انفوجرافيكسنوادر العرب

حاتم الطائي .. الشاعر الفارس ومضرِب المثل في الجود والكرم

كان من أهل نجد، وزار الشام فتزوج ماويَّة بنت حُجْر الغسانية

حاتم الطائي :-

هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحَشْرَجِ، أبو عَدِيٍّ الطائي القحطاني، فارس، شاعر، جواد، جاهلي، لم يذكر المؤرخون تاريخ ولادته، وقد عاش في النصف الثاني للقرن السادس الميلادي إلى أوائل القرن السابع، حاتم الطائي من أهل نجد، زار الشام فتزوج ماويَّة بنت حُجْر الغسانية.

حاتم الطائي.. أيقونة الكرم

حاتم الطائي عنوان الجود والكرم:-

يضرب المثل بجوده وكرمه، وأخباره كثيرة متفرقة في كتب الأدب والتاريخ، وقد قال العلماء: “خرج من قبيلة طيء ثلاثة، كل واحد مجيد في بابه: حاتم الطائي في جوده، وداود بن نصير الطائي في زهده، وأبو تمام حبيب بن أوس في شعره”.

وقد أظهر حاتم أعظم صفات المروءة وخاصة الكرم والسماحة، وكان في مروءته لا يلتفت إلى حاجاته هو أيما التفات، وبدا عليه هذا النزوع إلى الإفراط في الجود حتى وهو حدث، ويرجع ذلك إلى أنه نشأ في كنف جده بعد إذ توفى عنه أبوه في سن مبكرة.

وغدا جوده مضرب المثل، فقد قيل: “أجود من حاتم”، ثم إنه لُقِّب بالجواد أو الأجود.

حاتم الطائي الغُلام:-

أول ما ظَهَر من جُودِ حاتم الطائي أنَّ أباه خَلَّفه في إبله وهو غُلام، فمرَّ به جماعةٌ من الشُّعراء الكِبار، فيهم عبيد بن الأبرص ، وبشْر بن أبي خازم ، والنَّابغة الذبياني، يريدون النُّعمان بن المنذر (ملك المناذرة في الحيرة).

فقالوا لحاتم: هل من قِرَى (الزَّاد)؟ ولم يعرفهم، فقال: تسألوني القرِى وقد رأيتُم الإبل والغَنَم! انزلوا.. فَنَحَرَ لكلِّ واحدٍ منهم، وسألهم عن أسمائهم فأخبروه، ففرَّق فيهم الإبل والغنم.

وجاء والد حاتم، فقال لابنه: ما فعلْت؟، قال: “طوَّقتُك مجدَ الدَّهر تطويق الحَمامة”، وعرَّفه بما فعل مع ضيوفه، فقال أبوه: “إذا والله لا أُسَاكِنَكَ أبداً ولا أوويك”، فقال حاتم: إذاً لا أُبالي، فاعتزله.

حاتم الطائي وشمائله المميزة:-

وكان إذا اشتد البرد وغلب الشتاء أمر غلمانه بنار فيوقدونها في بقاع الأرض؛ لينظر إليها من ضل عن الطريق ليلاً، فيقصدها، ولم يكن حاتم يمسك شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه، فإنه كان لا يجوز بهما، ثم جاد بفرسه في سنة مجدبة.

حاتم الطائي

العتبي عن أبيه قال: أتى رجل إلى حاتم الطَّائي فقال: إنَّها وقعت بيني وبين قوم ديَّات، فاحتملتها في مالي وأملي، فعدِمتُ مالي وكنتَ أملي، فإن تحملِها عنِّي فرُبَّ همٍّ قد فرَّجتَه، وغَمَّ كفيتَه، وديّنٍ قضيتَه، وإن حالَ دونَ ذلك حائلٌ لم أذمّ يومك، ولم أيأسْ من غَدِك، فحَمَلَها حاتم عنه.

وكانت زوجته ماويَّة تلومه على إنفاق المال، فلا يلتفت لقولها، وردَّ عليها بهذه الأبيات الرائعة:

أَمَاوِيَّ! قد طالَ التَّجنّبُ والهَجْـرُ.. وَقَدْ عَذَرَتْني مِنْ طِلابِكُمُ العُـذْرُ

أَمَاوِيَّ! إنَّ المالَ غَـادٍ ورائِـحٌ.. وَيَبْقَى مِنَ المالِ الأَحَادِيثُ وَالذِّكْرُ

أَمَاوِيَّ! إنِّي لا أَقُـولُ لِسَائِـلٍ.. إذِا جَاءَ يوماً حَلَّ في مالِنَـا نَـزْرُ

أَمَاوِيَّ! إمَّـا مَانِـعٌ فَمُبَيَّـنٌ.. وإمَّـا عَطَاءٌ لا يُنَهْنِهُـهُ الزَّجْـرُ

أَمَاوِيَّ! ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الفَتَـى.. إذا حَشْرَجَتْ نَفْسٌ وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ

وَمَا ضَرَّ جَارَاً، يَا ابْنَةَ القَوْمِ، فَاعْلَمِي.. يُجَاوِرُنِي، ألاَّ يَكُونَ لَـهُ سِتْـرُ

بِعَيْنَيَّ عَنْ جَارَاتِ قَوْمِـيَ غَفْلَـةٌ.. وَفِي السَّمْعِ مِنِّي عَنْ حَدِيثِهِمِ وَقْـرُ

وقد روي أنه قد مر نفر من عبد القيس بقبر حاتم فنزلوا قريباً منه، فقام إليه رجل يقال له: أبو الخَيبَرِيِّ وجعل يركض برجله قبره ويقول: اقرنا.
فقال بعضهم: ويلك ما يدعوك أن تعرض لرجل قد مات؟ قال: إن طيئاً تزعم أنه ما نزل به أحد إلا قراه.
ثم أجنهم الليل فناموا، فقام أبو الخيبري فزعاً وهو يقول: واراحلتاه! فقالوا له: مالك؟ قال: أتاني حاتم في النوم وعقر ناقتي بالسيف وأنا أنظر إليها، ثم أنشدني شعراً حفظته يقول فيه:

الخَيبَرِيِّ وَأَنتَ اِمرُؤٌ.. ظلومُ العَشيرَةِ شَتّامُهــا

أتيْتَ بصحبِكَ تبغي القِرَى.. لدى حفرةٍ قَدْ صدَّتْ هامُهــا

أتبغي ليَ الذَّمَ عَنْدَ المبيتِ.. وَحَولَكَ طيٌّ وَأَنعامُهـــا

فَإِنَّا سنُشبِعُ أَضيافَنــا.. ونأتي المطيَّ فَنَعتامُهـــا

حاتم الطائي – مكانته الشعرية:-

شعره كثير، ضاع معظمه، وبقي منه ديوان صغير، وقد عاصر الطائي مجموعة من الشعراء؛ منهم: النابغة، وبِشْر بن أبى خازم، وعَبِيْد بن الأبرص.

يخلو شعر حاتم الطَّائي في مجمله من الكلمات العويصة والتعقيد أوالتداخل في الجُمَل، كما كان عليه حال شعر غالبية فحول الجاهلية، حيث يُعتقد بأن سلاسة ووضوح شعر حاتم يعود إلى سببين:

الأول: أن حاتماً حضريٌ، يسكن قريةً ويستثمر نخلاً، ويخالِطُ قوماً متحضّرين تُخالف لهجتهم لهجات البلدية وخشونتها.

الثاني: أن قبيلة حاتم (طيء) كانت وثيقة الصِّلة بالحواضر في الشَّام والعراق، وبالتالي فهي تلتقي بأُناسٍ من مختلف القبائل ذوي اللهجات المختلفة، فتسعى لأن تكون لهجتها واضحة مفهومة، فتنتقي السلاسة والوضوح، كما أن الطَّريق إلى الشَّام من بلاد نجد ومن الحجاز عند مبدأ ظهور الإسلام؛ كان يمرُّ بأعلى بلادها، وهو الطَّريق المعروف قديماً باسم الجوشية، وهذا يقوّي صِلة قبيلة طيئ بمختلف القبائل العربية.

حاتم الطائي .. حديث ابن الأعرابي:-

قال ابن الأعرابي اللغوي والنسَّابة الشهير (150-231 هجري) عن حاتم الطائي: “كان جواداً يشبه جوده شعره ويصدق قوله فعله”.

وزاد “وكان حيثما نزل عرف منزلته، وكان مظفَّراً إذا قاتل غَلَب، وإذا سُئلَ وهب، وإذا سابق سبق، وأذا أسر أطلق”.

وأضاف اللغوي الشهير المتوفى في سامرَّاء: “كان (حاتم) إذا أهلَّ رجب الذي كانت تعظِّمه مُضر في الجاهلية؛ نَحَرَ كل يوم عشراً من الإبل وأطعم الناس، واجتعموا إليه”.

وفي أحد الأيام؛ قال ابن عمه مالك لماوية بنت غفير زوجة حاتم: “ما تصنعين بحاتم، فو الله لئن وَجَدَ مالاً ليتفلنَّه، وإن لم يجد ليتكفَّلن، ولئن مات ليتركَنَّ أولاداً عالة على قومك”، فقالت ماوية: “صدقت إنه كذلك”.

أبو عبد الله بن الأعرابي (150-231هـ)، راوية من أكابر أئمة اللغة العربية، وسم بالتعليم، قال ثعلب: انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي...

كرم ونجدة بالوراثة:-

لم يشُذ عَدي بن حاتم الطائي عن القاعِدة التي أرسى دعائمها والده، إذ لم يكُن بمقدور الابن إلَّا أن يتشرَّب من معين السجية والفضيلة التي عُرِفتُ بها شخصيةٌ نُسجت حولها قصص وروايات تصُب في اتجاه واحد متعدد الأوجه.. الكَرم والجُود وإغاثة الملهوف والمُحتاج وإكرام وفادةِ الضيف.

فقد سمِع عدي بن حاتم رجلاً من الأعراب وهو يقول: يا قوم: “تصدَّقوا على شيخٍ مَعِيل، وعابر سبيل، شهِدَ لهُ ظاهرُه، وسَمِعَ شكواه خالِقه، بدَنهُ مطلوبٌ وثُوبهُ مسلوب”.

فقال له عدي: مَن أنت؟ ، قال : رجلٌ من بني سعد في ديةٍ لزمتني، قال: فكَم هي؟ قال: مائة بعير. قال عدي: دُونكَها في بطن الوادي!.

وفي وضع آخر؛ رُوِيَ أنّ الأشعث بن قيس أرسَلَ إلى عَدي بن حاتم يستعير منه قُدُوراً كانت لأبيه حاتِم، فملأها مالاً وبعث بها إليه، وقال: إنَّا لا نعيرها فارغة.

قالت طريفة ما تُبقي دراهِمَنـا.. ومـا بنا سَرفٌ فيها ولا خرقُ

إن يفنَ ما عندنـا فاللـهُ يرزُقنـا.. ممن سِوانـا ولَسنا نحنُ نرتزقُ

ما يـألف الدِّرهم الكاريُّ خرقتنـا.. إِلَّا يمر عليـهـا ثم ينطلـقُ

إنَّـا إذا اجتمعت يومـاً دراهِمـنا.. ظلت إلى سُبُل المعروفِ تستبقُ

حاتم الطائي يصوِّر نفاذ المال

نهاية مسيرة:-

مات حاتم الطائي في عوارض جبل في بلاد طيء سنة 46 ق.هـ-605م.

اقرأ ايضا النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:

  • الأعلام (2/151).
  • خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب (3/129).
  • ديوان شعر حاتم الطائي وأخباره، يحيى بن مدرك الطَّائي.
  • المستطرف في كل فن مستظرف (179).
  • معجم المؤلفين (3/173).
  • قصص العرب، إبراهيم شمس الدين.
  • موجز دائرة المعارف الإسلامية (11/3351).
  • وفيات الأعيان (2/14).
  • سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون.
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي، تحقيق: محمد سعيد العريان.
  • المقطعات الشعرية في الجاهلية وصدر الإسلام، مسعد بن عيد العطوي.
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق