أعلام

حسَّان بن ثابت .. شاعر الرسول الأعظم

يعد في طبقة المخضرمين من الشعراء؛ لأنه أدرك الجاهلية والإسلام، وله ديوان شعر مطبوع

اسمه ونشأته:-

حسَّان بن ثابت بن المنذر بن حرام، أبو الوليد الأنصاري الخزرجي، وأمه الفُرَيْعَة بنت خالد، وهو من أخوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وُلد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بثمانية أعوام في المدينة المنورة.

ولم يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشهداً؛ لعلة أصابته.

كان ذا مال في الجاهلية، إذ كان ينتمي لقوم موسِرين، كما كان يمتلك حصناً معروفاً بيثرب (الاسم القديم للمدينة المنورة).

يعد في طبقة المخضرمين من الشعراء؛ لأنه أدرك الجاهلية والإسلام، وله ديوان شعر مطبوع.

حياة حسَّان بن ثابت قبل الإسلام:-

كانت المدينة في الجاهلية ميداناً للنـزاع بين الأوس والخزرج، تكثر فيها الخصومات والحروب، وكان قيس بن الخطيم شاعر الأوس، حسان بن ثابت شاعر الخزرج الذي كان لسان قومه في تلك الحروب التي نشبت بينهم وبين الأوس في الجاهلية، فطارت له في البلاد العربية شهرة واسعة.

اتصل حسَّان بن ثابت بالغساسنة، يمدحهم بشعره، ويتقاسم هو والنابغة الذبياني وعلقمة الفحل أُعطيات بني غسان. فقد طابت له الحياة في ظل تلك النعمة الوارف ظلالها. ثم اتصل ببلاط الحيرة وعليها النعمان بن المنذر، فحل محل النابغة، حين كان هذا الأخير في خلاف مع النعمان، إلى أن عاد النابغة إلى ظل النعمان، فتركه حسّان مكرهاً.

المدينة المنورة في حياة حسان بن ثابت
المدينة المنورة في العام 1914

كان فخوراً بنفسه معتزاً بشعره، قال له أبو سفيان بن الحارث يوماً:

ألا مَنْ مُبْلِــــــغٌ حسّـــــان عني .. خلفْتُ أبي ولم تخلُفْ أباكـــــا

فأجابه حسَّان بن ثابت على الفور:

لأنّ أبــــــي خـــلافـتُـــــهُ شــديـــدٌ … وإنّ أبــــاك مثلُكَ ما عداكــــا

وقد أفاد من احتكاكه بالملوك معرفة بالشعر المدحي وأساليبه، ومعرفة بالشعر الهجائي ومذاهبه.

دخل حسَّان بن ثابت قبل إسلامه بسنوات طويلة على الحارث الجفنيّ، فقال : أنعِم صباحاً أيُّها الملك، السَّماء غطاؤك، والأرض وطاؤك، ووالدي ووالدتي فداؤك. أنَّى يُناوئكَ المُنذر (المُنذر بن المُنذر بن ماء السَّماء اللخمي)؟، فوالله لَقَذَالُكَ أحْسنُ من وجهِهِ، ولأمُّكَ أحْسَنُ من أبيه، ولظِلَّك خيرٌ مِن شَخْصِه، ولصمتُك أبلغُ من كَلامه، ولَشِمالُك خيرٌ من يمينه، ثم أنشأ يقول:

ونُبئـــــــت أنَّ أبــــا مُـنــــذرٍ.. يُساميــــكَ للحــــدث الأكبــــــرِ

قذالـــــك أحْســــنُ مِـــن وجهِـــهِ.. وأمُّــــكَ خيْـــرٌ مِــنَ المُنذِرِ

ويُســــرَى يَديْـــــكَ إذا أَعْسَــــرتْ.. كَيُمْنـى يـديْـــهِ فلا تَمتـــــرِ

و من قوله في الفخر:

نحـنُ الملــوك فــلا حــيٌّ يقــاربنـا .. منَّــا الملـوكُ وفينــا يُؤخَذُ الرُبُـــعُ

تلكَ المـكــارِمُ حُزناهـــا مُقـــارعــةً .. إذا الكِـرامُ على أمثالِهـا اقترعوا

كــم قد نشدنا مـن الأَحيـــاءِ كُلِّهِـــمِ .. عنـد النِّهـابِ وفضلُ العِــزِّ يُتَّبـعُ

وننحـرُ الكومَ عبطاً في منازِلنـا.. للنَّازلين إذا ما استطعوا شَبِعوا

ونحـنُ نُطعِـم عِند المَحْـلِ ما أكلـوا.. مـن العَبيطَ إذا لم يَظهرِ الفَرَعُ

وننصُــر النَّــاسَ تأتيـنــا ســراتُــهُم .. مِـنْ كُـل أوْبٍ فتمضي ثم نُتَّبَعُ

وقال حسَّان يذكر هذيلاً:

إنْ سـرَّكَ الغَدْرُ صِرفــاً لا مِــزَاجَ له .. فــأتِ الرجيعَ وسل عن دارِ لِحْيانِ

قومٌ تواصَــوا بأكـلِ الجـــار بينهـم .. فالكـلبُ والشَّاةُ والإِنسانُ سِيَّانِ

حياته في الإسلام:-

دخل الإسلام عندما كان عمره ستين عاماً، ووهب له النبي صلى الله عليه وسلم جاريته سيرين أخت مارية، فأولدها عبد الرحمن بن حسّان، فهو وإبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنا خالة، وهو شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يمدح الرسول الكريم بشعره، وكان يذكر عيوب الكفار، ولُقِّب حسَّان بن ثابت بسيد الشعراء المؤمنين. امتاز بالتعظيم في مدحه وبقوّة ألفاظه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب له منبراً في المسجد، يقوم عليه قائماً، يُفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُدافع عنه، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو له قائلاً: “اللهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ” أخرجه البخاري ومسلم.

الكعبة في عصر حسان بن ثابت
الكعبة المشرفة عام 1910 م – مكتبة الكونغرس

وكان أول فخرٍ قاله في الإسلام حينما وفد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام:

وثـوى بمكّــــةَ بِضْــعَ عشْــرَةَ حِجَّـــةً .. يُذَكِّـــرُ لو يلقى خليلاً مُوَاتيـــاً

ويَعــرِضُ في أهـل المــواسم نفسَــه .. فلـم يرَ من يُؤْوِيْ ولم يرَ داعياً

فلمــا أتانا واطْمَــأَنَّتْ بِــهِ النَّـوَى .. فـأصبـح مسروراً بطيبةَ راضيــاً

بذَلْنـــا له الأمـوالَ من جُلِّ مالِنــا.. وأنفُسَنـا عند الوَغَى والتآسيـا

وقال في اتباع الرسالة المحمدية:

فـلمَّــــا أتَـانـا رســولُ الإِلـــــهِ .. بالنُّــــورِ والدِّيـنِ بعدَ الظُّلَـمْ

رَكَـنَّــــا إليـــــهِ، ولـــم نَعْصِــــهِ .. غَــــدَاةَ أَتَـانـا مِنَ أرْضِ الحَرَمْ

وقُلـنــا : صَـدَقْتَ بمـــا جِـئتَنـــا .. هَـلُـــمَّ إلـيْنـا، وفـينـا أَقِمْ

فَـنــــادِ بِمَـــــا كنــتَ أخْفَيْتـَـــهُ .. نِـــــدَاءً جَـهاراً ولا تِكْتَتِمْ

فَـإنَّــــا وأولادَنـــا جُـنَّـــــةٌ.. نَقيِــكَ، وفــي مالِـنـا فـاحْتَكِـمْ

وقال في مدح بني هاشم:

وما زالَ في الإسلام من آل هاشِم.. دعائمُ عِـزٍّ لا تَرَامُ ومفْخرُ

بهاليلُ منهم جَعفرٌ وابن أُمِّـهِ.. علي، ومنهم أحمـدُ المتخَيـَّرُ

وقال أبو العباس عن أبي طلحة، عن بكر بن سليمان، يرفع الحديث إلى عبد الله بن مسعود، قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلَّم أن قوماً نالوا أبا بكر الصِّدِّيقَ بألسِنَتِهِم، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها النَّاس! ليس أحدٌ منكم أمَنَّ عليَّ في ذات يده ونَفْسه من أبي بكر، كلُّكم قال لي كذَبتَ، وقال لي (أبو بكر) صدْقتَ، فلو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ثم التَفَت إلى حَسَّان فقال: هاتِ ما قُلتَ فيَّ وفي أبي بكر، فقال حسَّان: قُلتُ يا رسولَ الله:

إذا تذكَّــرْتَ شَجْــواً منْ أخٍ ثقــةٍ .. فاذكُـرْ أخاكَ أبا بكر بما فَعَلَا

التَّالـــي الثانِــي المحمــودَ شيمتــهُ .. وأول النَّاس طُرَّاً صدَّقَ الرُّسُلا

والثانيَ اثنينِ في الغارِ المُنيفِ وقد.. طافَ العدوُّ به إذ صَعَّد الجبَلا

وكــان حِبَّ رســول الله قد عَلِمـــوا .. مـن البرية لم يَعدِل به رجُلا

خَيْـــــرُ البريــــةِ أتقاهــــا وأَرأفُـهــــا .. بعـد النَّبيِّ وأوفـاها بما حَمـَلا

فقال عليه السلام: صَدَقْتَ يا حسَّان، دَعُوا لي صاحبي، قالها ثلاثاً.

وقال حسَّان في مدح المهاجرين:

أقَـامُـوا عَمُـودَ الدِّيـنِ حتى تَمَـكَّنَتْ.. قواعدُهُ بِـالمُرْهَفَـاتِ البَواتِرِ

وقال يجيب ابن الزبعري بعد معركة أُحُد:

ولقـد نِلتُــــمْ ونِـلنَـــا مِنـكُــــمُ .. وكــذلك الحَرْبُ أحيــاناً دُوَلْ

ويهجو الوليد بن المغيرة بمقطعة من ستة أبيات يقول في مطلعها:

متــى تُنسَــبْ قـــريـشٌ أو تَحَصَّــــلْ .. فـمـــا لكَ في أرومَتِهـا نِصَـابُ

نَفَتــكَ بنــو هُصيــص عـن أبيهـــا .. بشجــعٍ حيث تسترِقُ العيِـابُ

وأنـتَ ابـنُ المُغيـــــرة عبــدُ شــــول .. قـد أندبَ حمل عاتِقـكَ الوِطابُ

وقد سجَّلت كتب الأدب الكثير من أشعاره في هجاء الكفار، وفي مدح المسلمين ورثاء شهدائهم.

وفاة حسَّان بن ثابت:.

توفي في خلافة معاوية بن أبي سفيان وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقد عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام.

المصادر:

  • الاستيعاب في معرفة الأصحاب (1/341/رقم 507).
  • أسد الغابة (1/482/رقم 1153).
  • الأعلام (2/175).
  • حسَّان بن ثابت شاعر الرسول (17).
  • الرسول والشعراء (64).
  • جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام.
  • الحيوان للجاحظ.
  • الصورة البيانية في المدحة النبوية عند حسان بن ثابت(19).
  • مجاني الأدب في حدائق العرب – لويس شيخو. 
  • معجم أعلام شعراء المدح النبوي (114).
  • عارف حجاوي، أول الشعر، عُصارة الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي.
  • المقدمة الطللية في شعر حسَّان بن ثابت بين الجاهلية والإسلام (163).
  • المقطعات الشعرية في الجاهلية وصدر الإسلام، مسعد بن عيد العطوي.
  • العقد الفريد.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى