي.

كان الإرث الذي تركه هؤلاء العلماء على شكل جداول ومخططات وتجارب وأبحاث؛ بمثابة نواة لأعمال العلماء الأوروبيين اللاحقين.

في النهاية وبعد مرور 114 عام على تأسيس دار العلم، خيمت الصراعات الطائفية والاشتباكات الفلسفية عليها مما أدى إلى إغلاقها في عام 1119 م، وحتى محاولات إحيائها بعد ذلك ابتعدت عن التحيز الطائفي الذي كان من مبادئ تأسيسها.

ولكن خلال النصف الأول من القرن الحادي عشر؛ قامت دار الحكمة بدورها الذي يوحي بها اسمها في تطوير المعرفة والسعي وراءها كما يدعو الحديث النبوي الشريف ” طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة”.

مئات الآف الكتب اكتنزتها دار الحكمة
مئات الآف الكتب اكتنزتها دار الحكمة

المجمع التاريخي:.

جذبت دار العلم العلماء من كل أنحاء العالم الإسلامي، وقد تأسست في عام 1005 م مع الكتب التي تبرع بها الخليفة الحاكم، الذي قيل إن مكتبة قصره كانت تحتوي على حوالي 400 ألف مجلد.

المنافسة مع مكتبات الشرق:

كانت دار العلم فريدة من نوعها ولكنها لم تكن الأولى، فـ بيت الحكمة في بغداد الذي تأسس في أول القرن التاسع بواسطة الخلافة العباسية من أشهر الأمثلة المسابقة المشابهة.

كذلك مدرسة جنديسابور التي تأسست حوالي عام 555 في مقاطعة خوزستان بالقرب من الحدود الإيرانية العراقية الحالية، وربما كانت الأقرب لروح دار العلم الموجودة في القاهرة، فقد خُصصت لدراسة الطب والفلسفة وجذبت العلماء من العديد من أنحاء الشرق الأوسط.

تضمنت النماذج الأخرى إحدى المكتبات من القرن التاسع وهي “خزانة الحكمة” التي كانت تحت إشراف يحيى بن منصور كبير الفلكيين في عهد الخليفة العباسي المأمون، ورئيس بيت الحكمة أيضاً.

دار الحكمة جاءت لتنافس بيت الحكمة
دار الحكمة جاءت لتنافس بيت الحكمة

لقد سافر الكثير من العلماء وخاصة المهتمين بالفلك إلى هناك من أجل طلب العلم.

وفي القرن العاشر في مدينة الموصل العراقية؛ قام جعفر بن محمد الموصلي بتأسيس مكتبة كان يحاضر فيها الشعر، بينما كان الطلاب يدرسون مجموعة متنوعة من الموضوعات ، وكان يُقدَّم لهم الأوراق المجانية.

وفي البصرة وفي مدينة رامهرمز في جنوب بلاد فارس؛ أسس ابن سوار مكتبات كانت تُقدم رواتب للعلماء.

 أما في الشمال في مدينة الري (قرب طهران حالياً) فكان هناك ” أرقى مدينة في الشرق بأكمله باستثناء بغداد” كما كتب الجغرافي الرحالة ابن حوقل من القرن العاشر – كان هناك أكثر من أربعمائة جمل محمل بالكتب التي ملأت رفوف بيت الكتب.

اهتم الرحالة ابن حوقل منذ طفولته بعلم الجغرافيا، وأمضى ثلاثين عاماً من حياته مسافراً، صنف خلالها كتاب "المسالك والممالك"، وأظهر تفرده بميدان رسم الخرائط
ابن حوقل أحد أشهر المؤرخين والجغرافيين المسلمين

تلقي الإلهام:-

وحوالي عام 993 م في ضاحية الكرخ ببغداد ، أسس وزير اسمه أبو نصر سابور بن أردشير “دار المعرفة” والتي يقال إن مكتبتها كانت تحتوي على 10 آلاف مجلد.

هذه المنشأة الأخيرة التي تأسست قبل 12 عاماً فقط من دار الحكمة كانت على الأرجح الملهم المباشر للحاكم بأمر الله وفقاً لهاينز هالم Heinz Halm أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة توبنجن.

 فقد علم الخليفة بأمر المكتبة التي أنشأها الوزير سابور من خلال دعاته العاملين في بغداد.

كتب هالم في دراسته لعام 1997 م بعنوان “الفاطميون وتقاليدهم في التعلم: “تشجع على رفع قدر العلم في إمبراطوريته بطريقة أكثر سخاءً وكذلك على رفع المستوى الثقافي لأتباعه”.

كما قام الحاكم بأمر الله بإعطاء رواتب للعلماء وتوفير أدوات مجانية للكتابة.

تقول بولا ساندرز أستاذة التاريخ في جامعة رايس، ومؤلفة كتاب ” الطقوس والسياسة والمدينة في القاهرة الفاطمية” في هذا الصدد: ” كانت مصر بوجه عام والقاهرة تحديداً مركزاً حقيقياً للتعلم أثناء هذه الفترة القديمة بأكملها، وقد جاء إليها الناس من جميع أنحاء العالم الإسلامي للتعلُّم.”

ربما ليس من المستغرب هذا التزامن بين تأسيس دار العلم مع تزايد القوة الإقليمية للفاطميين.

ففي أثناء التوسع غربًا من سوريا في القرن العاشر؛ استولى الفاطميون على مصر وشمال إفريقيا من حكم دولة العباسيين المتوطنة في العراق.

وفي عام 969 م؛ أسس الخليفة المعز لدين الله مدينة القاهرة التي أصبحت العاصمة السياسية والاقتصادية للدولة الفاطمية.

في شارع المعز تصطف واجهة المسجد المزخرفة وباقي العمارة التي ظلت على قيد الحياة إلى جانب واجهات المتاجر التي تحمل إعلانات الهواتف المحمولة والحلويات.

تغير المعالم:-

في الوقت الذي تولى فيه حفيد المعز الحاكم بأمر الله العرش بعد 30 عامًا ، كانت السلطة الحاكمة الفاطمية تقع في القصرين الشرقي والغربي بالقاهرة.

 كانت هذه الأحياء الإدارية والسكنية الملكية – التي اختفت الآن – تقف في مواجهة بعضها البعض في قلب المدينة ، وكانت مفصولة بمساحة يبلغ عرضها 2.5 هكتار تسمى بين القصرين.

 ومن بين ما تبقى الآن هو شارع المعز، أحد أقدم شوارع القاهرة وأكثر الشوارع التي تحمل عبق التاريخ.

شارع المعز الشهير في مدينة القاهرة
شارع المعز الشهير في مدينة القاهرة

يشير المقريزي (اقتباساً عن المسبحي) إلى أن دار العلم كانت تقع في منزل كان ينتمي سابقاً إلى كبير خدم الخليفة العزيز والد الحاكم بأمر الله.

يشرح المستشار أحمد ماهر – مستشار وزير الآثار للشؤون القانونية – أن هذا المنزل قد فُقد منذ وقت طويل، ولكن في وقت من الأوقات تم إلحاقه بالجناح الشمالي الذي تبلغ مساحته أربع هكتارات ونصف في القصر الغربي المواجه لمسجد الأقمر والذي مازال باقياً حتى الآن ويعود تاريخه إلى قرن ونصف.

في شارع المعز؛ تصطف واجهة المسجد المزخرفة وباقي العمارة التي ظلت على قيد الحياة إلى جانب واجهات المتاجر التي تحمل إعلانات الهواتف المحمولة والحلويات العربية.

يحاول ماهر المتخصص في العصر الإسلامي في العصور الوسطى تخيُّل ما قد يكون عليه شكل دار الحكمة عندما فتحت أبوابها منذ عشرة قرون.

يقول ماهر : ” أعتقد أنه كانت هناك قاعة كبيرة للمحاضرات، بالإضافة إلى مقصورات لدراسة الأفراد ، ورفوف للكتب”. وصف المسبحي كشاهد عيان يؤكد معظم تكهنات ماهر.

بعد أن تم تأثيث وزخرفة المبنى، وبعد أن تم وضع الستائر على  كل الأبواب والممرات، أُقيمت المحاضرات من قبل قارئي القرآن وعلماء الفلك، وعلماء اللغة والنحويين وكذلك الأطباء.

كرم وسخاء:-

يكتب المسبحي: “كان فريق العمل يتكون من الحراس والخدم وآخرين، وبالإضافة إلى جميع العطايا التي لم يُسمَع بها من قبل، فقد أعطى الحاكم بأمر الله رواتب كبيرة لأولئك الذين عينهم في الخدمة”.

كانت الرواتب وسُبل الدعم المادي الأخرى مُقدمة من قبل الوقف الذي أسسه الحاكم بأمر الله، وقد بقيت شروطه في أجزاء من الصك الأصلي لدار العلم.

دينار ذهبي فاطمي - دار الحكمة
دينار ذهبي فاطمي .. متحف الميتروبوليتان

 وبينما فُقدت السجلات التي تحمل رواتب العلماء؛ فقد بقيت إجمالي ميزانية دار الحكمة السنوية وهي كالتالي:

10 دنانير لشراء السجاجيد والأدوات المنزلية الأخرى، 90 ديناراً لناسخ الورق، 15 ديناراً للخادم، 12 ديناراً للورق والحبر والأقلام، دينار واحد لإصلاح الستائر، دينار واحد لإصلاح الكتب الممزقة، 5 دنانير لشراء البطانيات في الشتاء، 4 دنانير لشراء سجاد شتوي.

فُقِدت بقية الوثيقة التي توضح توزيع ألـ 48 ديناراً المتبقية من ميزانية دار العلم السنوية البالغة 257 دينار. (الدينار في المتوسط يساوي 4.25 جرام من الذهب).

مقتنيات:-

يوضح المقريزي أن في ذلك الوقت كانت تكلفة الورق كبيرة جداً، وبالإضافة للسماح لكل الأشخاص بتصفح مجموعة دار الحكمة من الكتب التي بلغت 1500 كتاب، فقد تم تزويدهم أيضاً بالحبر وأقلام الكتابة، والمحابر مجاناً إذا رغبوا في نسخ أي جزء من أي كتاب.

يقول والكر : ” هذا مذهل “، بالرغم من ذلك، ترى ساندرز أنه نظراً لوجود دار العلم في القصر الملكي، فلا بد أن زوارها قد اقتصروا على المتعلمين الراقين على عكس عامة الناس.

كانت الكتب في دار الحكمة إهداءً من الحاكم بأمر الله، الذي يقال إن مكتبته الشخصية ضمت ما لا يقل عن 400 ألف مجلد في التاريخ، والفقه، والنحو، وعلم اللغة، والسيرة، وعلم الفلك والكيمياء، وسائر العلوم الأخرى.

شمل ذلك أيضاً 2400 مصحفاً محفوظاً في صناديق مزخرفة بالذهب والفضة واللازورد.

مخزون هائل من الكتب:-

 مع سقوط الدولة الفاطمية في عام 1171 م،؛ قدر المقريزي أن المكتبة الملكية ضمت ما يُقدر بـ 1.6 مليون كتاب، ولم يمضِ وقت طويل حتى أشاد الشاعر ابن أبي طي الحلبي بمكتبة القصر ووصفها بأنها “إحدى عجائب العالم”.

قد تكون هذه الروايات عن المكتبة مُبالغ فيها، يضيف جوناثون بلوم مؤلف كتاب الورق قبل الطباعة: تاريخ وتأثير الورق على العالم الإسلامي” أنه حتى لو أن رفوف المكتبة ضمت فقط عُشر ذلك المخزون لكانت “أكبر بخمسين مرة على الأقل من أي مكتبة معاصرة في العالم المسيحي”.

ابن الهيثم الموسوعي:-

لكن أعظم أصول دار العلم كانت في ثقتها بالعقل البشري، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ابن الهيثم الذي يُعتبر اليوم أبو البصريات الحديثة.

وُلِد ابن الهيثم في مدينة البصرة العراقية عام 965 م، ولا توجد الكثير من المعلومات حول حياته المبكرة أكثر من أنه عمِل هناك وزيراً.

ابن الهيثم هو أحد أشهر العلماء من دار العلم والذي تضمنت اكتشافاته في البصريات تصحيح بعض المفاهيم السائدة فقد أثبت بأن الرؤية تتم عبر دخول الضوء من الأجسام إلى العين وليس العكس كما ساد الاعتقاد آنذاك.

كان ابن الهيثم يفضل العلم على السياسة ، ولذلك قضى معظم وقته يقرأ عن أرسطو وإقليدس وآخرين بينما كان يطور شغفه المتعلق بالرياضيات والفيزياء وعلم الفلك.

معالجة فيضان نهر النيل:-

ليس معروفاً على وجه التحديد الوقت الذي سافر فيه ابن الهيثم إلى القاهرة لينضم إلى دار العلم، ولكن عندما وصل إلى هناك؛ يبدو أن ثقته بنفسه قد تضاعفت لدرجة أنه وقف أمام الخليفة الحاكم بأمر الله وقال إن باستطاعته تحقيق شيء لم يقدر على فعله المصريون وهو السيطرة على فيضان ماء النيل.

الإصطخري تحدث عن النيل قبل عقود من حادثة ابن الهيثم
الإصطخري تحدث عن النيل قبل عقود من حادثة ابن الهيثم

تحمس الخليفة للمشروع وقام بتمويله بينما انطلق ابن الهيثم في رحلة استكشافية للنهر.

بعد دراسة قوة الفيضان عند الحدود الجنوبية، أدرك ابن الهيثم أن المهمة تفوق قدراته. كما وجد أن من المنطقي أن الحضارة القادرة على إنشاء العمارة الهندسية العظيمة كما في بناء الأهرام كانت ستتمكن بالتأكيد من تنظيم سريان النيل لو كان ذلك ممكناً.

عاد ابن الهيثم بهدوء إلى القاهرة ، وحتى يتجنب غضب الخليفة المتوقع؛ فقد ادعى الجنون، وقضى المتبقي من أيامه قبل وفاته في عام 1040م في مقره في دار الحكمة ينسخ المخطوطات.

استمر ابن الهيثم في دراسة الرياضيات والفيزياء والفلك، بالإضافة إلى علم البصريات وقد كان في طليعة من تعامل معه كعلم فيزيائي.

كتاب المناظر:-

في أعظم كتبه التي بقيت حتى الآن “كتاب المناظر” ، فقد كان أول من صحح الفرضية التي تقول “إن الرؤية تتم عبر الأشعة التي تنبثق من العين لتسقط على الأشياء” وهي الفرضية التي تبناها أسلافه القدامى مثل إقليدس وبطليموس، وبدلاً من ذلك قال : ” تتحق الرؤية عبر الأشعة التي تنبثق من الأشياء الخارجية وتدخل إلى عضو الإبصار”.

مقالة في المرايا المحرقة بالدائرة- ابن الهيثم – مكتبة قطر الرقمية

وقد توصل إلى استنتاجه عبر إجراء التجارب باستخدام العدسات والمرايا، وما أطلق عليه اسم “البيت المظلم” أو باللاتينية “camera obscura. وقد لاحظ أن الضوء الذي يدخل إلى الغرفة المظلمة عبر ثقب يؤدي إلى تكوين صورة مقلوبة للعالم الخارجي على الجدار المقابل، و استنتج من ذلك ومن ملاحظات وتجارب أخرى أن الضوء نفسه ينتقل على هيئة أشعة ، وهو المبدأ الأساسي في علم البصريات.

 في سبيله للوصول لهذا الاستنتاج؛ تبنى المنهج العلمي الحديث عن طريق رفض التسليم بما جاء به الأقدمون والاعتماد بدلاً من ذلك على تجاربه الخاصة والبيانات التي يقوم بتجميعها.

قام ليوناردو دافنشي بتناوُل (مسألة الحزين ) ” كما كان يُعرف ابن الهيثم في الغرب” في أوائل القرن السادس عشر في كتابه الموسوعي “مخطوطة أتلانتيكس”.
المسألة التي طرحها ابن الهيثم كانت تتعلق بحساب الزاوية التي عندها ينعكس الضوء بواسطة عدسة مقعرة.

 قال في كتابه “الشكوك على بطليموس” : “والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق ، أن يجعل نفسه خصماً لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وجميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضاً نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسامح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشبه”.

مساهمات ابن يونس:-

من بين العلماء الآخرين المشهورين من دار العلم  عالم الفلك والشاعر أبو الحسن علي بن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري.

وُلِد بين عامي 950 و 952 في الفسطاط، أول عاصمة إسلامية في مصر، كان ابن يونس معروفاً بكونه شاعراً غريب الأطوار، وكان يبدو مهملاً في مظهره وفقاً للمسبحي.

وعلى الرغم من ذلك؛ فقد كان ابن يونس مهتماً بمراقبة وتسجيل وحساب حركات الأجرام السماوية.

ابن يونس – العنوان: غاية الانتفاع في معرفة فضل الدوائر عند خط عرض ثلاثين شمال

من أشهر أعمال ابن يونس كُتيب فلكي اسمه “الزيج الحاكمي” وهو عبارة عن سجل من الملاحظات والجداول، كما يعكس اسمه الإهداء للخليفة الحاكم بأمر الله ، وهو كتاب طويل مكون من 81 فصلاً، وقد كان في الواقع ضعف هذا الحجم وكان يحتوي على ضعف العدد من الجداول كالأعمال السابقة من هذا النوع.

في هذا الكتاب؛ لم يكتفِ ابن يونس بتسجيل ملاحظاته الفلكية التي قام بها بين عامي 977 و 1003 م، ولكنه أيضاً قارنها مع ملاحظات الفلكيين السابقيين.

ولم يكن هذا النهج التجريبي المقارَن معروفاً من قبل في علم الفلك الإسلامي.

 كذلك يعكس النص رؤى أخرى : على سبيل المثال، عند الحاجة أخذَت حساباته في الاعتبار الانكسار الجوي لأشعة الشمس في الأفق.

تعتبر جداول ابن يونس لخطوط الطول ودوائر العرض الشمسية والقمرية والكوكبية الأكثر دقة في العصر الإسلامي في العصور الوسطى.

كما أنه قدم إرشادات بخصوص تحويل التواريخ بين التقويمات الإسلامية والقبطية والسورية، بالإضافة إلى تحديد موقع القبلة ومراحل القمر.

مساهمات علمية عظيمة لابن يونس

 تشرح دوريس بيرنس – أبو سيف الأستاذة المتفرغة للفن الإسلامي والعمارة الإسلامية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن مدى أهمية هذه المعرفة وتقول:

” كان للفلكيين أهمية كبيرة جداً في الثقافة الإسلامية، لحساب أوقات الصلاة، ولحساب متى يبدأ شهر رمضان ومتى ينتهي، ولم يكن أياً من هذا ممكناً دون النظر إلى القمر”.

كانت حسابات ابن يونس بالغة الدقة لدرجة غريبة، ففي أحد الأيام من عام 1009 م كان يظهر بصحة جيدة لكنه أعلن أنه سيموت في خلال سبعة أيام، وقد اعتزل في بيته وبدأ يقرأ القرآن وهو يمسح الحبر من على مخطوطاته، وبعد أسبوع توفي بالفعل.

نهايات غريبة:-

لم تكن نهاية دار العلم مخططاً لها وكذلك نهاية منشئها.

بحلول عام 1020 م ارتدى الخليفة عباءة خشنة وامتطى حماره ، وخرج بغرض التأمل كما كان يبدو في التلال شرق القاهرة.

وفي شهر فبراير شباط من عام 1021 م، أثناء نزهة من نفس النوع، اختفى الحاكم بأمر الله.

 كان هناك شك في وقوع جريمة أدت إلى اختفائه ولم يُسفر البحث عن أي نتيجة سوى العثور على مطيته وعباءته الملطخة بالدماء.

الرحالة الإدريسي لدى وصفه مصر (القاهرة) عند زيارته إياها

تفكك الدولة:-

بدأت دولة الخلافة في التفكك تدريجياً، ففي عهد المستنصر حفيد الحاكم بأمر الله، الذي حكم في الفترة بين عامي 1036 – 1094م، حدثت اشتباكات بين جيوش البربر والأتراك والفرس والعرب والسودانيين، كما ساهمت المجاعة في عدم الاستقرار السياسي والضعف الاقتصادي.

لم يحصل الجنود على رواتبهم ، وبالرغم من أن المستنصر قد باع كنزاً شخصياً لتعويضهم إلا أنهم أرادوا المزيد ، ففي عام 1068 قاموا بنهب القصر، بما في ذلك المكتبة الملكية ودار العلم. وفقاً للمقريزي؛ فقد سقطت بعض الكتب في أيدي المخربين الذين استخدموا بعض أغلفة الكتب في صنع الصنادل.

أما بالنسبة للورق؛ فقد قاموا بإحراقه للحصول على الوقود ، كما كوَّن الرماد الناتج تلالاً عظيمة أطلِق عليها في عصر المقريزي اسم “تلال الكتب”.

تقدم الأمم مرتبط بمستوى ما تقدمه من مساهمات علمية - دار الحكمة
تقدم الأمم مرتبط بمستوى ما تقدمه من مساهمات علمية

في عام 1119 م، استولى متعصبون دينيون على دار العلم وبعدها أغلقته الحكومة، ثم أعادت افتتاحه لفترة وجيزة في عام 1121 وأُغلق مجدداً لنفس السبب.

في عام 1123م؛ أمر الخليفة بإعادة فتح دار العلم ولكن مع الإشراف على كل ما يجري فيها وذلك بنقلها إلى القصر الشرقي حيث يقيم.

صعود فانحطاط:-

 وبالرغم من استمرار دار العلم في العمل لمدة 48 سنة أخرى حتى نهاية الخلافة الفاطمية في عام 1171 م، غير أنه لا توجد تسجيلات لأي أبحاث أُجريت في الفترة ما بعد عام 1119 م.

على الرغم من الاضطراب السياسي؛ غير أن تلك الفترة في تاريخ مصر كانت واحدة من أكثر فترات الرخاء الاقتصادي، ومازالت القاهرة عاصمة بارزة حتى يومنا هذا.

 ينسب المؤرخون الفضل في هذا النجاح إلى الإرث الثقافي عندما كانت دار العلم في أوج مجدها وتألقها.

إرث علمي كبير:-

علَّمت الأبحاث التي أُجريت في دار العلم العلماء والمفكرين الأوروبيين اللاحقين، ومنهم الفيلسوف ويتلو من القرن الثالث عشر و روجر بيكون، وقد اعتمد كلاهما على ابن الهيثم عند كتابة كتبهم الخاصة في علم البصريات.

دار الحكمة
صفحة لعالم الفلك جوهانس هيفلويس (وصف للقمر)، نُشرت في عام 1647 تعترف بتأثير “ابن الهيثم” – على اليمين- و جاليليو – على اليسار – على وصفه الرائد لسطح القمر.

 كذلك ينسب عالم الفلك جوهانس كيبلر الفضل إلى ابن الهيثم عند تطوير نظريته حول التصوير الشبكي، وكذلك فعل الفيلسوف وعالم الرياضيات رينيه ديكارت عند تصارعه مع السؤال “أين يهبط الضوء المنعكس عن السطح المنحني أو الدائري، وهو اللغز الذي عرفه علماء الرياضيات فيما بعد بـ “مسألة الحزين” (الحزين هو التحريف اللاتيني لإسم الحسن بن الهيثم).

كتب ابن الهيثم - دار الحكمة
كتب العالم الموسوعي ابن الهيثم دراسته للبصريات المكونة من سبع مجلدات والمعروفة بإسم (كتاب المناظر) في دار العلم.
طُبع الكتاب باللاتينية في عام 1572 كجزء من قاموس فريدريك ريزنر للبصريات والذي ساهم في تعزيز دراسة البصريات في الغرب… مجموعة تاريخ العلوم بجامعة أوكلاهوما

 استطاع ابن الهيثم أن يحل المسألة باستخدام الهندسة ودراسة الأسطح المنحنية، ولم يظهر حل جبري حتى منتصف ستينات القرن الماضي.

 كذلك يرى الفنانون ومؤرخو الفن أن عمل ابن الهيثم في علم البصريات عزز استخدام الرسم المنظوري في فن عصر النهضة وخاصة رسومات الفنان لورنز جيبرتي من القرن الخامس عشر.

تغيير قناعات سائدة:-

ساعد التقييم النقدي الذي قام به ابن يونس لكتاب “المجسطي” لبطليموس والذي وضع الأرض في مركز الكون؛ على تمهيد الطريق للتفكير الذي أدى إلى نظرية مركزية الشمس التي طرحها الفلكي البولندي نيكولاس كوبرينكس في القرن الخامس عشر.

وفي القرن التاسع عشر؛ كان استخدام جداول التوقيت لابن يونس مازال مستمراً في القاهرة، في حين بقيت ملاحظاته حول اقتران الكواكب مفيدة للفلكي سيمون نيوكومب من المرصد البحري في واشنطن العاصمة بينما كان يضع نظرياته عن حركات القمر في سبعينيات القرن الماضي.

جدول ابن يونس - دار الحكمة
جداول ابن يونس اتسمت بدقتها البالغة – دار الكتب والوثائق القومية المصرية

اليوم يواصل الخلفاء الفكريون لابن يونس – الفلكيون العرب من المغرب ، العديد منهم من المجتمع الفلكي العربي – المشاركة في الجهود العلمية حول العالم بواسطة تلسكوبات مثل تلك الموجودة في مرصد أوكايمدن في جبال أطلس المغربية. في عام 2016 ساعدت البيانات من المرصد على التعرف على ترابيست-1 وهو نظام كوكبي يتكون من قزم أحمر مركزي شديد البرودة يدور حوله سبعة كواكب خارجية داخل برج الدلو.

يقول زهير بن خلدون مدير المرصد ورئيس اللجنة الوطنية المغربية لعلم الفلك في حديثه لموقع Nature Middle East : “كان الحافز الرئيسي للبحث عن كواكب خارج المجموعة الشمسية هو تحديد مدى توافر عوالم صالحة للسكن والحياة داخل المجرة، وكذلك جمع المزيد من المعلومات عن تكوين النظام الشمسي.

مساهمات يتم البناء عليها:-

وفي العاصمة المصرية المعاصرة؛ يعترف علماء مثل يحيى إسماعيل من الجامعة الأمريكية بالقاهرة بمساهمات أسلافهم ويواصلون البناء على الأسس التي وضعها هؤلاء الأسلاف.

 أبحاث اسماعيل في الإلكترونيات النانوية، التي تسعى إلى تقليل الترانزستورات إلى أحجام مجهرية متناهية الصغر قد تضيف المزيد القوة والقدرة إلى المنتجات المختلفة من الهواتف الذكية إلى الرقائق الحيوية التي يمكن أن تساعد ، على سبيل المثال، في تحليل كيمياء الدم، ويقول: “ما أفعله هو تقديم أحدث الاكتشافات، ومع ذلك فهو استكمال لأعمال السابقين. إن النهضة الأوروبية والثورة الصناعية تقف على أكتاف العرب في العصور الوسطى”.

دار الحكمة - القاهرة
القاهرة المعاصرة لا تزال صاحبة مساهمات علمية مؤثرة

مصدر الترجمة:-

https://www.aramcoworld.com/Articles/January-2019/Cairo-s-House-of-Knowledge

مصدر الصورة الرئيسة:-

رسم دار الحكمة نفذه نيكوس نيوتس محتفظ به في إسطنبول.

Maha

مها عبيد من مواليد العام 1987 م ، حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم، شعبة ميكروبيولوجي، وأعمل على إتمام دراسة الماجستير، مهتمة بالترجمة والتاريخ واللغات، وشغوفة بتعلم الأشياء الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى