أعلامانفوجرافيكس

جمال الدين القفطي .. الوزير الكاتب المؤرخ

كان صدراً محتشماً، جمَّاعا للكتب، تساوي مكتبته خمسين ألف دينار

جمال الدين القفطي:-

علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى، جمال الدين، أبو الحسين الشيباني القِفْطي المصري، وزير مؤرِّخ من الكُتَّاب، وُلِدَ بقِفْط من الصعيد الأعلى بمصر، سنة 568هـ، كان أبوه من الكُتَّاب المشهورين، وكانت أمه امرأة صالحة حسنة العبادة فصيحة اللهجة.
هو عربي صريح النسب، كريم النبعة، ينتمي إلى قوم من شيبان، نزحوا من الكوفة برفقة القبائل العربية التي قصدت مصر بعد الفتح الإسلامي.

وقد وصَفَ ابن جبير (المتوفَّى عام 1217م)، بلدة قفط التي ينتسب إليها جمال الدين وذلك أثناءَ زيارة الرحَّالة الأندلسي الشهير لمصر.

وقال في كتابِ رِحلة ابن جبير: “وهي مدينةٌ بشَرقي النيل، وعلى مقدار ثلاثة أميال من شَطِّه، وهي من المُدُن المذكورة في الصَّعيد حُسناً ونظافةَ بُنيان وإتقان وضع”.

مكانته ومناصبه:-

كان القِفْطي من الكتَّاب المشهورين، وكان أبوه القاضي الأشرف كاتباً أيضاً.

وقد كان جمال الدين بارعاً في مجموعة من العلوم؛ كاللغة، والنحو، والفقه، والحديث، وعلوم القرآن، والأصول، والمنطق، والنجوم، والهندسة، والتاريخ، والجرح والتعديل.

وقد سكن القفطي حلب، فولي بها القضاء في أيام الملك الظاهر، ثم الوزارة في أيام الملك العزيز سنة 633هـ، وأُطلِقَ عليه لقب “القاضي الأكرم”.

وكان الوزير القفطي صدراً محتشماً، جمَّاعا للكتب، تساوي مكتبته خمسين ألف دينار، لا يحب من الدنيا سواها، ولم يكن له دار ولا زوجة.

تجربة القفطي في حلب:-

في صدّرِ أيامه في حلب الشهباء؛ صاحَبَ القفطي ميمون القصري صديق والده، ورفيقه في الرحلة إلى المدينة السورية الشمالية، وأحد الولاة الذين صار لهم نصيب من السلطان، فلازمه بنيةِ الصداقة والمودَّة، لا بُغية العمل والخدمة وتحقيق المآرب والمصالح.

وفي هذه المدة؛ اجتمع القفطي بجماعة من علماء المدينة والقادمين إليها من غيرها، واستفاد بمحاضراتهم، وتفقّه بمناظراتهم.

الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب
الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب

ثم عقَدَ جمال الدين العزم على الشروع في شراء الكتب واقتنائها وجلبها مهما كلَّف الثمن، ومن بعد ذلك استطارت شهرته في الآفاق، وتوافد عليه الوراقون والناسخون وباعة الكتب، كما قصد داره العلماء والشعراء وذوي الفضل.

ومن بين أبرز تلك الشخصيات البارزة التي قصدته؛ ياقوت الحموي صاحب “معجم الأدباء”، فآواه جمال الدين إلى ظله وأنزله في داره، وأفرد له مكاناً في مجلسه، وعرف فيه ياقوت الفضل والعلم، فأذاع بفضله في كل محفل، وروى عنه فيما صنَّف من الكتب، وأهدى إلى خزانته كتابه المفضَّل “معجم البلدان”.

شِعر القفطي:-

للوزير جمال الدين القفطي شعر؛ منه قوله:

ضـدَّان عندي قصَّــرا هِمَّـــــتـي .. وجــــه حــــيي ولسان وقــــاح

إن رمت أمــراً خــانني ذو الحيـا .. ومقــول يطمعـني في النــــجاح

فأنثــــنــي فــي حــيــرة منهـــمـــا .. لـــي مخلب ماض وما مـن جناح

شــبه جبــان فر من مــــعــرك .. خـــوفاً وفي يمناه عضب الكفاح

خاض القفطي في عدد من فنون الأدب
خاض القفطي في عدد من فنون الأدب

عفة الوزير جمال الدين القفطي:-

قال: كنت وأنا صبي قد قدمت من مصر واستصحبت إلى قِفْط سنوراً أصبهانياً على ما تقتضيه الصبوة، واتفق أن ولدت عدة من الأولاد في دارنا، فنزل سنور ذكر فأكل بعض تلك الجراء، فغمَّني ذلك وأقسمت أن لا بدَّ لي من قتل الذي أكلها، فصنعت شِركاً ونصبته في علِّيَّة في دارنا وجلست، فإذا السنور قد وقع في الحبالة، فصعدت إليه وبيدي عكَّاز وفي عزمي هلاكه، وكان لنا جيرة وقد خرب الحائط بيننا وبينهم، ونصبوا فيه بارية إلى أن يحضر الصنَّاع، وكان لربِّ تلك الدار بنتان لم يكن فيما أظن أحسن منهما صورةً وجمالاً وشكلاً ودلالاً، وكانتا معروفتين بذلك في بلدنا، وكانتا بكرين، فلما هممت بقتله إذا قد انكشف جانب البارية، فوقعت عيني على ما بهر المشايخ فكيف الشبان حسناً وجمالاً؟! وإذا هما تُومِئان إليَّ بالأصابع تسألاني إطلاقه، قال: فأطلقته ونزلت وفي قلبي منهنَّ ما فيه؛ لكوني كنت أول بلوغي، والوالدة جالسة في الدار لمرض كان بها، فقالت لي: ما أراك قتلته كما كان عزمك، فقلت لها: ليس هو المطلوب إنما هو سنور غيره، فقالت: ما أظنَّ الأمر على ذلك، ولكن بالله هل أُومِىءَ إليك بالأصابع حتى تركته؟ فقلت: ومن يُومِىءُ إليَّ؟ لا أعرف معنى كلامك، فقالت: عليَّ ذلك يا ابني؟ اسمع مني ما أقول لك:

ثنتان لا أرضى انتهاكَــــهُما ..

عِرْسُ الخَلِيلِ وَجَارَةُ الجَنْبِ

وكان مع هذا البيت بيت آخر أنسيته. قال: فو الله لكأنَّ ماء وقع على نارٍ فأطفأها، فما صعدت بعد ذلك إلى سطحٍ ولا غرفةٍ إلى أن فارقت البلاد.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال الذهبي: “كان عالماً متفنناً، جمع من الكتب شيئاً كثيراً يتجوز الوصف، وَوَزَرَ بحلب”.
  • قال ابن شاكر الكتبي في «فوات الوفيات»: “كان صدراً محتشماً كامل السُّؤدد، جمع من الكتب ما لا يوصف وقصد بها من الآفاق، وكان لا يحب من الدنيا سواها، ولم يكن له دار ولا زوجة، وأوصى بكتبه للناصر صاحب حلب، وكانت تساوي خمسين ألف دينار، وله حكايات غريبة في غرامه بالكتب، وهو أخو المؤيد ابن القفطي”.
  • قال ياقوت الحموي: “اجتمعت بخدمته في حلب، فوجدته جمَّ الفضل كثير النبل عظيم القدر سمح الكفِّ طلق الوجه حلو البشاشة، وكنت ألازم منزله ويحضره أهل الفضل وأرباب العلم، فما رأيت أحداً فاتحه في فنٍّ من فنون العلم؛ كالنحو واللغة والفقه والحديث وعلم القرآن والأصول والمنطق والرياضة والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل وجميع فنون العلم على الاطلاق؛ إلا وقام به أحسن قيام، وانتظم في وسط عقدهم أحسن انتظام”.

شهادة ابن العبري في القفطي:-

تناول ابن العبري فضائل القفطي وسيرة حياته، وذلك في كتابه المعروف بـ”تاريخ مختصر الدول”. وقال ابن العبري – المتوفى عام 1331 م: .. ” وكان من الفضلاء في هذه السنين؛ القاضي الأكرم جمال الدين القفطي مصنف كتاب تاريخ الحكماء، مولده بقفط من أعمال صعيد مصر سنة ثماني وستين وخمسمائة، رحل أبوه طفلاً وأسكنه القاهرة المعزّية، وبها قرأ وكتب وشدا شيئاً من الأدب”.

وزاد ابن العبري” ثم خرج (القفطي) إلى الشام، فأقام بحلب وصحِب بها الأمير المعروف بالميمون القصري، واجتمع في هذه المدة بجماعة من العلماء واستفاد بمحاضرتهم وفقه بمناظرتهم”.

الرحالة الكبير ابن بطوطة يصف مدينة حلب خلال زيارته لها
الرحالة الكبير ابن بطوطة يصف مدينة حلب خلال زيارته لها

وأضاف “ثم لازمَ منزله بعد وفاة الأمير المذكور (الميمون القصري)، إلى أن أُلزِم بالخدمة في أمور الديوان في أيام الملك الظاهر، فتولى ذلك وهو كارهٌ للولاية متبرمٌ بها، فلما مات الملك الظاهر؛ عاد (القفطي)، فاتقطع في منزله مستريحاً من معاناة الديوان، مجتمع الخاطر على شأنه من المطالعة والفكرة، منقبضاً عن الناس مُحباً للتفرد والخلوة، لا يكاد يظهر لمخلوق”.

ثم قلَّدهُ الملك العزيز وزارته سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فلم يزل في هذا المنصب مدة أيام الملك العزيز والملك الناصر ابنه، حتى توفي ثالث عشر رمضان سنة ست وأربعين وستمائة، بحسب ابن العبري.

مؤلفات جمال الدين القفطي:-

  1. المحمدون من الشعراء: رتبه على الآباء وبلغ به محمد بن سعيد.
  2. إنباه الرواة على أنباه النحاة.
  3. إخبار العلماء بأخبار الحكماء.
  4. المنتخبات الملتقطات من تاريخ الحكماء والأطباء.
  5. تاريخ النُّحاة.
  6. أخبار المصنفين وما صنفوه.
  7. أخبار السَّلْجُوْقِيَّة.
  8. أخبار مصر.
  9. تاريخ اليمن.
  10. الدر الثمين في أخبار المتيمين.
  11. أخبار آل مِرْدَاس.
  12. إصلاح خلل الصحاح للجوهري.
  13. نهزة الخاطر ونزهة النَّاظر في أحسن ما نقل من ظهور الكتب : كتاب في الأدب.
  14. الضاد والظاء: كتاب في ما اشتبه في اللفظ واختلف في المعنى والخط.
  15. مشيخة تاج الدين الكندي.

وفاته:-

توفي الوزير جمال الدين القفطي في حلب، في شهر رمضان، سنة 646هـ، تاركاً وراءه قرابة ثلاثين كتاباً ضاع أكثرها، ولم يصلنا سوى كتاب واحد كامل، ومختصران له اختصرهما غيره، ومختصر لكتاب آخر، وقطعة من كتاب ثالث.


المصادر:

  • الأعلام (5/33).
  • سير أعلام النبلاء (23/227/رقم 145).
  • فوات الوفيات (3/117).
  • رحلة ابن جبير.
  • معجم الأدباء (5/2022/رقم 855).
  • تاريخ مختصر الدول، ابن العبري.
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة، جمال الدين القفطي، مقدمة الكتاب.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى