أعلام

جمال الدين الأفغاني.. أحد أبرز أعلام النهضة والإصلاح

دعا إلى تجديد الصِّلات الحضارية مع الغرب، واقتباس المناسب من حضارته

اسمه ونشأته:-

محمد بن صفدر الحسيني، جمال الدين الأفغاني من أبرز الفلاسفة المسلمين، وأحد أعلام النهضة والإصلاح، وُلِدَ في أسعد آباد بأفغانستان سنة 1254هـ-1838م، ونشأ بكابل.

مسيرة السيد جمال الدين الأفغاني الإصلاحية ورحلاته:-

تلقى العلوم العقلية والنقلية، وبرع في الرياضيات، وسافر إلى الهند، وحج سنة 1273هـ، وعاد إلى وطنه، فأقام بكابل، وانتظم في سلك رجال الحكومة في عهد دوست محمد خان، ثم رحل ماراً بالهند ومصر، إلى الآستانة سنة 1285هـ، فجعل فيها من أعضاء مجلس المعارف.
ونُفِيَ منها سنة 1288هـ فقصد مصر، فنفخ فيها روح النهضة الإصلاحية في الدين والسياسة، وتتلمذ على يديه مفتي الديار المصرية الإمام محمد عبده، وغيره الكثير.

وأصدر أديب إسحاق -وهو من مريديه- جريدة «مصر»، فكان جمال الدين يكتب فيها بتوقيع (مظهر بن وضاح)، أما منشوراته بعد ذلك فكان توقيعه على بعضها (السيد الحسيني) أو (السيد).

أحد شوارع القاهرة في العام 1860م
أحد شوارع القاهرة في العام 1860 م – مكتبة الكونغرس

ونفته الحكومة المصرية سنة 1296هـ، فرحل إلى حيدر آباد، ثم إلى باريس، وأنشأ فيها مع الشيخ محمد عبده جريدة «العروة الوثقى».

ورحل رحلات طويلة، فأقام في العاصمة الروسية بطرسبرج -كما كانت تسمى- أربع سنوات، ومكث قليلاً في ميونيخ الألمانية، حيث التقى بشاه إيران ناصر الدين، ودعاه هذا إلى بلاده، فسافر إلى إيران، ثم ضيق عليه، فاعتكف في أحد المساجد سبعة أشهر، كان في خلالها يكتب إلى الصحف مبيناً مساوئ الشاه، محرضاً على خلعه.
وخرج إلى أوربا، ونزل بلندن، فدعاه السلطان عبد الحميد إلى الآستانة، فذهب وقابله، وطلب منه السلطان أن يكف عن التعرض للشاه، فأطاع.

وعلم السلطان بعد ذلك أنه قابل عباس حلمي الخديوي، فعاتبه قائلاً: أتريد أن تجعلها عباسية؟ ومرض بعد هذا بالسرطان، في فكه، ويقال: دُسَّ له السم، وتوفي بإسطنبول.

كانت كلمة جمال الدين قد شقَّتْ كالمِحراثِ في الجُمُوعِ النَّائمةِ طريقها، فأحيَت أمواتاً، ثم ألقَت وراءها بذوراً لفكرةٍ بسيطة: فِكرة النُّهوض، فسُرْعَان ما آتت أُكُلها في الضمير الإسلامي ضعفين، وأصبَحَت قويَّةً فعَّالة، بل غيَّرَت ما بأنفسِ النَّاسِ من تقاليد، وبعثتهم إلى أسلوبٍ في الحياةِ جديد.

— مالك بن نبي (1905-1973 م)

إتقان الأفغاني لعدة لغات:-

– كان يجيد العديد من اللغات؛ وأبرزها: العربية، والأفغانية، والفارسية، والسنسكريتية، والتركية، والإنجليزية، والفرنسية.

أقوال المفكرين والمؤرخين فيه:-

  • وصفه المفكر العربي الأمير شكيب أرسلان (1869-1946 م) بالقول عنه: “فيلسوف الإسلام، وعلم الأعلام، وكوكب الإصلاح الذي أطلعه الله في أُفُق المشرق بعد أن اشتدَّ به الظَّلام، حجة الشرق الناهضة، وآية الحق الباهرة”.
  • وقال عنه الإمام محسن الأمين (1867 -1952 م) : ”  جمال الدين الأفغاني.. متوقِّد الذَّكاء، فصيح الكلام بليغه، عالي الهِمَّة، حسن الأخلاق، جريء، ميَّال بطبعه إلى مُعارضة الحُكَّام، والدَّعوة إلى الإصلاح”.
  • وقال عنه عالم تونس الكبير الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور (1909-1970 م) : “حكيم، صوفي، زاهد، متواضع.. كانت سنوات إقامته بمصر هي طور بروز حكمته ومعرفته، والإصداع بدعوته في الإصلاح الديني، حتى لقد بعث ما كان مهجوراً من مواد الثقافة الإسلامية وطرائقها، بتدريس (الكلام)، و(الحكمة) و (الرياضيات)، وتحريك مثارات المباحث، وفتح مسالك النَّظَر، وتهيئة فرص التقرير والتحرير، وصقل ملكاتهما بالنَّقد والمران..”.
  • أما الأستاذ الشيخ محمد عبده (1849-1905 م) الذي شاركه في رحلة الفكر والنِّضال؛ فقد قال عن الأفغاني : “كمال الخبرة، وطول العشرة..، فكأنه حقيقة كلية تجلَّت في كل ذهن بما يلائمه، أو قوَّة روحية قامت لكلِّ نَظَر بشكل يشاكله.. وبالجملة، فإنني لو قلت: إن ما أتاه الله من قوَّة الذِّهن، وسعة العقل، ونفوذ البصيرة، هو أقصى ما قُدِّر لغير الأنبياء، لكُنتُ غير مبالغ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو فضل عظيم”.
  • كما قال عنه المؤرخ جرجي زيدان (1861-1914 م): ” لقد نشأ الأفغاني قطباً من أقطاب الفلسفة، وعاش ركناً من أركان السياسة، وتوافرت فيه قوى الفلاسفة ومواهب رجال الأعمال”.
  • وقال الدكتور محمد عمارة حيال الجدل بشأن قومية الأفغاني أو طبيعة انتمائه الطائفي: ” لن يعيبه أن يكون إيرانياً أو أفغانياً.. ولن ينقص من قدره أن يكون شيعيَّاً أو سُنيَّاً؛ لأنَّه مُسلم تشرُف به كل أقاليم الإسلام وجميع مذاهبه، كما شرُفَ عالم الإسلام ويشرُف بالأعلام البارزين من السُّنّة والشِّيعة، أفغانيين وإيرانيين.. وفيما وراء إيران وأفغانستان”.
  • وذكره المستشرق اليهودي البولندي جولد سيهر بالقول عنه: ” كان جمال الدين الأفغاني من أبرز أعلام الإسلام في القرن التاسع عشر، أثَّرَ تاثيراً كبيراً في الحركات الحُرَّة والدُّستورية، وسعى إلى إيقاظ الشُّعور الوطني وتحرير الدُّول الإسلامية من النُّفوذ والاستغلال الأوروبي”.

نقطة الضعف عند الأفغاني متمثلة في رفضه فكرة الحضارة الأوروبية وقيمها، بينما يقبل علمها وتطبيقات هذا العلم.

لويس عوض

منهج الأفغاني الديني:-

تتجلى رؤيته الدينية من خلال النقاط التالية:

  1. كان من أبرز دعاة الوحدة الإسلامية، يرى السنة والشيعة أبناء مذهب واحد، إذ لم يكن الأفغاني متمذهباً بالمعنى الضَيِّق لمصطلح “المذهب”، كما شاع في الحياة الفكرية المعاصرة له واللاحقة لعصره، وإنَّما كان مسلماً مجتهداً، لقد كان يأخذ إسلامه من المصادر الأصلية للإسلام، ولا يُقلِّد في ذلك مذهباً من مذاهب المسلمين، فقد كان “يشرب الماء من النهر، لا من الساقية”.
  2. تصدى للتعصب والفرقة التي عصفت بالأمة الإسلامية.
  3. دعا إلى إنشاء جامعة إسلامية تضم جميع المسلمين.
  4. دعا إلى الاهتمام باللغة العربية؛ لأنها لغة الإسلام والقرآن الكريم.
  5. شجَّع على الاجتهاد والاستنباط، وعدَّة ضرورة، وخاصة بما يتوافق مع روح الحضارة والزمن، ونبذ التقليد والجمود، فقد كان يرى بضرورة وجود حركة دينية، تعنى بقلع ما رَسَخَ في عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية، ونصوص الشريعة على غير وجهها الحقيقي، وبعث القرآن وتعاليمه الصحيحة بين الجمهور، وشرحها على وجهها الثابت.

الشرق! الشرق !! لقد خصَّصْتُ جهاز دماغي لتشخيص دائه وتحَرِّي دوائه!

الأفغاني

تمسك جمال الدين الأفغاني بالقومية:-

تتجلى نظرته إلى القومية من خلال النقاط الآتية:

  1. دعا إلى التمسك بالقومية، والحرب على القومية هي غاية استعمارية لتقويض الأمة وإخضاعها وإذلالها واستغلالها.
  2. دعا إلى التمسك باللغة والمحافظة عليها؛ لأنها أهم أسس القومية، وبدونها تموت القومية؛ فهي العنصر الذي يحفظ سياج الأمة، فالأمم تتميز عن غيرها باللغة.
  3. حث على التمسك بالعروبة؛ لأنها من أسس الدين الإسلامي؛ لهذا يجب الاهتمام بها وتعلمها.
  4. لا يرى أي تناقص بين الإسلام والقومية.
  5. قال بضرورة تعريب الدولة، بل وبتعريب الشعب التركي، لتصبح الدولة العثمانية تجسيداً لأمَّة عربية، حتى تستفيد من فعاليات العرب والعروبة في مواجهة ما يفرضه عليها خصومها من تحديات، وليعود للأُمَّة العربية دورها القائد في المحيط الإسلامي، على أن يكون لمصر دور القائد في المحيط لما تتمتع به من ثقل تاريخي وحضاري وواقعي.
مصر صاحبة دور محوري في بناء ثقافة وماضي وحاضر ومستقبل المنطقة

نضاله:-

مقت الاستعمار وتصدى له؛ لأن الاستعمار يقوِّض الأمة وينهب خيراتها ويسعى لإخضاعها وإذلالها وإضعافها؛ ولهذا قام بإنشاء الحزب الوطني سنة 1879م، ودعا من خلاله إلى قيام حكم دستوري نيابي وطني في مصر، وآمن بالديمقراطية، ورأى أن لا قيمة لمجلس نيابي إلا إذا كان معبراً عن إرادة الشعب، والحرية تؤخذ ولا تعطى.
شجع الأفغاني المقاومة الشعبية للاستعمار، وفضَّلها على الحرب النظامية، وهذا ما دفعه لخوض الحرب الوطنية الشعبية ضد الإنجليز، والتي انتصر فيها.

كما قام بإنشاء تنظيم جمعية العروة الوثقى؛ لمناضلة الإنجليز، وأصدر مجلة أو دورية العروة الوثقى الأسبوعية التي:

  • تهتم بدفع ما يُرمى به الشرقيون عموماً والمسلمون خصوصاً من التُّهَم الباطلة التي يوجهها إليهم من لا خبرة له بحالهم ولا وقوف على حقائق أمورهم وإبطال زعم الزَّاعمين أن المسلمين لا يتقدمون إلى المدنية ما داموا على أصولهم التي فاز بها الأولون.
  •  لا تَهِن في تبليغ الشرقيين ما يمسُّهُم من حوداث السياسة العمومية، وما يتداوله السياسيون في شؤونهم مع اختيار الصادق وانتقاء الثابت.
  • تراعي في جميع سيرها تقوية الصِّلات العمومية بين الأمم وتمكين الأُلفة في أفرادها وتأييد المنافع المشتركة بينها والسياسات القويمة التي لا تميل إلى الحيف والإجحاف بحقوق الشرقيين.

لمَّا جاء تيار التجديد الديني الذي تبلور من حول جمال الدين الأفغاني؛ شعرت الدوائر الاستشراقية و “المتغربون” بخطره الأكبر؛ لأنَّهُ ينزِع عن “التغريب” الجدوى والمشروعية، ويقدِّم البديل الإسلامي الضَّامِن لتقدُّم الأُمَّة دون أن تنفصل عن مواريثها الحضارية ودون أن تفقد ذاتيها وهويتها، جاء الأفغاني وتياره ليرفض الجُمود والعلمانية، وأن نكون أوروبيين في الحضارة، وأن نقف في فهمنا للقومية عند الفهم العلماني الغربي لها، ودعا إلى “الجامعة الإسلامية”، وإلى تأسيس النَّهضة الحديثة على قواعد “التمدُّن الإسلامي” وإلى تجديد الدِّين كسبيلٍ لتجديد الدُّنيا.

د. محمد عمارة

دعوة الأفغاني للسلام:-

دعا إلى السلام، ومقت الحروب، واعتبر السلام هو خلاص الشعوب ومقياس حضارتها وتقدمها.

ودعا إلى تجديد الصِّلات الحضارية مع الغرب، واقتباس المناسب من حضارته، كما صنع العرب والمسلمون في العصر العباسي، ليتمكن الشَّرق من العودة إلى التأثير والعطاء الحضاري مرَّةً أُخرى.

كتب جمال الدين الأفغاني:-

  1. تتمة البيان في تاريخ الأفغان.
  2. تاريخ إيران وتاريخ الأفغان.
  3. العروة الوثقى.
  4. رسالة الرد على الدهريين: ترجمها إلى العربية تلميذه الشيخ محمد عبده.
  5. البيان في الإنجليز والأفغان.

من مقولات الأفغاني:-

  • وإنَّا معشر المسلمين إذا لم يؤسَّس نهوضها وتمدُّننا على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير لنا فيه، ولا يمكن التخلُّص من وصمة انحطاطنا وتأخُرنا إلَّا عبر هذا الطَّريق.
  • إنَّ ما نراه اليوم من حالةٍ ظاهرةٍ فينا، من حيث الرُّقي والأخذ بأسباب التمدُّن؛ هو عين التقهقر والانحطاط، لأنَّنا في تمدُّنِنا هذا مُقلِّدون للأمم الأوروبية، وهو تقليدٌ يجرُّنا بطبيعته إلى الإعجاب بالأجانب، والاستكانة لهم، والرِّضَا بسلطانهم علينا، وبذلك تتحول صبغة الإسلام – التي من شأنها رفع راية السُّلطة والغلب – إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحُكْم الأجنبي.
  • إن مقاومة الأهالي أشدُّ بأضعاف مضاعفة من القوى العسكرية المجتمعة في أماكن مخصوصة تحت قيادة رؤساء معينين تنهزم بانهزامهم.
  • إن السبب في انتشار الجامعة الإسلامية الاقتصادية، هو عوامل الاستنزاف، واحتياز موارد الثروة في الشرق.
  • واتفق أهل الخير على أن للعالم – الذي ثبت حدوثه- مُحْدَثاً، أزلياً، أبدياً، لم ينقطع وجوده في آن من الآنات الماضية، ولا ينقطع في آنٍ من الآنات المستقبلية، .. إذ من البديهي أنَّ المعدوم لا يوجَد إلَّا بموجِد، .. فالعالم ينتهي إلى مُحدِث قديم، فهو أزلي، وما كان أزلياً استحال أن لا يكون أبديَّاً.

وفاته:-

توفي جمال الدين الأفغاني في إسطنبول سنة 1315هـ-1897م، ونقلت رفاته إلى بلاد الأفغان سنة 1363هـ.

أفغانستان ذات التضاريس الوعرة في عام 1850م
أفغانستان ذات التضاريس الوعرة في عام 1850 م – المكتبة الرقمية العالمية

المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى