معلومات تاريخية

حالة العالم الإسلامي قبل اجتياحه من قِبل المغول

كانَ إذا طَرِبَّ الملك؛ بذل الأموال، بينما الدولة في أمسِّ الحاجة إليها

توطئة:-

كيف كانَ حال العالم الإسلامي قبل اجتياح المغول ، وسقوط بغداد بأيدي التتار، وهي عاصمة الخلافة العباسية التي طالما تغنّى بها الشعراء والأدباء لجلالِّ قدرها وسموِّ علومها ومعمارها؟

وقد سقطت بغداد على يد القائد المغولي هولاكو والذي أهلكَ الحرّثَ والنسّل فيها وارتكب من الفظائع ما لم تعهده البشرية.

اجتياح هولاكو لبغداد
هولاكو اجتاح بغداد بعد محاصرتها – متحف الميتروبوليتان

لكن السؤال الذي يُطرح، هل كان العالم الإسلامي متراصاً حينذاك؟ وسؤال آخر يتبادر للأذهان، ما هي الدرجة التي بلغتها أخلاق عامّة الناس وخاصتهم في أصقاع العالم الإسلامي أو في مركزه العِراق ودرّتهُ بغداد؟

هل كان الجزاءُ مستحقاً بفعل انهيار المنظومة الأخلاقية؟

 هل تداعت كل عناصر منعةِ الإمبراطورية وعاصمتها قبل اجتياحها وتدميرها من قِبَلِّ قائد المغول هولاكو في العام 656 هجرية، 1258 ميلادية؟، وهو تاريخٌ فائق الأهمية، إذ تشظّت الأُمة من بعدها فوق تشظيها الذي قام اساساً مع ازدياد ضعف مركز الخلافة، وانتشار الفُرّقة في الصفِّ الواحِد.

الكاتب الصاوي محمد الصاوي، صاحب كتابِّ (هولاكو الأمير السفاح) يروي ما آلت إليه الحالةُ الاجتماعية والأخلاقية في الأمصار الإسلامية ومركزها دار السلام وذلك قُبيل وصول هولاكو لعاصمة الخلافة العباسية.

ويُجمِل الكاتب تلكَ المعالم في النقاط التالية:

أولاً: تفشّي شُرّب الخمر الذي لم يقتصر انتشاره على العامّة، بل أيضاً كان قد استفحل بين الأمراء والوزراء وكبار رجال الدولة وعِلية القوّم، هؤلاء الذين تدور عليهم مصلحة البلاد، ويعتدُّ الناس بفِعلهم، مخالفين بذلك ما جاء بالقرآن الكريم والسنة النبوية حول النتائج الوخيمة المترتبة على هكذا ممارسات.

بيوت عامة منتشرة في العالم الإسلامي لممارسة الرذيلة:

ثانياً: تزايد الجماعات التي تُحرّض على نشر الفساد وشُرّب الخمّر والمُسكرات، وتدفع الشباب باتجاه الشهوات، إذ كانت الحانات حينذاك مملؤة بالجواري الفاتنات، والشعراء والشُبّان يأتون إليهن، وكُنَ دائما يعرضن أنفسهن على مرتادي تلكَ الحانات.

وكانَ للزانيات والفُسّاق بيوتا تكاد تكون معروفة للجميع، وتنتشر في بغداد وغيرها من البلاد الإسلامية الكبيرة.

لوحة تعبر عن هولاكو وسفكه للدماء في العالم الإسلامي
هولاكو سفك دماء عشرات الآلاف خلال القرن الثالث عشر الميلادي

الاحتفال بالمناسبات الخاصة بالأمم الأخرى:-

ثالثاً: احتفال الشُبان بأعياد ومناسبات الأمم الأخرى، حيث كان يتواكب مع تلك الاحتفالات ممارسة جميع الأفعال غير الأخلاقية، فقد كان الناس يرتحلون خصيصاً للانخراط في الحفلات الماجنة، وقد اتضحت هذه الممارسات بشكل جلي في بغداد و سامراء.

اختلال العلاقات الزوجية وانتشار العلاقات غير الشرعية:-

 رابعاً: كان عدد الجواري والإماء في البيوت والقصور أكثر من عدد الخِصيان والأرقاء، وكانَ كثيرٌ من الرجال يفضلونهن على الحرائر اللواتي كانوا يتزوجون بهِن وهم لا يعرفونهن، بخلاف الجواري اللائي يتوفرن بكثرة في أسواق وبيوت النخّاسين، فكانوا يختارونهن على حسب وقوعهن في نفوسهم.

وبحسب مؤلف الكتاب المذكور؛ فقد أقبل العامة والخاصّة على اقتناء الجواري والغِلّمان والخِصيان متخذين من الخُلفاء والأمراء قدوة سوء لهم.

انتشار مظاهر الطرب واللهو في الأرجاء:-

خامساً: أصبحت قلوب الشُبان والشيوخ إلى جانب الشعراء في العالم الإسلامي بأجمعه مولعة باللهو والطرب والسعي وراء الغرائز، كما انتشر في العصر العباسي الثاني حُبّ الغلمان والغزل بهم، واتخاذهم بدل الخليلات.

وبلغ بهؤلاء القوم مستوى الفجور؛ أن يُقبّل أحدهم المُردان في موقع عام أمام سائر المارة، من غير ريبة أو خجل.

قال أحدهم عن غُلامه: ” ضياع هذا الغُلام مني أشد عليَّ من أخذ بغداد من يدي، بل أرض العراق”.

كما انتشرت هذه الآفات بين قادة الجيش والسلاطين، ليقول أحدهم عن غُلامه: ” ضياع هذا الغُلام مني أشد عليَّ من أخذ بغداد من يدي، بل أرض العراق”.

لوحة عن المغول في متحف الميتروبوليتان
هولاكو اجتاح المشرق العربي خلال فترة وجيزة نسبياً- متحف الميتروبوليتان

سادساً: كانت الحفلات والسهرات تُقام للغِناء والطرَب، وكانَ إذا طَرِبَّ الملك أو السلطان؛ بذل الأموال، بينما الدولة و العالم الإسلامي في أمسِّ الحاجة إليها.

التعامل مع الخطر المحدق والقادم من الشرق!

وقبيل وصول المغول إلى الشطر العربي من العالم الإسلامي بسنوات؛ كانت جيوشهم قد ابتلعت النصف الشرقي من جغرافيا الأمة الإسلامية في آسيا، وتمكنت من القضاء على كل مظاهر الحضارة في هذه المناطق.

كما قضت جيوش المغول تماماً على أي نوع من أنواع المقاومة في تلك المناطق الشاسعة، وظل الوضع على حاله لسنوات طويلة، وذلك بحسب كتاب تاريخ المغول وسقوط بغداد، والذي أعده الدكتور رجب بخيت.

وفي هذا التوقيت؛ ظل القسم الأوسط من العالم الإسلامي – أي المساحة الممتدة ما بين العراق ومصر- مشتتاً مفرقاً، لم يتكف فقط بمشاهدة الجيوش المغولية وهي تفتك وتُسقط معظم ممالك العالم آنذاك، وإنما واصل هذا القسم انشغاله بصراعاته الداخلية والبينية، ليتعمق التشطي والتفكك في جسد الأمة المنهك.

كما كان القسم الغربي من العالم الإسلامي ( ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، غرب إفريقيا) بدوره مفككاً تماماً وذلك في أعقاب سقوط دولة الموحدين.

وصف ابن بطوطة لمدينة بغداد بعد سنوات من تعرضها للغزو المغولي
وصف ابن بطوطة لمدينة بغداد بعد سنوات من تعرضها للغزو المغولي

العالم الإسلامي جاهز للسقوط أمام الغزاة:-

حينما اجتاح هولاكو بغداد و أمصار العالم الإسلامي ؛ وجدها على النحو المذكور، وهي غير مُدركة للأخطار التي تتهددها، ليُقتل الخليفة العباسي المُستعصم بالله بن المُستنصر في نهاية شهر مُحرّم من سنة 656 هجرية ركلاً بالأقدام، كما قُتِلَّ أهله ورجاله.

كنوز العالم الإسلامي
المستعصم أو شخص ينوب عنه يرشد هولاكو إلى موضع الكنوز والذهب

وبحسب كتاب تاريخ المغول وسقوط بغداد؛ فإن المستعصم -الذي تولى الخلافة بعد أبيه المستنصر بالله في العام 640 هجرية- كان قد ارتكب أخطاءً كبيرة في إدارة حكمه، من بين أبرزها اتخاذه لبطانة فاسدة ساهمت في تعميق حالة وهن الخلافة.

ابن الأثير يصف هول الحادثة:-

وصف ابن الأثير هول واقعة اجتياح المغول لعاصمة الخلافة العباسية، قائلاً في كتابه “الكامل في التاريخ”: “فلو قال قائل: إن العالم منذ أن خلق الله آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صِدقاً، وما فعله بختنصر باليهود من القتل وتخريب بيت المقدس، فبينه وبين فعل التتار بون شاسع، ولعل الخَلْق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدُّنيا إلَّا يأجوج ومأجوج، وفعل الدَجَّال عند ظهوره يهون عن فعلهم، فقد قتلوا النِّساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجِّنَّة، وقد استطار شررهم وعمَّ ضررهُم”.

اقرأ هنا عن مبررات غزو المغول للعالم الإسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى