انفوجرافيكسنوادر العرب

جميل بثينة وقصة الحب العذري

كانت النساء كثيرات حول جميل، يحاولن إقناعه أن بثينة متزوجة، ولا أمل في وصلها، ولكنه لم يكن يرى سواها.

كان جميل بثينة من شعراء الغزل العذري، نسبة إلى قبيلته عذرة، وهي قبيلة اشتهرت بذاك النوع من الحب العفيف الطاهر، وكان أهلها إذا أحبوا ماتوا لحرمانهم من محبوباتهم، حتى رُوي أن رجلًا سئل :”من من أنت؟”.. فقال :”من قوم إذا أحبوا ماتوا”، فصاحت جارية :” عذري ورب الكعبة”، وقد سئل أحدهم عن سبب ذلك الهوى الذي يقتل صاحبه والإخلاص العميق، فقال إنهم يرون عيونًا لا يراها غيرهم، يقصد أن أهل القبيلة اتسموا بالجمال.1

وعندما كان يحب أحداً منهم امرأة كان يذكرها في شعره، ويتغزل بها، ثم لما يشتهر خبره يخطبها، فيرفض والدها أن يزوجه بها حتى لا يُقال إنه زوجه بها حتى يخفي العار ويستر الفضيحة، ويزوجها لأول رجل يتقدم لها ويرتضي الزواج بها.

 القصة:-

كانت بثينة ابنة عم جميل ويلتقي نسبه بها في حن بن ربيعة، وقد أحبها وهو صغير وهي جارية لم تدرك بعد، وليست بثينة أول من أحب جميل، ولكنه كتب شعرًا في أختها أم الحسن، وعندما أحب بثينة لم يكتب شعرًا في غيرها، وجعل قلبه وشعره لها.

وأوَّلُ مَــــا قـادَ المَـــوَدَّةَ بيـنَنـا.. بِــــوَادي بَغيـضٍ يـا بُثَيْنَ سِـبَابُ

جميل بثينة جسد قصة الحب العذري العفيف

خطب جميل بثينة من والدها، ولكنه رفض حتى لا يُصدق القال ويُظن أنه زوجها به سترًا للعار، وقرر تزويجه بأول خاطب، والذي كان نبيه بن الأسود.

وهذا جعل جميل يهيم بها أكثر ويتألم لفراقها، وهي كانت في موقف لا تحسد عليه، فيجب عليها الوفاء لزوجها، وقلبها معلق بجميل.

وبالرغم من ذلك فقد كانا يتقابلان سرًا ويتحدثان طويلًا ثم يودعها وينصرف، وكانت أخواتها تساعدنها على لقائه ويحتلن على والدها وزوجها.

أموتُ وأَلْـقى اللَّـهَ يا بَثْـنَ لـمْ أَبُـحْ.. بِـسِرِّكِ، والمُسْـتَخبِرونَ كثيرُ

شكوى جميل بثينة للوالي وإهدار دمه:-

لقد قامت بعض الشعراء بهجاء جميل عله يفيء، كما هجاه أخو بثينة جواس، وشبب بأخته، فهجاهم جميعًا، وغلبهم.

فلم يجد أهلها بد من شكواه إلى الوالي، لأنه يهجوهم، ويتسلل إلى بيوتهم، فما كان من الوالي إلا أن اهدر دمه إن تعرض لهم مرة أخرى فلهم أن يقتلوه.

ولكن أهل بثينة لم يقتلوه خوفًا من قيام حرب بينهم وبين أهله بسبب قتله، فقد كان أهل جميل أعز من أهلها.

فأعادوا الشكوى إلى العامل الجديد مروان بن هشام الحضرمي الذي  هدده وتوعد بقطع لسانه، ففر هاربًا إلى اليمن، فلما عزل الوالي عاد مرة أخرى.

ألا لَـيتَنـي أَعْـمَـى أَصَــمُّ تَقـودُنـي.. بُثـينــــةُ لا يَـخْفـى عَـلَيَّ كـلامُـها

جميل بثينة وكثير عزة:-

تقابل كثير عزة وجميل وشكيا إلى بعضهما ما يلقيان من عدم القدرة على مقابلة المحبوبة، فقال كثير عزة لجميل بثينة أنه سيكون رسوله إليها، فهل هناك علامة بينه وبينها، فطلب منه أن يذهب إليهم في مكان معين، ويتحدث مع أبيه، ففعل وأنشده شعره في عزة، وبينما هما يتحدثان سمعا صوت بثينة من وراء الخدر تقول :”اخسأ” فلما تعجب والدها قالت :”كلب يأتي إذا نام الناس في رابية”.

جميل بثينة .. قصة تناقلتها الأجيال

ففهم كثير أن هذه هي العلامة وأخبر جميل بثينة بها، فتقابلا وتحدثا ليلًا طويلًا.

 وقد ذهب جميل في إحدى المرات رسولًا لكثير عزة، فعندما قابلها ظلت تنظر لجميل طويلًا، فقد كان وسيمًا بينما كُثير دميم؛ مما جعل كُثير يغار ويندم أنه لجأ إلى جميل بثينة .

رحيل جميل إلى مصر ووفاته:-

كانت النساء كثيرات حول جميل ، يحاولن إقناعه أن بثينة متزوجة، ولا أمل في وصلها، وأن هناك من هي أجدر بحبه منها، ولكنه لم يكن يرى سواها.

جميل رحل لمصر تاركاً بثينة خلفه

فلما لم يجد أن هناك أمل في وصلها، قرر الرحيل إلى مصر عند عبد العزيز بن مروان، وودع  بثينة قبل رحيله.

فأَفْنَيْــتُ عَـيْشي بانتِظاريِ نَـوالَهـــا.. وَأَبْلَيْتُ فيهـا الدَّهرَ وَهْـوَ جَـديدُ

ولما حضرته الوفاة قال لمن معه :”ما تقول في رجل لم يزن قط، ولم يشرب الخمر قط، ولم يقتل النفس التي حرم الله، ومع هذا يشهد أن لا إله إلا الله” فقال :”والله لقد نجا”، ثم قال :”لكنك لم تسلم – يقصد من الزنا-” فقال إنه لم يضع يدها على بثينة ريبة قط.

قُومــيِ بُثينــةُ فانْدُبــي بِعَويـــلِ.. وابْكـــي خِليلَكِ دُونَ كلِّ خليلِ

من آخر الأبيات التي نظمها قبل وفاته

ولما علمت بثينة بخبر وفاة جميل بن معمر حزنت لموته حزنًا شديدًا، وقالت هذه الأبيات، ولم يحفظ عنها غيرها:

وإن سلــوي عني يا جميــل لساعــة.. مِــنَ الدَّهر ما جاءت ولا حان حينها

ســـواءٌ عليــنــا يا جميـــلَ بن معمــر.. إن مِـتَّ بأسـاءُ الحياة ولينها

مات جميل بثينة بعيداً عن موطنه

وإِني لأستَحيي مِنَ النَّـــاس أن أُرى.. رَدِيفــــاً لوَصــل أو عليَّ رديــفُ

وأشـربُ رَنْـقــاً مِنْــكَ بَـعْـدَ مـــوَدَّةٍ.. وأرضى بِوَصْـــلٍ مِنْـكَ وهــوَ ضَعِيــفُ

وإِنِّــــيَ لِلمَـــاءِ المُخَـــالِـطِ للقَــذَى.. إذا كثُــرَت وُرَّادهُ لَعَـــيُوفَ

جميل بثينة

المصادر:

  • الشعر والشعراء لابن قتيبة، دار المعارف، الطبعة الأولى.
  • ديوان جميل بثينة، دار بيروت، طبعة 1982.
  • طبقات فحول الشعراء، لابن سلام الجمحي، ص 669، ص 670، دار المدني بجدة.
  • عارف حجاوي، أول الشعر، عُصارة الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي.

https://pixabay.com/photos/desert-camel-sand-pyramid-dry-3217765/

https://pixabay.com/photos/hijab-headscarf-portrait-veil-3064633/

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى