أعلام

أبو خراش الهذلي .. الشاعر الصعلوك

ساقته ظروف اقتصادية وجغرافية واجتماعية لِأنْ يعيش حياة الذؤبان

تمهيد:-

بين أحضان الطبيعة القاسية عاش مُشردًا، ساقته ظروف اقتصادية وجغرافية واجتماعية لِأنْ يعيش حياة الذؤبان، وجعلت منه صعلوكًا مُغامرًا، فضلًا عن كونه شاعرًا مخضرمًا، إنه أبو خراش الهذلي الصعلوك النبيل.

من هو أبو خراش الهذلي ؟

اسمه خُويلد بن مُرة (تُوفى سنة 15ھ)، أحد مشاهير مجتمع الصعاليك، وأحد شعراء قبيلة هذيل المعروفين، يقول عنه أبو الفرج الأصفهاني: ” شاعر فحل من شعراء هذيل المذكورين الفصحاء، مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم، وعاش بعد النبي – صلى الله عليه وسلم – مدة، ومات في خلافة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه”.

قبيلة هُذيل:-

كان الشعر الجاهلي بمثابة انعكاس للوجود في مُخيلة الشاعر، وهذا ما كان يمثله تمامًا شعر الصعاليك من بني هُذيل، والذي تميز بتجسيد ضروب حياة الصعلكة بين أبياته، وكانت سياسة هذيل الخارجية قائمة على المنافسة والتربص والغزو، وكذلك السطو والتعدي على المتاع، لقد كانت في صراع مديد مع العيش وخصام محتدم مع نظيراتها؛ فقد لازمتها الفاقة وأرهقها العوز واضطر ذلك بعض أفرادها للاشتغال بالصعلكة.

● يقول يونس بن حبيب :” ليس في هذيل إلا شاعر أو رام أو شديد العدو”.

● ويقول الأصمعي : ” إذا فاتك الهذلي أن يكون شاعرًا أو ساعيًا أو راميًا فلا خير فيه”.

الأصمعي إمام اللغة يتحدث عن أبو خراش الهذلي

● ورُوي عن عبد الملك بن مروان أنه كان يقول: “إذا أردتم الشعر الجيد، فعليكم بالرزق من بني قيس ابن ثعلبة، وأصحاب النخيل من يثرب، وأصحاب الشعف من هذيل”.

حملات الصعلكة:-

يصف أبو خراش الهذلي – مفاخرًا – حملة قامت بها جماعته فيقول:

عَدَونا عَـدوَةً لا شَــكَّ فيـهـــا .. وَخِلنـــاهُم ذُؤَيبَةَ أَو حَبيبا

فَنُغـرى الثـــائِــرينَ بِهِم وَقُلنــا .. شِفــاءُ النَفسِ أَن بَعَثوا الحُروبا

كَـــــأَنّـــي إِذ عَـــدَوا ضَمَّنـتُ بَــزّي .. مِــنَ العِقبانِ خائِتَةً طَلوبا

جَــريـمَــةَ ناهِــضٍ في رَأسِ نيـــقٍ .. تَــرى لِعِظامِ ما جَمَعَت صَليبا

رَأَت قَنَـصـــاً عَلــى فَــوتٍ فَضَـمَّـت .. إِلــى حَيزومِها ريشاً رَطيبا

فَــلاقَتـــهُ بِبلقَــعَــةٍ بَـــرازٍ … فَـــصــــادَمَ بَينَ عَينَيها الجَبوبا

مَنَعنــا مِن عَـدِيِّ بَنـي حُنَـيفٍ .. صِحـــابَ مُضَرِّسٍ وَاِبنَي شَعوبا

فَـــأَثنـــوا يا بَنــي شِجــــعٍ عَـلَينـــا .. وَحَـــقُّ اِبنَي شَعوبٍ أَن يُثيبا

أبو خراش الهذلي عداءٌ فرَّار :-

كَثُر حديث الهذليين عن إعجابهم واعتزازهم بالقدرة على العدو وسرعة الفرار، وسرعة الإغارة على الأعداء، ولهم في ذلك الكثير من الأخبار، هكذا كان أبو خراش الهذلي بعضلاته الفولاذية وسيقانه القوية، كان يعدو فيسبق الخيل، ولا تُركه، وقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني أن الوليد بن المغيرة كان له فَرَسان يريد أن يُرسلهما في الحلبة، فقال له أبو خراش : ما تجعل لي إن سبقتهما؟ فقال الوليد :هما لك حينئذ، فسبقهما عَدْوًا وأخذهما.

وهذه أبيات ينشدها متفاخرًا بسرعته، التي كانت سببًا في نجاته من أعدائه فيقول:

تَـقـولُ اِبـنَـتـي لَمّـا رَأَتـنـي عَشِيَّةً .. سَـلِمـتَ وَمـا إِن كِـدتَ بِالأَمسِ تَسلَمُ

وَلَولا دِراكُ الشَـدِّ قـاظَـت حَـليلَتي .. تَــخَــيَّرُ مِــن خُــطّــابِهــا وَهِــيَ أَيِّمُ

فَـتَـقـعُـدُ أَو تَـرضـى مَـكـاني خَليفَةً .. وَكـــادَ خِـــراشٌ يَــومَ ذلِكَ يَــيــتَــمُ

وقال في كرِّه وفرِّه البعيد عن الجُبن وذلك بغية إعادة تموضعه في المواجهة:

فـــإنّ تَزْعُمـي أَني جبُنْـتُ فــــإِنَّنـي .. أَفِــــرُّ وأرمي مرَّة كــل ذلكِ

أُقــاتِـلُ حتـى لا أَرَى لـي مُقَاتَــلاً .. وأَنجــو إذا ما خِفتُ بعض المهالِكِ

أبو خراش الهذلي ودوافعه الثأرية:

لم تكن الفاقة وحدها هي التي ألجأته ليصبح عضوًا في مجتمع الذؤبان، ولم يكن يومًا مهووسًا بالسرقة كاللصوص، أو شغوفًا بالمال ، فقد كان صعلوكًا نبيلًا شجاعًا عفيف النفس، وقد كانت لديه بعض الدوافع الثأرية التي دفعته للانضمام لهذا المجتمع، فقد أراد الانتقام لمقتل عدد من أخوته على يد قبيلتي كنانة وثمالة، فلم يرض بالذل والهوان، وانطلق يغزو هذه القبائل ويجير عليها؛ ولهذا نجد أن غالبية أشعاره في الرثاء، لأقرانه، وإخوته، وأولاده.

أبو خراش الهذلي يرثي أقرانه:-

كان رثاء الصعلوك لأقرانه في مجتمع الصعاليك وتجسيد معاني الحزن واللوعة في الأشعار أحد سمات شعر الذؤبان، فيقول في رثاء إخوته من بني لُبنى بعدما بلغت به الحسرة والحرقة مبلغها، فنفثها في أبيات يقول فيها:

فَـقَـدتُ بَـنـي لُبـنـى فَلَمّا فَقَدتُهُم .. صَـبَـرتُ وَلَم أَقـطَـع عَلَيهِم أَباجِلي

حِــســانُ الوُجـوهِ طَـيِّبٌ حُـجُـزاتُهُـم .. كَــريـمٌ نَـثـاهُـم غَـيـرُ لُفٍّ مَـعـازِلِ

رِمــاحٌ مِـنَ الخَـطِّي زُرقٌ نِـصـالُهـا .. حِـدادٌ أَعـاليـهـا شِـدادُ الأَسـافِلِ

قَـتَـلتَ قَـتـيـــلاً لا يُـحـالِــفُ غَـــدرَةً .. وَلا سُــبَّة لا زِلتَ أَسـفَـلَ سـافِـلِ

وَقَـد أَمِـنـونـي وَاِطـمَـأَنَّت نُفوسُهُم .. وَلَم يَـعـلَموا كُلَّ الَّذي هُوَ داخِلي

فَمَن كانَ يَرجو الصُلحَ مِنهُم فَإِنَّهُ .. كَــأَحــمَــرِ عــادٍ أَو كُـلَيـبٍ لِوائِلِ

أُصـيـبَـت هُـذَيلٌ بِاِبنِ لُبنى وَجُدِّعَت .. أُنــوفُهُــمُ بِــاللَوذَعِــيِّ الحُـلاحِـلِ

أبو خراش الهذلي يرثي زهيرًا:

قِيل أن جميل بن مُعمر الجمحيّ قتل أخاه – ويقال بن عمه – زهير الهذلي المُلقب بالعجوة، فسطَّر أبو خراش لوعته لفقده في أبياتٍ يرثيه فيها قائلًا :

فجــع أضيــافي جميــل بْن معمــر .. بذي مفخر تأوى إليه الأرامل

طــويل نجاد السيــف ليــس بجيــدر .. إذا اهتز واسترخت عَلَيْهِ الحمائل

إِلَى بيته يأوى الغريب إذا شتا .. ومهتلك بالي الدريسين عائل

تكـــــــاد يــداه تســلمــــان رداءه .. مــن الجود لما استقبلته الشمائل

فأقســم لــو لاقيتــه غيــر مــوثـق .. لآبك بالجزع الضباع النواهل

وإنــــك لــــو واجــهتــه ولقيتـــه .. فنـــازلتـــه أَوْ كنت ممن ينازل

لكنت جميـلًا أســوأ النـــاس صـرعة .. ولكـــن أقران الظهور مقاتل

فليــس كعـهـد الدار يا أم مــالـك .. ولكــن أحاطت بالرقاب السلاسل

وعـــاد الفتى كــالكهــل ليس بقائــل .. ســوى الحق شَيْئًا فاستراح العواذل

رثاء أخيه عروة بن مرة:-

يقول أبو خراش عندما عيرته زوجة أخيه أميمة على نسيانه لأخيه عروة:

لعمـري لَقَد راعَـت أُمَيمَــةَ طَلــعَتــي .. وَإِنَّ ثَوائي عِندَها لَقَليلُ

تَقـــولُ أَراهُ بَعـدَ عُــــروَةَ لاهِيـــاً .. وَذلِــكَ رُزءٌ لَو عَلِمتِ جَليلُ

وَلا تَحسَبــي أَنّــي تَناسَيتُ عَهــدَهُ .. وَلكِـــنَّ صَبري يا أُمَيمَ جَميلُ

أَلَـم تَعلَمـي أَن قَـد تَفَــرَّقَ قَبلَنــا .. خَـليــلا صَفاءٍ مالِكٌ وَعَقيلُ

أَبى الصَبــرَ أَنّــي لا يَــزالُ يَهيجُني .. مَبيـتٌ لَنا فيما خَلا وَمَقيلُ

وَأَنّي إِذا ما الصُبحُ آنَستُ ضَوءَهُ .. يُعاوِدُني قِطعٌ عَلَيَّ ثَقيلُ

أَرى الدَهــرَ لا يَبقـى عَلى حَدَثانِـهِ .. أَقَـبُّ تُباريهِ جَدائِدُ حولُ

إسلامه ووفاته:

أدرك أبو خراش الهذلي الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، وترك حياة الذؤبان، وبلغ عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وقد لقى حتفه بنهشة أفعى عندما خرج يلتمس الماء ليلًا لقوم يمانيين حلّوا عليه ضيوفًا فأراد إكرامهم، فأبى أن يقطع عليهم طعامهم وكتم عنهم مُصابه، حتى هلك، فلم يبرحوا حتى دفنوه.

المصادر:-

● شعر الهذليين في العصر الجاهلي و الإسلامي، أحمد كمال زكي، دار الكاتب العربي للطباعة و النشر، القاهرة.
● الفحولة الجمعية في شعر الهذليين، دراسة ثقافية، رعد الزبيدي، أمجد البرقعاوي.
● الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى