اختراعاتمعلومات تاريخية

خبراء العيون في الحضارة الإسلامية

عمار الموصلي يعتبر مخترع عملية "إعتام عدسة العين" عن طريق الشفط باستخدام إبرة

تمهيد:-

” أدعوكم للعودة معي لنحو 1000 عام إلى الوراء لتأمل التاريخ الرائع لطب العيون العربي والذي درسته في الخمس سنوات الماضية”.. بهذه الكلمات قدّم يوليوس هيرش بيرج عمل أطباء العيون المسلمين إلى الجمعية الطبية الأمريكية في يوليو تموز 1905 م.

 من وحي العمل الرائد للخبير الألماني؛ يصف د. إبراهيم الشيخ باختصار في هذا المقال مساهمات الغافقي، وابن الهيثم، وصلاح الدين بن يوسف، وعمار الموصلي.

كما يولي اهتماماً خاصاً بابتكار أول طريقة جراحية لعملية إعتام عدسة العين ” المياه البيضاء” التي قام بها الموصلي وتأثيرها اللاحق على أعمال أتباعه.

إقرار غربي:-

في الفترة الواقعة ما بين 11 – 14 يوليو تموز من عام 1905 م؛ خاطب البروفيسور يوليوس هيرش بيرج ( 1843 – 1925)  – عالم العيون الألماني الشهير والمؤرخ الطبي – الجمعية الطبية الأمريكية بكاليفورنيا.

كان موضوع الخطاب هو ” أطباء العيون العرب “، وقد بدأ محاضرته بقول : “أدعوكم للعودة معي 1000 عام للوراء لتأمل التاريخ الرائع لطب العيون العربي والذي درسته في الخمس سنوات الماضية، وهناك سؤالان يجب تناولهما في البداية: ما هو مصدر المعلومات التي استخدمها أولئك الأطباء العرب؟ وما المساهمة التي قدموها في طب العيون؟ “.

مؤلفات:-

أحد المؤلفات الرائعة هو كتاب ” تذكرة الكحالين” والذي كتبه علي بن عيسى ( 1000 م) وقد جمعه من مصادر يونانية، وبشكل أساسي من كتاب العشر مقالات في العين لجالينوس (بترجمة حنين بن إسحق) ، حيث كان المتخصص في طب العيون يُعرف عند العرب بإسم الكحَّال وهي كلمة مشتقة من “الكحل”.

 يعتبر هيرش بيرج هذا العمل شديد الأهمية مثل إسهام المسلمين في بناء مسجد قرطبة في الأندلس.

أطباء العيون المسلمين
تذكرة الكحالين حاز على شهرة واسعة

 في 250  عام؛ أنتج المسلمون 18 عملاً مكتوباً عن طب العيون في مقابل خمسة كتب فقط وهو إجمالي ما  أنتجته الحضارة اليونانية من أبقراط إلى بولوس على مدار ألف عام.

 بشكل إجمالي؛ أنتج المسلمون 30 كتاباً عن طب العيون ، كُتِبت الأكثر أهمية منها على أيدي متخصصين، وفي الواقع ما زال 14 كتاباً منها باقياً حتى الآن. يتحدث هيرش بيرج بعد ذلك عن الأسماء البارزة في هذا المجال مشيراً إلى أعمال كل منهم.

علي بن عيسى:-

هو الأشهر من بين أطباء وعلماء العيون المسلمين ، وُلِد في بغداد في العراق، ويُعَد كتابه “تذكرة الكحالين” أفضل وأكمل مؤلَّف عن أمراض العين، وقد تمت ترجمته مع إضافة التعليقات إلى الألمانية بواسطة هيرش بيرج وليبرت في عام 1904م، وإلى الإنجليزية بواسطة كاسي وود عام 1936م.

كتاب تذكرة الكحالين من أكثر الكُتب التي تمت الإشارة إليها ككتاب تعليمي من قِبَل علماء العيون اللاحقين.

 تُرجِم الكتاب أولاً إلى الفارسية ثم إلى اللاتينية وطُبع في فيينا في عام 1497م. من المعاصرين المشهورين لعلي بن عيسى ؛ عمار بن علي الموصلي ، وأبو الحسن أحمد بن محمد الطبري ، الذي يقول في كتابه “المعالجة البقراطية” أنه كتب مقالة طويلة عن أمراض العين، ولكنها لم تعد موجودة للأسف.

عمار بن علي الموصلي:-

عمار بن علي من مدينة الموصل العراقية، توفي عام 1010 م تقريباً.

 كتب كتاباً بعنوان “كتاب المنتخب في علاج العين” ومارس مهنته بشكل أساسي في مصر.

يتناول كتابه التشريح وأمراض العين ويصف ست حالات تاريخية لإجراء عملية الكتاركت (عتامة عدسة العين) وحالة لالتهاب العصب البصري! يقول هيرش بيرج: إن عمار الموصلي كان أمهر جراح للعيون في العالم العربي بأكمله.

أطباء العيون المسلمين
تفوق المسلمون على اليونان في قيمة مؤلفاتهم الطبية

ناقش الموصلي حوالي 48 مرضاً من أمراض العين في كتابه القصير ذو 1500 صفحة ( وهو واحد من أقصر الكتب من هذا النوع).

 توجد هذه المخطوطة (رقم 894) في مكتبة الإسكوريال بالقرب من مدريد في إسبانيا.

وبالرغم من أن كتابه أقصر من كتاب علي بن عيسى؛ غير أنه يحتوي على إشارات أصلية وملاحظات بكمية أكبر.

حتى القرن العشرين، كان كتاب الموصلي متاحاً فقط باللغة العربية وكان مترجماً إلى العبرية على يد ناثان اليهودي في القرن الثالث عشر.

تُرجم هذا العمل إلى الألمانية على يد دكتور يوليوس هيرش بيرج عام 1905.

ويعتبر عمار الموصلي مخترع عملية ” إعتام عدسة العين” عن طريق الشفط باستخدام إبرة يتم إدخالها عبر حوف القرنية (المنطقة التي تلتحم فيها القرنية بالملتحمة). كانت هذه هي العملية الأفضل أداءً في وقتها، وما زال هذا النوع من عملية “إعتام عدسة العين” يُجرى حتى الآن.  

كانت هناك عملية أخرى تعود إلى العصر البابلي وكانت تتضمن الإزالة العنيفة للعدسة ولكن كان لها مخاطرها الواضحة.

 في كتابه؛ لم ينس الموصلي قط أنه مسلماً قبل أن يكون عالماً، ويظهر هذا واضحاً في مواقفه الرحيمة تجاه المرضى، كما أنه في خلال رحلاته أكمل أركان الإسلام بأداء فريضة الحج في مكة المكرمة.

لقد بَلَغَ العربُ في فرع طِبِّ العيون شأواً عظيماً تفوَّقوا فيه على اليونان، وساعدهم في هذا اكتشافاتهم النَّاجِحَة في عِلم البَصَريات الذي يُعَدُّ علِمَاً عربياً دون أية مُبالغة، وأوَّلُ كتابٍ في هذا الموضوع كان كِتاب إسحاق بن حنين (العشر مقالات عن العين)، وقد بَقِيَ مع مؤلَّفات علي بن عيسى وعمَّار من الموصل؛ المرجِع الأول لطِب العُيون في أوروبا حتَّى القرن الثَّامِن عشر.

— زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب.

زرين دست (اليد الذهبية):-

أبو روح محمد بن منصور بن عبد الله ، المعروف بالجرجاني كان جراحاً ممتازاً من الفرس، وقد كتب كتاباً بعنوان “نور العيون ” .

كُتب أغلب الكتاب في عهد السلطان ملك شاه، واحتوى على تسعة فصول.

 في الفصل السابع؛ يصف 30 عملية للعين تتضمن 3 أنواع من عمليات إعتام عدسة العين، كما تناول أيضاً تشريح وتركيب العين وأمراض العين . تم تخصيص فصل واحد عن أمراض العين مثل إعتام عدسة العين، والرمد الحبيبي، وأمراض القرنية ومشاكل جفون العين.

أطباء العرب المسلمين يقدمون تشخيص متقدم لأمراض العيون
تشخيص متقدم لأمراض العيون

يتناول فصل آخر الأمراض الخفية ( التي قد تحدث أعراضها في العين وتؤثر على الرؤية لكن قد يكون مسببها في مكان آخر) مثل : شلل العصب الثالث، وأمراض الدم ، والتسمم ، إلخ.

 كما يشير الكتاب إلى الأمراض التي يمكن علاجها والتي لا يمكن علاجها ويعطي طرقاً للعلاج، وهناك فصل طويل عن جراحة العين، وفصل آخر عن الأدوية التي يستخدمها المنجمون.

أشار هيرش بيرج في خطابه إلى  الجميعة الطبية الأمريكية (1905 م ) إلى اسم آخر وهو أبو المطرف من الأندلس، وكان يعمل وزيراً بجانب تخصصه في طب العيون. لسوء الحظ فُقدت أعمال أبو المطرف بالكامل.

محمد بن قاسم بن أسلم الغافقي:-

المعروف بالغافقي من الأندلس، (توفي عام 1165 م )، وقد كتب كتاباً في القرن الثاني عشر اسمه ” المرشد في الكحل”.

لم يكن الكتاب مقتصراً فقط على العين، بل إنه يعطي أيضاَ تفاصيلاً عن الرأس وأمراض ألمخ.

 استخدم الغافقي كتابات عمار الموصلي كمرجع لعمله.

اليوم يمكن للسائح الذي يزور قرطبة أن يرى تمثالاً نصفياً لمحمد الغافقي مرتدياً عمامته العربية وقد صنعه أهل قرطبة تكريماً لأخصائي العيون المسلم.

إقرار غربي بأفضال الغافقي
إقرار غربي بأفضال الغافقي

التمثال موضوع في ساحة مستشفى في قرطبة بإسبانيا ، و قد أقيم في عام 1956 م، إحياءً للذكرى الثمانمائة لوفاته.

خليفة الحلبي:-

خليفة بن أبي المحاسن الحلبي، ذاع صيته عام 1260 م ، وقد كتب كتاباً من 564 صفحة يصف ويرسم فيه آلات جراحية متنوعة من بينها 36 أداة لجراحة العيون.

 كما يناقش فيه أيضاً المسارات البصرية بين العين والمخ، وكذلك كتب عن حوالي 12 نوعاً من عمليات الكتاركت.

 استخدم العرب عبارة “الماء النازل من العين” للتعبير عن داء الكتاركت للإشارة إلى تجمع الماء في
عدسة العين مما يجعلها تصبح “غائمة”، وبالتالي كانوا يقومون بالتخلص من هذه الغمامة عبر شفطها
بواسطة إبرة دقيقة، وبذلك يصبح المريض قادراً على الرؤية بشكل واضح مجدداً.

صلاح الدين الحموي:-

صلاح الدين بن يوسف الحموي من سوريا، كتب في عام 1209 م كتاباً اسمه نور العيون  وجامع الفنون
ناقش فيه  النظرية الضوئية للرؤية.

 كما اقتبس العديد من المستخلصات من كتابات عمار الموصلي.

كان عمله على العين يعتمد على وجهة النظر الطبية بشكل أكبر كما فعل غيره من الأطباء البارزين مثل
الزهراوي وابن زهر، وابن رشد.

ابن الهيثم:-

ولد ابن الهيثم في عام 965 م، وكان أول من شرح أن الرؤية تتم عن طريق إنحراف أشعة الضوء.

 تم تنقيح كتاب ابن الهيثم على يد عالم الرياضيات كمال الدين الفارسي (توفي عام 1320م) الذي لاحظ
مسار أشعة الضوء في مقدمة كرة من الزجاج من أجل فحص انكسار ضوء الشمس في قطرات المطر. قاده
ذلك إلى تفسير نشأة قوس قزح.

ابن الهيثم .. العلامة الموسوعي من أشهر أطباء العرب المسلمين
ابن الهيثم .. العلامة الموسوعي

أخصائيون:-

قال بروفيسور هيرش بيرج مخاطباً جمهور الجمعية الطبية الأمريكية: ” منذ عام 800 م وحتى عام 1300 م
ظهر في العالم الإسلامي ما لا يقل عن 60 من أخصائيي العيون المشهورين، ومؤلفي الكتب المرجعية،
ومقدمي الدراسات في مجال طب العيون ، بينما في نفس الوقت في أوروبا لم  يكونوا قد سمعوا بمختصي البصريات.” . لم تُطبق عملية إزالة إعتام عدسة العين في أوروبا عبر الإبرة الدقيقة حتى القرن الثامن عشر.

أنتج المسلمون العديد من الكتب الأصلية حول تشريح العين. وبالرغم من ذلك فقد كانت دراستهم
محدودة لأنهم طبقوا ملاحظاتهم فقط على عيون الحيوانات، حيث كان تشريح أي جزء من جسم الإنسان
مُحرماً، وقد أعطتنا هذه الكتب أقدم الصور عن تشريح العين.

مصطلحات علمية:-

تضمنت الكتب الأصلية للعرب والمسلمين؛ التعريف بمصطلحات مثل مقلة العين، والملتحمة، والقرنية،
والعنبية، والشبكية، كما قام المسلمون أيضاً بإجراء عمليات على أمراض الجفون مثل الرمد الحبيبي وهو
مرض يؤدي إلى تصلب داخل الجفن. حتى أن  مرض الجلوكوما (ارتفاع الضغط الداخلي للعين) تم وصفه
بواسطة العرب، ومع ذلك فإن المساهمة الأكبر كانت من خلال أطباء العيون المسلمين كانت في مسألة
إعتام عدسة العين أو الكتاركت.

وفقاً لمجلة الجمعية الطبية الأمريكية (لعام 1935) ، فإن هناك مخطوطة فريدة في مكتبة الفاتيكان تُنسب
إلى ابن النفيس (الذي توفي عام 1288م) بعنوان كتاب المهذب في طب العيون ، وهو يحتوي على وصف
لعيون الحيوانات ومناقشة حول أشكال وألوان العين البشرية.

الترجمة:-

في القرن الثاني عشر، قضى جيراردو الكريموني –  المترجم الشهير الذي قام بترجمة الكتب العلمية
والطبية من العربية إلى اللاتينية – 40 عاماً من حياته (1147 – 1187 م ) في طُليطلة بأسبانيا يترجم كتب
أطباء العيون المسلمين ومن بينها كتب الرازي وابن سينا ، وقد مُثلت هذه الحقيقة على طابع بريدي
أسباني.

كان الأطباء العرب من أوائل المشاركين في الجهود المبذولة لمنع العمى منذ عام 1000 م، عندما أصبح
الرازي أول طبيب يصف الفعل المنعكس لبؤبؤ العين. وفي نفس الوقت تقريباً، اخترع عمار بن علي
الموصلي تقنية إزالة إعتام العين عبر الإبرة الدقيقة.

الخلاصة:-

اختتم البروفيسور هيرش بيرج خطابه أمام الجمعية الطبية الأمريكية بهذه الكلمات:

” أثناء العصور الوسطى المظلمة في أوروبا، أنار العرب المسلمون المصابيح للعلوم – من الوادي الكبير في
أسبانيا، إلى نهر النيل في مصر، وحتى نهر أوكسوس في روسيا. فكانوا هم سادة طب العيون في أوروبا في
العصور الوسطى”.

لذا يمكنا أن نعرف من خلال هيرش بيرج أن أطباء العيون المسلمين في القرن العاشر وحتى القرن الثالث
عشر كانوا يسبقون عصرهم بمئات السنين.

نتيجة التفكير في علاج أمراض البصر” كُتب في القاهرة بواسطة فتح الدين القيسي (توفي عام 1259م/657 هـ).

المصدر:-

كتبها: إبراهيم الشيخ. نُشرت في: 20 ديسمبر 2001 م.

Eye Specialists in Islamic Cultures

Maha

مها عبيد من مواليد العام 1987 م ، حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم، شعبة ميكروبيولوجي، وأعمل على إتمام دراسة الماجستير، مهتمة بالترجمة والتاريخ واللغات، وشغوفة بتعلم الأشياء الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى