أعلام

خلف الأحمر … أحد أبرز رواة الشعر الجاهلي والمخضرم

أجمع أهل الكوفة والبصرة على الإقرار بمعرفته الصحيحةِ بالشعرِ الجاهليّ القديم، وحَدَسه الصحيح الذي يميز به بين الصحيح والموضوع

عَلا كَعبه، وسطعَ نجمه؛ كأبرز رواة الشعر الجاهلي والمخضرم، وآبَ إليه المُريدون للشعر والطالبون لعلوم اللغة من شتات الأرض، وطَالته الكثير من الاتهامات بنَحلِ الشعر، فأَثبَتها البعضُ وأنكرها آخرون، إلا أنّ الفريقينِ اجتمعا على الاعتراف بصلابةِ لغته، وأصالة عِلمه وفراسته بالشعر، إنه خلف الأحمر كبيرة رواة البصرة.

من هو خلف الأحمر ؟

هو النَّحوي واللغويّ والرَّاوية خلف بن حيان الأحمر ويكنى بأبي محرز، وُلد سنة 115هـ-733م، مَولى أبي موسى الأشعري، وقيل مولى بني أمية، وأصل أهله من فرغانة، جيء بهم أسرى إلى البصرة، وقيل أصله من خراسان من سبي قتيبة بن مسلم، وقد تجرّع الشقاءَ في طفولته، وظلَّ بعد عِتقه مُنتسبًا بالولاء لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وقضى أيامَ حَداثته كلها في أوساطِ البصرةِ العلمية، وقد كان خلف كثير الاختلاف إلى حماد الراوية، فهو الذي تولّى نقل محفوظاته، وقد أجمع أهل الكوفة والبصرة على الإقرار بمعرفته الصحيحةِ بالشعرِ الجاهليّ القديم، وحَدَسه الصحيح الذي يميز به بين الصحيح والموضوع، وكان من أعلمِ الناس بالشعر، حتى أولئك الذين يتهمونه بنحلِ الشعر لا يُنكرون موهبتَه الشعرية مُنقطعة النظير، ويقال: إنه وضع لامية الشنفرى التي مطلعها:

أقيموا بني أمي صدور مطيكم ..

فإني إلى قوم سواكم لأميل

وكذلك اللامية المنسوبة إلى تأبط شرًا:

إن بالشعب الذي دون سَلْع ..

لقتيلا دمـه ما يُطَـــلّ

 خلف الأحمر كبير رواة البصرة :-

هو كبيرُ رواةِ الشعرِ عن العصرِ الجاهليّ، وهو أول من أحدث السّماع في البصرة، وقال عن الشنفرى وتأبّط شرًا، وقِيل : إنه نحل الشعر عنهم، فكان يقول مثل ما قال الشعراء القدماء وينسبه إليهم، إلا أن البعض قال أن نحلَه الشعر مجردُ افتراء، وأجمع الغالبية أنه نحل الشعر في شبابه كثيرًا حتى كَبر وأدرك عاقبةَ القَول فامتنع عن قول الشعر، وكان يختمُ القرآنَ باستمرارٍ للتكفيرِ عما كان يفعل.

وصف الإصطخري لمدينة البصرة
وصف الإصطخري لمدينة البصرة التي انتسب إليها خلف النحوي.

مجهوداته في تبسيط علم النحو:-

كتب خلف الأحمر مُصنّفًا شهيرًا تناول فيه العيوبَ التي طالت كتبَ النحو التي سبقته من التطويلِ والاستطراداتِ والشواهدِ والتضمينات، والتي من شأنها  أن تُشكّلَ الكثير من العَقباتِ في تعلّم النحو، وبيَّنَ ما غفلَ عنه الكُتّاب السابقين عما يحتاج إليه المُتعلم المبتدئ لعلم النحو من اختصارٍ وتمهيدٍ وتبسيط؛ حيث يقول في مقدمةِ مُصنّفِه “مقدمة في النحو”: “لمّا رأيتُ النَّحويين وأصحاب العربية أجمعين، قد استعملوا التطويل وكثرة العلل، وأغْفِلوا ما يحتاج إليه المتعلّم في النحو من المُختصر والطرق العربية والمَأخذ الذي يخف على المبتدئ حفظه، فأمعنتُ النظرَ والفكرَ في كتاب أؤلفه وأجمعُ فيه الأصولَ والأدوات، ليستغني به المُتعلم عن التطويل”.

وقد أكد في مصنفه أن مُتعلمَ النحو يستطيع أن يستغني بكتابه عن الإسهاب والتطويل، الذي يستصعبه الطالب ويُشتت عقله، فمن قرأه ودرسه وحفظه، وعَكَف عليه، فقد أحاط بعلم أصول النحو كله، وبذلك فقد مهدَ خلف الأحمر الطريقَ إلى الكثير من علماء النحو بعده لتبني مسلكه في تبسيط علم النحو ووضع الأسس والقواعد للمبتدئين في تعلُّمه.

لكنّ هذا الكتابَ وغيره من الكتبِ في ذات الصّدد؛ لم ينه مشكلةَ عيوب كتب النحو؛ إذ استمرّت الظاهرةُ واستمرَ معها التّلويحُ بصعوبةِ هذا العلم، فصدر كتابٌ يصطدم بطريقةٍ مباشرةٍ مع النَّحويين، ووضع أصلًا لمعالجة عقبات وعيوب كتب النحو، وهو كتاب (الرد على النُّحاة) لابن مضاء اللخمي القرطبي، أحمد بن عبد الرحمن( 513-592 ھ)، وقد سلكَ بن مضاء هو الآخر مسلك خلف الأحمر في التّلويحِ بالمآخذ على كتب النحويين فيقول: “إلا أنهم التزموا ما لا يلزمهم، وتجاوزوا فيها القدر الكافي فيما أرادوه منها، فتوعّرت مسالكها، ووهنتْ مبانيها، وانحطَّتْ عن رُتبة الإقناع حُجَجها”، ويوضح مقصده من تأليف كتابه: “قصدي في هذا الكتاب أن أحذفَ من النحو ما يستغني النَحَوي عنه”، فيطرح إلغاء (العوامل) و(الحذف والتقدير) مبينًا أنه “لا حاجة إلى تقدير متعلق الجار والمجرور”، و”لا حاجة إلى تقدير الضمائر في الصفات”، وكذلك “إسقاط العلل الثّواني والثّوالث”، و”إسقاط التمارين” وغيرها.

أقوالٌ في خلف الأحمر :-

  • قال عنه أبو زيد الأنصاري: “لم أرَ رجلًا أفرس ببيتِ شعرٍ من خلف”.
  • عدد الجاحظ في «البيان والتبيين» خصائص المسجديين والمِرْبَديين، واختلاف منازعهم في الرواة والرواية، وختم كلمته بقول: «وكان خلف يجمع ذلك كله».
  • وقال جمال الدين القفطي صاحب إِنباه الرواةِ على أنباه النُّحاة: «هو أحد رواة الغريب واللغة والشعر ونقاده، والعلماء به وبقائليه وصناعته، وله صنعة فيه، وهو أحد الشعراء المحسنين، وليس في رواية الشعر أحد أشعر منه».
  • وقال ابن قتيبة في ترجمته: “كان شاعرًا كثير الشعر جيده، ولم يكن في نظرائه من أهل العلم أكثر شعرًا منه”
  • وقال عنه الأخفش: «لم أدرك أحداً أعلم بالشعر من خلف الأحمر والأصمعي».

شيوخ الأحمر النحوي :-

  • عيسى بن عمر الثقفي (ت149هـ).
  • يونس بن حبيب (ت182هـ): جالسه عشرين سنة.
  • حماد بن سلمة (ت167هـ): أخذ عنه النحو والعربية.
  • أبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ): أخذ عنه الغريب والقراءة.
  • الأخفش (ت177هـ): أخذ عنه اللغة والغريب.
  • وحماد الراوية (ت155هـ): أخذ عنه الشعر والرواية.

مُعاصروه:-

تلامذته:-

  • الأصمعي (ت 216هـ)، وذكر الأصمعي أنه قرأ على خلف ديوان جرير، وكان يعلمه نقد بعض أبياته.
  • محمد بن سلام الجمحي (ت 232هـ) صاحب كتاب «طبقات فحول الشعراء».
  • أبو عبيدة (ت209هـ)
  • أبو حاتم السجستاني (ت248هـ).
  • أبو نواس (ت199هـ).

خلف الأحمر ونَحل الشعر:-

إن الوقوف علي خط الحياد في مسألة اتهام خلف الأحمر بنَحل الشعر يُحَتِّم ذِكر آراء العلماء التي تؤكد أو تنفي قيامه بالنَّحل:

أولًا: الأخبار التي تتهمه بنحل الشعر:-

  • قال دعبل الخزاعي: “قال لي خلف الأحمر أثناء خوضنا في شعر تأبط شرًا من قوله: إنّ بالشّعب الذي دون سَلْع لقتيلًا دمه ما يُطــلُّ، فقال: أنا والله نحلتها وليست من شعر تأبط شرًا”.
  • وقال أبو عبيدة: قال خلف : “كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من الأشعار وأعطيه الموضوع، فيقبله مني، ويدخله في أشعاره وكان فيه حمق”.
  • وقال أبو حاتم السجستاني: “دخلت على الأصمعي بعد قدومه من بغداد، فسألته عمن بها من رواة الكوفة، قال: رواة غير مُنقحين، أنشدوني أربعين قصيدة لأبي دواد الإيادي عن خلف الأحمر، وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، ويفتخرون بها”.
  • وقال أبو حاتم : “وكان خلف شاعرًا، وكان وضع علي عبد القيس شعرًا مصنوعًا، عبثًا منه، ثمّ تَقرّأ، فرجع عن ذلك وبيّنه.
  • وقال أبو حاتم: “سمعت الأصمعي يقول: سمعت خلفًا الأحمر يقول: أنا وضعت على النابغة هذه القصيدة التي يقول فيها: خيل صيام وخيل غير صائمة*تحت القتام وأخرى تعلك اللُّجما”.
  • وقال عنه الصفدي : “ولم يكن فيه ما يُعاب به إلا أنه كان يعمل القصيدة يسلك فيها ألفاظ العرب القدماء، وينحلها أعيان الشعراء، كأبي داوود، والإيادي، وتأبَّط شرًا، والشنفرى وغيرهم، فلا يفرَّق بين ألفاظه وألفاظهم، ويرويها جلَّة العلماء لذلك الشاعر الذي نحله إيّاها”.
المبرد .. أحد أكبر أعلام النحو تحدث عن مساهمات خلف الأحمر النحوي .
  • وقال عنه محمد بن يزيد المبرد: “كان مضربَ المثل في عملِ الشعر، وكان ينحل الشعر على ألسنة الشعراء؛ فيشبّه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه، ثم عَدل عن ذلك ونسك، فكان يختم القرآن ليُكفر عن ذلك في كل يوم وليلة، وقد عرض عليه بعض الملوك الكثير من الأموال والعطايا على أن يتكلمَ في بيت شعرٍ شكّوا فيه، فأبى وقال: قد مضى لي في هذا ما لا أرغب إلى أن أزيد فيه، وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكان مَقصدهم بعدما مات حماد الراوية؛ لكثرة ما أخذ عنه، وقد بلغ مبلغًا لم يقاربه حماد، فلما نَسك وعَدَل خرج إلى أهل الكوفة، فأخبرهم بالأشعار التي أدخلها ونَحلها في أشعار الناس، فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة، فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم”.

ثانيًا: الأخبار التي تُوثق شعره:-

  • قال ابن سلام الجمحي: “كان خلف الأحمر أعلم الناس ببيت شعر، وأصدقهم لسانًا، وكنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرًا أو أنشَدنا شعرًا أن لا نسمعه من صاحبه”.
  • وقال الأصمعي: “كأنما جعل علم لغة ابني نزار، ومن كان من بني قحطان على لغة ابني نزار بين جوانح خلف الأحمر بمعانيها”.
  • وقال عنه أبو عبيدة: “هو معلم الأصمعي ومعلم أهل البصرة”.
  • وقال ابن قتيبة: “كان راوية، عالمًا بالغريب، وشاعرًا جيد الشعر كثيره، لم يكن في نُظرائه أحدٌ يقوم مثل شعره”.
  • وقال الأصمعي: “ذهبت بشاشة الشعر بعد خلف الأحمر، فقيل له: كيف وأنت حيّ، فقال: إن خلفًا كان يحسن جميعه، وما أحسن منه إلا الحواشي”.
  • وقال أبو علي القالي: “وكان أبو محرز أعلم الناس بالشعر واللغة”.
  • وقال أبو نواس في ذكر دقته وضبطه:

لا يبهم الحاءَ في القــراءة بالخــاء .. ولا لامَها مع الألف

ولا يُعَمِّـــي معنــى الكــــلام ولا .. يكــــون إنشادُه عن الصُّحُف

وكـــــان ممـن مضــى لنا خَلَفــاً .. فليـــس منه إذ بان من خَلَف

وصية هارون الرشيد لخلف الأحمر:-

من أبلغِ ما قِيل من وصايا في التعليم؛ ما وصّى هارون الرشيد به خلف الأحمر حينما أرسل إليه ليؤدبَ ولده الأمين؛ فقال له: «يا أحمر، إن أميرَ المؤمنين قد دفع إليك مُهجة نفسه وثمرة قلبه، فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة؛ فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين:

أَقْرِئْهُ القرآن، وعرِّفه الأخبار، وروِّه الأشعار، وعلمه السنن، وبصِّرْه بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القُواد إذا حضروا مجلسه، ولا تَمُرَّن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميتَ ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفَه، وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإنْ أباهما فعليك بالشدة والغِلظة».

الخليفة العباسي هارون الرشيد
هارون الرشيد أحد أبرز خلفاء بني العباس.

مهاجاته مع اليزيدي:-

نشبت بينه وبين أبي محمد اليزيدي مهاجاة تناقلتها الأفواه والأسماع، ومن ذلك قول خلف الأحمر يهجوه:

إنــــي ومن وســـج المطــــي له .. حـدب الذري إرقالها رجفُ

والمُحرمين لصـــوتهم زجــــل .. بفنــــاء كعبته إذا هتفوا

مِنــــي إليـــه غيــــــر ذي كـــذبٍ … مــــــا إن رأى قوم ولا عرفوا

في غــابرِ النـــاس الذين بقــــوا .. والفــرط الماضين من سلفوا

أحدًا كيحـــى في الطعــــانِ إذا .. افتـرش القنا وتضعضع الحجف

في معــركٍ يلقــى الكمـــى بــه … للوجـــه منبطحًا وينحرفُ

وإذا أكــبّ القـــــرنُ يتبعـــــه … طـعنـــاً دوين صلاه ينخسفُ

فقال فيه اليزيدي:

زعم الأحمر المقيت لدينا .. والذي أمه تقر بمقته

أنه علم الكسائي نحوًا .. فلئن كان ذا كذاك فبـاسـه

 وفاته:-

تُوفي خلف الأحمر النحوي نحو سنة 180ھ، فقال الأصمعي بعد وفاته: “ذهبت بَشاشة الشعر بعد أبي محرز”، وقد رثاه أبو نواس بقصيدة يقول فيها:

تَروغُ في الطُبّــاقِ والنَــزعِ الأَلَف .. أَودى جِماعُ العِلمِ مُذ أَودى خَلَف

مَن لا يُعَدُّ العِلــمُ إِلّا مــا عَرَف .. قَلَيـذَمٌ مِنَ العَياليمِ الخُسُف

فَكُـلَّمــا نَشـــــــاءُ مِنـــهُ نَغتَــرِف .. رِوايَـــةً لا تُجتَنى منَ الصُحُف

اقرأ هنا لماذا دخل اللحن إلى اللغة العربية ؟

المصادر:-

المسعودي، مروج الذهب، ج3، ص254.
● ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ج1، ص348.
● الصفدي، الوافي بالوفيات، ج13، ص220.
● علي الجندي، في تاريخ الأدب الجاهلي، ص124.
● أبو الطيب اللغوي، مراتب النحويين، ص47.
● الجاحظ، البيان والتبيين، ج3، ص259.
ياقوت الحموي، معجم الأدباء، ج3، ص297-300.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى