أعلامانفوجرافيكس

حيص بيص .. الفقيه الأديب الشاعر

له رسائل فصيحة بليغة، ولم يكن له في المراسلات نظير

حيص بيصاسمه ونشأته:

حيص بيص هو سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي، أبو الفوارس التميمي، الملقب شهاب الدين، الفقيه الأديب الشاعر.

وكان إذا سئل عن عمره يقول: أنا أعيش في الدنيا مجازفة؛ لأنه كان لا يحفظ مولده، وكان يزعم أنه من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب، ولم يترك أبو الفوارس عقباً.

حديثه عن جمهرة الناس أدت إلى إطلاق اللقب عليه (بغداد 1932 م) – مكتبة الكونغرس

وقد قيل له حَيْصَ بَيْصَ؛ لأنه رأى الناس يوماً في حركة مزعجة وأمر شديد، فقال: ما للناس في حَيْصَ بَيْصَ؟ فبقي عليه هذا اللقب، ومعنى هاتين الكلمتين الشدة والاختلاط، تقول العرب: وقع الناس في حَيْصَ بَيْصَ؛ أي في شدة واختلاط.

مكانة حيص بيص العلمية:

كان حيص بيص فقيهاً شافعي المذهب، تفقه بالرَّي على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان، وتكلم في مسائل الخلاف، إلا أنه غلب عليه الأدب ونظم الشعر، وأجاد فيه مع جزالة لفظه، وله رسائل فصيحة بليغة، ولم يكن له في المراسلات نظير، فقد كان يتقعر فيها ويتفاصح كثيراً، فلا تواتيه إلا وهي متعجرفة.

العرب أهل البلاغة والفصاحة منذ أقدم العصور
العرب أهل البلاغة والفصاحة منذ أقدم العصور

وكان يلبس زِيَّ العرب، ويتقلَّد سيفاً، ويحمل خلفه الرمح، ويأخذ نفسه بمأخذ الأمراء، ويتبادى فِي كلامه، فقال فيه أبو القاسم بن الفضل:

كـم تُبــادِي وكـم تُطَــوْل طرطـو … رَكَ مَا فيك شَعرةٌ من تميمِ

فَكُلِ الضّبَّ واقرض الحنظَلَ اليا … بسَ واشْرَب مَا شئتَ بول الظَّليمِ

لَيْسَ ذا وجه من يضيف ولا يق … ري ولا يدفع الأذى عن حريمِ

فلمّا بلغت الأبيات أبا الفوارس قال:

لا تَضَعْ من عظيمِ قدرٍ وإن كنـ … ـت مُشاراً إليه بالتعْظيمِ

فالشريف الكريم ينقص قدراً … بالتَّعدِّي عَلَى الشريف الكريمِ

وَلَعُ الخمر بالعُقولِ رمى الخمـ … ـرَ بتنجيسها وبالتَّحريمِ

شعره:

حيص بيص صاحب شعر غلب عليه المديح، ومن شعره يمدح المقتفي لأمر الله:

ماذا أقــولُ إذا الــرُّواةُ تَرَنَّمــوا … بفصيــحِ شِعري في الإِمامِ العادِل

واستحسن الفُصحاءُ شأنَ قصيدةٍ … لأجَلِّ مَمْدوحٍ وأفْصحِ قائِلِ

وترنَّحَـتْ أعْطــــافُهُــمْ فكــأنمـــا … فــي كُلِّ قافيَةٍ سُلافَةُ بابِلِ

ثُمَّ انْثنوا غِبَّ القريض وصنْعِه … يتَسائلونَ عنِ النَّدى والنَّائلِ

هَبْ يا أميــــرَ المُؤمنيــن بأنَّنـــي … قُــسُّ الفَصاحةِ ما جوابُ السَّائل

ومن شعره قوله:

العَيْنُ تُبْدي الذي في قَلْبِ صاحبِها … مِن الشَّناءَةِ أوْ حُبٍّ إذا كانا

إنَّ البَغيـــضَ لـهُ عيـــنٌ تُكَشِّـفُــــــهُ … لا تَسْتطيعُ لما في القلْبِ كِتْمانا

فالعينُ تَنْطِـقُ والأفْــواهُ صامِتَـــةٌ … حتــى تَرى منْ ضَميرِ القلبِ تِبْيانا

العيون تعبر عن مكنونات النفس

نوادره:

قال الشيخ نصر الله بن مُجَلِّي: رأيت في المنام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تفتحون مكة فتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين يوم الطَّفِّ ما تم؟ فقال: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟ فقلت: لا، فقال: اسمعها منه، ثم استيقظت فبادرت إلى دار حَيْصَ بَيْصَ، فخرج إليَّ، فذكرت له الرؤيا فشهق وأجهش بالبكاء، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطي إلى أحد، وإن كنت نظمتها إلا في ليلتي هذه، ثم أنشدني:

مَلكْنــا فكــان العَفْـو منَّا سَجيَّــةً … فلمَّــا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ

وحَلَّلْتُمُ قتـلَ الأســارى وطالَمــا … غَـدوْنـا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَح

فحسْبُكُــمُ هـذا التَّفــــاوتُ بيْنَنــا … وكُـــلُّ إِناءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ

وكان حيص بيص معروفاً بتقعُّره بالكلام، ومن ذلك ما حدَّث به بعض أصحابه أنه نقه من مرض فوصف له صاحبه هبة الله البغدادي الطبيب أكل الدُّرَّاج، فمضى غلامه واشترى دُرَّاجاً واجتاز على باب أمير وغلمانه يلعبون، فخطف أحدهم الدُّرَّاج، فأتى الغلام الحيص بيص وأخبره الخبر، فقال له: ائتني بدواة وقرطاس، فأتاه بهما فكتب إلى ذلك الأمير: “لو كان مبتزّ دُرَّاجة فتخاء كاسر، وقف بها السّغب بين التدويم والتمطر، فهي تعقي وتسفّ، وكان بحيث تنقب أخفاف الإبل لوجب الإغذاذ إلى نصرته، فكيف وهو ببحبوحة كرمك؟! والسلام”، ثم قال لغلامه: امض بها وأحسن السفارة بإيصالها للأمير، فمضى بها ودفعها للحاجب، فدعا الأمير بكاتبه وناوله الرقعة فقرأها ثم فكر ليعبِّر له عن المعنى، فقال له الأمير: ما هو؟ فقال: مضمون الكلام أن غلاماً من غلمان الأمير أخذ دراجاً من غلامه، فقال: اشتر له قفصاً مملوءاً دراجاً واحمله إليه، ففعل.

أقوال العلماء فيه:

قال ابن خلِّكان عن حيص بيص : “أخذ الناس عنه أدباً وفضلاً كثيراً؛ وكان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغاتهم”.

وقال ياقوت الحموي: “كان من أعلم الناس بأخبار العرب ولغاتهم وأشعارهم، أخذ عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وقرأ عليه ديوان شعره وديوان رسائله، وذكره في «ذيل مدينة السلام» وأثنى عليه، وأخذ الناس عنه علماً وأدباً كثيراً، وكان لا يخاطب أحداً إلا بكلام معرب”.

وقال الذهبي: “له ديوان، وترسُّل، وبلاغة، وباع في اللغة، ويد في المناظرة، وكان يتحدث بالعربية، ويلبس زِيَّ العرب”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

وفاته:

توفي حيص بيص ببغداد ليلة الأربعاء، 6 شعبان، سنة 574هـ، وعمره يناهز الثمانين، ودفن في اليوم التالي بالجانب الغربي في مقابر قريش.

المصادر:

  • الأعلام (3/87).
  • سير أعلام النبلاء (21/61/رقم 16).
  • معجم الأدباء (3/1352/ رقم 525).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (6/83).
  • وفيات الأعيان (2/362).
Image by ArtTower from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى