نوادر العرب

في ضَرْب العَرَب المَثَل بمن عُرِفَ حُمقه

تمهيد:-

العَرَب تضرِب المَثَل للأحمق تارةً بمن قد عُرِفَ حُمقهُ من النَّاس، وتارةً بما يُنسَب إلى سوء التدبير من البهائم والطَّير، وتارةً بما لا يقع منه فِعْل، ولكِن لو تصوَّر له فَعَل كان ما ظَهَر منه حُمقاً.

فأمَّا ضربهم المثل بمن عُرِفَ حمقه: فقال أبو هلال العسكري: تقول العرب (أحمق من هبنَّقة) و (أحمَق من حذنة) قيل: هو رجلٌ بعينه وقيل: هو الصَّغير الأُذُن الخفيف الرَّأس القليل الدِّماغ، وكذلك يكون الأحمق، وقيل: حذنَّة امرأة كانت تمتخط بكوعها.

وتقول العرب: (أحمق من أبي غبشان)، و(أحمق من يحيى)، و(أحمد من عجل بن لخيم)، و (أحمق من حجينة)، وهو رجلٌ من بني الصداء، و(أحمق من بيهس) ومن مالك بن زيد مناه، ومن عدي بن حباب، و(أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها).

وأمَّا ذكرهم للبهائم؛ فيقولون: (أحمق من الضَّبع) و(أحمق من أم عامر) و(أحمق من نعجة على حوض)، لأنَّها إذا وَرَدَت الماء أكبَّت عليه ولا تنثني، و(أحمق من ذئبة) لأنَّها تَدَعْ ولدها وتُرضِع وَلَد الضَّبع.

وأمَّا ذكرهم الطَّير فيقولون: (أحمق من حمامة)، لأنَّها لا تصلح عشَّها وربما سقط بيضها فانكَسَرَ وربمَّا باضت على الأوتاد فيقع البيض، و(أحمق من نعامة) لأنَّها إذا مرَّت ببيض غيرها حضنته، وتركت بيضها، و(أحمق من رخمة)، و(أحمق من عقعق)، لأنَّه يضيع بيضه وفراخه، و(أحمق من كروان) لأنَّه إذا رأى أُناساً على الطريق فيأخذونه.

ومن الموصوف بالحُمق من الحيوان: الحبارى، والنعجة، والعير، والطَّاووس، والزَّرافة.

وأمَّا ضرْبهم المَثَل بمن لا فِعل له كقولهم: (أحمَق من رجلة) وهي البقلة الحمقاء لأنها تنبت في مجاري السَّيل.

من أخبارهم:-

ومن هؤلاء الحمقى “هبنَّقة” واسمه يزيد بن ثروان ويقال: ابن مروان بني قيس بن ثعلبة، ومن حُمْقه أنه جعل في عنقه قلادة وعِظام وخزَف.

وقال: أخشى أن أضِلَّ نفسي ففعلت ذلك لأعرفها به، فحوَّلت القلادة ذات ليلة من عنقه لعنق أخيه فلمَّا أصبح قال: يا أخي أنا أنت فمن أنا.

وأضلَّ بعيراً فجعل ينادي: من وجده فهو له ، فقيل: فلِمَ تنشده؟، قال: فأين حلاوة الوجدان؟، وفي رواية: من وجده قله عشرة فقيل له: لِمَ فَعَلَ هذا؟ قال للوجدان حلاوةً في القلب.

واختَصَمَت طفاوة وبنو راسِب في رجلٍ ادَّعى كل فريق أنَّهُ في عرافتهم، فقال هبنَّقة: حُكمه أن يلقى في الماء فإن طفا فهو من طفاوة، وإن رَسَبَ فهو راسِب، فقال الرَّجل: إن كان الحُكم هذا فقد زَهِدْتَ في الديوان.

وكان إذا رعى غَنَماً؛ جعل يختار المراعي للسِمان، وينحي المهازيل ويقول: لا أُصلِح ما أفسده الله.

أبو غبشان:-

ومِنهُم “أبو غبشان” وهو رجلٌ من خزاعة كان يلي الكعبة فاجتمع مع قصي بن كِلاب بالطَّائف على الشُّرب، فلما سَكِرَ اشترى منه قصي ولاية البيت بزق خَمْر وأخذ منه مفاتيحه وطار بها إلى مكَّة، فقال : يا معشر قريش هذه مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل ردَّها الله عليكم من غير غَدرٍ ولا ظلم، وأفاق أبو غبشان فندم فقيل: (أندَم من أبي غبشان) و (أخسر من أبي غبشان) و(أحمق من أبي غبشان)، قال بعضهم:

باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت .بزق خَمر فبئست صفقة البادي

باعت سدانتها بالخمر وانقرضت .عن المقام وضلَّ البيت والنَّادي

ثم جاءت خزاعة فغالبوا قصيَّاً فغلبهم.

المصدر:-

أخبار الحمقى والمغفلين، ابن الجوزي.

https://tile.loc.gov/storage-services/service/pnp/matpc/18200/18292v.jpg

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى