نوادر العرب

حديثُ العربِ عن مآثرِ الاعتمادِ على النفس

قيلَ لِقيسِ بِن عاصِم : بمَ سُدتَّ قَومَك؟ قالَ : لم أُخاصِم أحَداً إلّا تَركتُ لِلصُّلحِ موضِعاً.

توطئة:-

تناولَ جامعُ كتابِ “جواهر الأدب من خزائن العرب” مجموعةً من المواقف والنوادر والفضائل والنواقص التي شهدها رجال التاريخ العربي الإسلامي، مستنيرا بمقولات عددٍ من الحُكماء وذوي المكانة الذين أسدوا النصيحة وأبدوا الرأي على هامش تلك المواقف..

في هذهِ المَرَّة؛ نتناول باب “ في شُروطِ السُّؤدُدِ والاعتماد على النفس ” الذي جاء في الفَصل الثامن عشر من الكتاب المذكور (المُجلَّد الثاني)، والذي جمع مقتطفاته؛ سليم إبراهيم صادر، صاحب المكتبة العمومية في بيروت وذلك في مرحلة متقدمة مِن القرّن العشرين.

 والآن ندخُل في صُلب الحَديثِ عن “فضل الاعتماد على النفس” ، كما جاء على ألسِنةِ بعضِ الحُكماء.

استخدام المرء بصيرته وحكمته ليكون مقدَّرا في قومه

الحكماء يتحدثون عن السؤدد:-

قالت الحكماءُ : يَسودُ الرَجُلُ بِستَّةِ أشياءَ : بِالعَقلِ والأدَبِ والعِلمِ والدِّينِ والُمرُوءةِ والكَرَمِ.

وقال أحدُ الأُدباءِ : بِصَالحِ الأخلاقِ تزكُو الأعمالُ، وباحتمالِ المُؤنِ يَجبُ السُّؤددُ (المَجدُ والشَّرف)، وبالرِّفقِ والتَّودِد تَستحقُ الكَرامةُ، وبتركِ ما لا يَعنيكَ يَتِمُّ لكَ الفَضلُ.

وقالَ قَس بِن سَاعِدةَ : مَن فاتهُ حَسَبُ نَفسهِ لم ينفَعهُ حَسَبُ أبيهِ.

وقال آخر: تَفقَّهوا قَبلَ أن تَسُودوا، فَإنَّ المَرءَ إذا بَوَّأه حُسنُ البَختِ المَراتِبَ العاليةَ وهُوَ قاصِرُ المَدارِكِ سَيِّىءُ التَدبيرِ؛ خَرَقَت سِياسَتُهُ واختلت أُمُورُهٌ وكانَ عُلوُّ المَنصِبِ مَدعاةً إلى الإزدِراءِ بشأنهِ والتَّنديدِ به:.

للشعراء رأي مشابه:.

وقالَ عَبدُ اللهِ بن مُعاوية:

لسنَا وإن كَـرُمت أوائِلُنَا.. يَوماً على الأحسَابِ نَتكِلُ

نبني كَما كَانت أوائِلُنَا تَبني ونَفعلُ مِثلما فَعَلوا

وقالَ عامِرُ بن الطُّفيلِ العَامريُّ:

وإني وإن كُنتُ ابنَ سَيِّدِ عَامرٍ.. وفَارِسَها المَشهُورَ في كُلِّ مَوكِبِ

فما سوَّدَتني عامرٌ مِن وراثةٍ.. أبَى اللهُ أن أسمُو بِجدٍّ ولا أبٍ

ولكِنَّني أحمِي حِماها وأتقِي.. أذَاها وأرمِي مَن رَمَاها بِمنكِبي

ولبعضِ بني عامر:

إذا لم يَكُن للفتى هِمَّةً.. تُبَوِّئُهُ في العُلا مِصعَدَا

ونَفسٌ يُعَوِّدُهَا المَكرُما.. تِ والمَرءُ يَلزَمُ ما عُوِّدا

ولم تَعدُ هِمَّتهُ نَفسَهُ.. فَليسَ يَنالُ بِها السُّؤدُدَا

وقالَ الأفوَهُ الأوَدِّيُ:

لا تَصلَحُ النَّاسُ فَوضَى لا سَرَاة لهُم.. ولا سَرَاةٌ إذا جُهَّاُلُهم سَادُوا

والبيتُ لا يُبتَغى إلَّا لهُ عَمَدٌ.. ولا عِمَادٌ إذا لَم تُرسُ أوتـَادُ

وإن لم تَجَمَّعَ أوتادٌ وأعمِدةٌ.. يَوماً فقَد بَلغوا الأمرَ الَّذي كادُوا

الأفوه الأودي

قوة السلطان على النفس:-

وقالَ هِشامٌ لخالِد بن صفوان: بمَ بَلَغَ فِيكم الأحنفُ ما بَلغَ؟، قالَ : كانَ أقوى الناسِ على نفسهِ وكَانَ لا يَجهلُ ولا يَبغي ولا يَبخُلُ.

وقيلَ لرجُلٍ: بِمَ سادَكُمُ الأحنَفُ؟ فَواللهِ ما كَانَ بِأكبركُم سِنَّاً ولا بأكثرِكُم مالاً، فقال : بِقوةِ سُلطانهِ على نَفسِهِ.

وقيلَ لِقيسِ بِن عاصِم : بمَ سُدتَّ قَومَك؟ قالَ : لم أُخاصِم أحَداً إلّا تَركتُ لِلصُّلحِ موضِعاً.

الخليفة العباسي هارون الرشيد

وقالَ هارونُ الرَّشيدُ لأعرابيٍّ: بِمَ بَلَغَ فِيكُم هِشامُ بِنُ عُروة هذهِ المَنزلَةَ؟، قالَ : بِحِلمهِ على سَفيهِنا وعَفوِهِ عَن مُسيئِنا وحَملِهِ عَن ضَعِيفِنا، لا منَّانٌ إذا وَهَب ولا حَقُودٌ إذا غَضِب، رحبُ الجَنَانِ، ماضي اللِّسَان، سَمحُ البَنَانِ (الأصابع)، قالَ : فَأومأ الرَّشيدُ إلى كَلبِ صَيدٍ كَانَ بَينَ يَديه، وقَالَ : واللهِ لو كَانت هَذهِ في الكَلبِ لاستَحَقَ السُّؤدُدَ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق