معلومات تاريخية

جيش البخاري .. العبيد الذين تحولوا إلى سادة

الحاق الذكور بمدرسة عسكرية ليتعلموا امتطاء صهوة الخيل واستعمال الأسلحة

جيش البخاري – توطئة:-

جيش البخاري هو بمثابة قوة نظامية أسسها السلطان العلوي مولاي إسماعيل بهدف تعزيز سلطته وتثبيت دعائم حكمه والقضاء على خصومه الداخليين وأعدائه الخارجيين .

من هو السلطان مولاي إسماعيل ؟

مولاي إسماعيل هو السلطان الثالث للدولة العلوية، اعتلى عرش المغرب سنة 1672 م  وهو في ريعان الشباب خلفا لأخيه المولى الرشيد، حيث كان يبلغ من العمر 26 سنة، وكان يتميز بالذكاء والشجاعة، فضلا عن خبرة كبيرة في المضمار العسكري.

عمارة المغرب
فترة من التقلبات شهدها المغرب

قضى في الحكم نحو خمسين عاماً استطاع خلالها القضاء على خصومه الداخليين وتوحيد المغرب تحت سلطته وتوسيع نفوذ دولته من البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى حدود السودان الغربي جنوبا ( السنغال، غينيا حاليا ) كما ذكر ذلك معاصره المؤرخ أبو عبد الله الأفراني المراكشي، و قام بتحرير مجموعة من المدن المحتلة من قبل إسبانيا و بريطانيا  مثل المهدية وأصيلا (أصيلة) والعرائش وطنجة، وفي عهده بلغت الدولة العلوية أوج ازدهارها واستقرارها.

 توفي السلطان مولاي إسماعيل عام 1727 م بمدينة مكناس ودفن فيها.

وضعية المغرب الأقصى زمن السلطان مولاي إسماعيل

حينما اعتلى السلطان مولاي إسماعيل عرش المغرب سنة 1672 م لم يكن قد مر على تأسيس الدولة العلوية سوى سنوات قليلة، ولم تكن تبسط سيطرتها إلا على مناطق قليلة في الجنوب الشرقي والشرق، أما باقي المناطق؛ فقد كانت تتنازعها مجموعة من القوى أهمها الزوايا الدينية كالزاوية الدلائية في الأطلس المتوسط، والزاوية السملالية في الجنوب، إضافة إلى بعض القوى الأجنبية كبريطانيا وإسبانيا اللتان كانتا تحتلان مجموعة من المدن الساحلية المغربية.

وأمام انقسام البلاد وانتشار الفوضى؛ وضع السلطان نصب عينيه توحيد البلاد وتثبيت دعائم حكمه والتصدي للتهديدات الخارجية، لكنه كان يفتقد إلى جيش قوي ومنظم يساعده في تحقيق أهدافه.

من الجدير ذكره بأن السلالة العلوية جاءت من مدينة ينبع (الواقعة حالياً في السعودية)، وهي تنسب نفسها إلى محمد النفس الزكية حفيد الإمام علي بن أبي طالب كرّمَ الله وجهه، وقامت بحكم المغرب منذ العام 1666م.

بداية القصة .. التفكير في تأسيس جيش البخاري

  بسبب انتشار النهب والفوضى في المغرب؛ قام السلطان مولاي إسماعيل باستشارة الفقيه القاضي محمد بن العياشي عن القبيلة الأنسب التي يمكن له أن يتخذ منها جيشا، فأشار عليه الأخير بجمع العبيد الذين سبق وأن كانوا جنودا في جيش المنصور السعدي أيام حكم الدولة السعدية ( كانت تحكم المغرب قبل قيام الدولة العلوية )، باعتبارهم ملكا للدولة ولا حق لهم في الانفصال عنها.

أحد أحياء المغرب في العام 1904 م
أحد أحياء المغرب في العام 1904 م – مكتبة الكونغرس

قام السلطان باختيار الباشا أبي حفص عمر بن قاسم المراكشي المدعو عليليش للقيام بمهمة جمع العبيد، فكانت البداية من دفتر يجمع فيه ما تبقى من عبيد جيش المنصور السعدي وذريتهم، وفيما بعد أسقطت الدولة ملكية الناس عن عبيدهم لتشتريهم منهم وتجعلهم  سندا لها في حروبها، ثم ازداد الأمر غلوا حيث  تم جمع كل السود حتى الأحرار منهم ودمجهم في الجيش الجديد الأمر الذي أثار حفيظة العلماء، وأدى إلى خلاف بينهم وبين السلطان.

العلماء يعارضون السلطان

 بمجرد الإعلان عن نية السلطان تأسيس جيش البخاري تصاعد الخلاف بينه وبين العلماء وعلى رأسهم علماء مدينة فاس، وتركز الخلاف حول السود الأحرار الذين يطلق عليهم الحراطين ( حر ثاني )، حيث رفض العلماء منح السلطان الشرعية لتكريس العبودية مؤكدين أن جميع الناس سواسية ولا يجوز استعبادهم مطالبين في الوقت ذاته برفع  ظلم رجال السلطة من عمال وقادة وجباة الضرائب .

  راسل السلطان شيخ الجماعة في فاس محمد بن عبد القادر الفاسي في محاولة لإقناع العلماء بمسألة تملك الحراطين، مبررا ذلك بتقاعس المدن والقبائل عن تزويده بالجند، واستمرت المراسلات مع شيخ الجماعة حتى وفاة هذا الأخير سنة 1704 م.

صبية مغاربة في العام 1904 م
صبية مغاربة في العام 1904 م – مكتبة الكونغرس

 ورغم محاولات السلطان؛ إلا أن العلماء ظلوا يتمسكون بموقفهم، الأمر الذي جعله يمضي في تنفيذ مشروعه متحديا معارضتهم، فقام بإرسال قائده عبد الله الروسي ليتولى مهمة جمع الحراطين، وصولاً إلى إرغام العلماء على توقيع وثائق بيع الحراطين.

ورغم ذلك؛ امتنع ثلاثة من كبار العلماء عن التوقيع على هذه الوثيقة أو الصك وهم : قاضي المدينة العربي بردلة ومحمد ميارة وعبد السلام جسوس فنقلهم القائد إلى مكناس لمقابلة السلطان.

حرب الفتاوي .. العلماء في مواجهة السلطان

بعد فشل السلطان في استمالة أشهر علماء الدين للحصول على موافقتهم في استعباد السود الأحرار؛ قام بشن حملة تستهدف تشويه سمعتهم وصورتهم الاجتماعية واصفا إياهم بطلبة العلم الفاشلين رغم أنهم كانوا قامات علمية كبيرة.

وفي صيف العام 1708 م، عقد السلطان وبعض العلماء المؤيدين له أمثال الفقيه القاضي أبو العباس أحمد بن ناجي السجلماسي مناظرة مع نظرائهم المعارضين في محاولة أخيرة لاجبارهم على تغيير موقفهم، وقد برر السلطان والمؤيدون له موقفهم بحجة كون الحراطين من نسل العبيد الأمر الذي يجيز للدولة شرعا تملكهم، في حين رد معارضوهم بكون هؤلاء أحرارا حريتهم لا شبهة فيها، ولا يمكن نزعها إلا بموجب شرعي.

وبعد فشل السلطان في تغيير موقف العلماء وبخهم وأمرهم بالحديث مع عليليش، إلا أن الفقيه عبد السلام جسوس رفض ذلك، وعندما هم السلطان بالخروج أمسكه من ثوبه وقال له : ” اجلس تسمع ما قال جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم”، فنثر السلطان ثوبه وخرج، وقام بعدها الباشا اعليلش بتحريض السلطان مولاي إسماعيل على الفقيه ، الأمر الذي دفع بالسلطان إلى مصادرة أموال عبد السلام جسوس وبيع دوره وكتبه وممتلكاته والأمر بسجنه وتعذيبه، وبعد مضي سنة استشهد الفقيه عبد السلام جسوس في سجن فاس يوم صيف العام 1709 م.

صورة مسجد
تباين آراء العلماء حيال التوجه نحو التعامل مع العبيد

تأسيس جيش البخاري

بعد حسم مسألة الخلاف مع العلماء، وجمع عدد كبير من العبيد والحراطين؛ قام السلطان بإحضار نسخة من كتاب صحيح البخاري وخاطب العبيد قائلا : ” أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله عليه السلام وشرعه المجموع في هذا الكتاب، فكل ما أمر به نفعله، وكل ما نهى عنه نتركه وعليه نقاتل ”  فعاهدوه على السمع والطاعة وسُمُوا بجيش البخاري، وأمرهم بأن يأتوه بأبنائهم وبناتهم اذا بلغوا العاشرة من عمرهم لتتولى الدولة شؤون تربيتهم.

مدرسة عسكرية

أحيل عبيد البخاري بعد ذلك إلى مدرسة عسكرية ذات نظام دقيق ومنهاج تربوي صارم من أجل رعايتهم وتربيتهم وتدريبهم، فكان يجري هناك تهيئة الذكور على امتطاء صهوة الخيل واستعمال الأسلحة ليكونوا جنودا أيام الحرب، وعمالا يقومون بأعمال البناء والنجارة وصنع مواد البناء أيام السلم، أما الفتيات؛ فكان يتم توزيعهن على عريفات في التربية ليتعلمن تدبير شؤون البيت وتربية الأولاد ومساعدة الأزواج.

كانت تدريبات جنود عبيد البخاري تستغرق سبع سنوات، تختار بعدها لكل جندي زوجة من خريجات مدرسة البنات، ويسجل في ديوان الجيش ويقدم إلى قائد عسكري يتولى الإشراف عليه وعلى مجموعته ويراقبها، ثم يتم توزيعهم بعد ذلك  على القلاع المنتشرة في المغرب.

تعرف على الحشاشون .. أشهر فرقة اغتيالات في التاريخ الاسلامي

توحيد البلاد على يد جيش البخاري

 وقد ساهم هذا الجيش المدرب والمنظم في مساعدة السلطان مولاي إسماعيل على تحقيق هدفه في توحيد المغرب والقضاء على خصومه الداخليين، والتصدي للأطماع الخارجية وتحرير مجموعة من المدن المحتلة من طرف الإسبان والإنجليز كمدن العرائش وأصيلا والمهدية و طنجة، إضافة إلى توسيع حدود الدولة، غير أن وفاة السلطان مولاي إسماعيل سنة 1727 م؛ أعادت المغرب إلى المربع الأول وذلك بسبب انتفاضة وتمرد جيش البخاري ومن ثَم تحكمهم في مقاليد الحكم، وقد بلغ عدد أفراد جيشهم آنذاك نحو 150 ألفاً.

مدينة طنجة
الرحالة والجغرافي الإدريسي يصف طنجة خلال الفترة التي عاش فيها

العبيد أهل الحل والعقد

 بعد وفاة السلطان مولاي إسماعيل؛ أصبح العبيد هم الحكام الفعليين للدولة وذلك بسبب نفوذ جيش البخاري الواسع وسيطرته على مفاتيح ومغاليق الاقتصاد والسياسة، ولم يكن السلاطين العلويون سوى لعبة بأيديهم، فتحول بذلك جيش البخاري إلى دولة داخل الدولة يقوم أفراده بتولية وعزل السلاطين حسب أهوائهم، وهكذا تعاقب على حكم المغرب خلال مدة قصيرة إحدى عشر سلطانا من أبناء السلطان مولاي إسماعيل.

قام العبيد بالانتقام من القاضي أبي العباس أحمد بن ناجي السجلماسي وأقدموا على صلبه، ثم قاموا بمبايعة المولى أحمد  الذي أغدق عليهم وأجزل لهم العطاء حتى سمي بالذهبي.

وكان الذهبي يستشير العبيد في كل صغيرة وكبيرة، وأدى ضعفه إلى تسلطهم على الناس، الأمر الذي دفع أهل فاس إلى الثورة عليه ونقض بيعته.

وبعد امساكه للعطاء عن العبيد؛ قاموا بخلعه وتولية أخيه عبد الملك بن إسماعيل الذي قام بنفي شقيقه – الذهبي – إلى سجلماسة ، لكن بعض العبيد من أتباع الذهبي طاردوا السلطان الجديد عبد الملك إلى فاس، وأعادوا السلطان أحمد الذهبي إلى الحكم مرة أخرى.

إحدى مدن المغرب وذلك في العام 1904 م – مكتبة الكونغرس

عطاء فعجز فنهب

ومن الحوادث الأخرى التي توضح تحكم عبيد البخاري في مقاليد الحكم؛ هي حادثة مبايعة  السلطان عبد الله بن إسماعيل بعد وفاة أخيه الذهبي، حيث كان وقتها خارج المدينة، فأحضروه ووضعوه على سدة الحكم، فأجزل لهم العطاء في البداية، ثم عجز عن الاستمرار في ذلك، ما سمح للعبيد بنهب الناس في مدينتي فاس ومكناس.

وهكذا استمرت حوادث النهب والفوضى وتعيين وعزل السلاطين لمدة طويلة، حتى اعتلاء السلطان  محمد بن عبد الله ( محمد الثالث ) عرش المغرب سنة 1757 م، فقام بتحجيم نفوذ عبيد البخاري مستفيدا من أخطاء أبيه عبد الله بن إسماعيل، فاتخذ مراكش في الجنوب عاصمة له ليبتعد عن مناطق نفوذ عبيد البخاري (مكناس، فاس)، واتخذ سياسة قائمة على تفريق وتشتيت عبيد البخاري على مختلف مناطق المغرب لكسر شوكتهم.

مراكش
مراكش.. المدينة التاريخية والسياحية الشهيرة

عناصر جديدة يعتمد عليها

كما قام بالاعتماد على عناصر جديدة مستمدة من القبائل المتواجدة بوسط وغرب المغرب وأدمجها في الجيش ساعياً عبر ذلك إلى خلق التوازن بين القوى المكونة له، وقاطعا الطريق على أي فرقة من الجيش لتكوين نفوذ خاص بها، وبذلك استطاع القضاء على مدبري الفساد .

المصادر المعتمدة :

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى