أعلام

جلال الدين الرومي .. أيقونة الصوفية المولوية

«المثنوي» أهم مصنفات الرومي، وقد تُرجِمَ إلى التركية، وشُرِحَ، وطُبِعَ بها وبالعربية وبالفارسية

جلال الدين الرومي:-

محمد بن محمد بن الحسين بن أحمد، جلال الدين البَلْخِيُّ القُوْنوِيُّ الرُّوميُّ، من فحول شعراء الصوفية في الإسلام، عرف باسم مولانا جلال الدين الرومي وأطلق عليه لقب “سلطان العارفين”، وُلِدَ في بَلْخ سنة 604هـ، وانتقل مع أبيه إلى بغداد سنة 608هـ، فترعرع بها في المدرسة المستنصرية حيث نزل أبوه، ولم تطل إقامته؛ لأن أباه قام برحلة واسعة، ومكث في بعض البلدان مدداً طويلة، وهو معه، ثم استقر في قُوْنِيَةَ التركية سنة 623هـ.

مكانته الدينية:-

عُرِفَ جلال الدين بالبراعة في الفقه الحنفي وغيره من العلوم الإسلامية، وتولى التدريس بقُوْنِيَةَ في أربع مدارس، وذلك بعد وفاة أبيه سنة 628هـ، وخدم المولى محمد بن الحاج حسن، ثم صار مدرِّساً بمدرسة المولى المذكور بالقسطنطينية، ثم صار قاضياً بعدَّة من البلاد.

من أقوال جلال الدين الرومي

تصوف جلال الدين الرومي:-

ترك التدريس والتصنيف والدنيا وتصوَّف سنة 624هـ، وصرف جميع أوقاته في العلم والعبادة، وكان محققاً مدققاً، ذا شيبة نيِّرة، من الصالحين، فشُغِلَ بالرياضة، وسماع الموسيقى، ونظم الأشعار وإنشادها.

لقاء فارق مع شمس الدين التبريزي:-

وكان للقائه بالشيخ الصوفي شمس الدين التبريزي أعظم الأثر في حياته العقلية والأدبية، فقد وفد شمس الدين في تجواله على مدينة قُوْنِيَةَ، وفيها لقي جلال الدين فأصبح له عليه سلطان عظيم، واعترف الرومي بفضل أستاذه عليه، فأهدى إليه طائفة كبيرة من كتبه.

الانقطاع للتصوف وتأسيس المولوية:-

وانصرف جلال الدين إثر هذه المقابلة عن دراسة العلوم وانقطع للتصوف، وأسس الطريقة المولوية (الدراويش الراقصون)، وجعل للموسيقى محلاً ممتازاً في محافل هذه الطريقة، ويرأس الطريقة واحد من سلالة جلال الدين يعيش في قُوْنِيَةَ، ويُطلَق عليه اسم جلبي، ويُلقَّب جلال الدين الرومي عادة بلقب مولانا.

لقد كانَ الشَّيخُ الحكيمُ جلال الدين الرُّومي يتمتَّع بمناقبٍ ساميَةٍ، وأخلاقٍ عاليةٍ، وأفكارٍ عرفانية مُبدِعَة، لم نعثُر في كتاباتهِ وأشعارهِ على ما يدلُّ على أنَّهُ حَاوَلَ التقرُّب من الملوك أو أصحابِ النُّفوذِ والسُّلطانِ، بل على العكسِ؛ ارتبَطَ ارتباطاً وثيقاً بتلاميذهِ ومريديه، ووَقَفَ ذاتهُ على مساعدةِ الفُقَرَاء والمُحتاجين، وتقديمِ المُساعداتِ للضعفاء والمعوزين، بأمانةٍ وإخلاصٍ، وابتعَدَ عن كلِّ ما يمتُّ إلى السِّياسةِ والإمارةِ والمُلْكِ بأيَّةِ صِلَةٍ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ.

— الباحث والدكتور السوري مصطفى غالب (1923-1982م).

المثنوي .. يكتسب شهرة عالمية

المثنوي أهم مصنفات جلال الدين الرومي، وقد تُرجِمَ إلى التركية، وشُرِحَ، وطُبِعَ بها وبالعربية وبالفارسية، وهو ملحمة ومنظومة صوفية فلسفية في 25700 بيت، في ستة أجزاء، تختلط فيها الأساطير والحكايات والتأملات، وتتخللها أبيات عربية، وقد قصد بها جميعاً إلى تصوير المذاهب الصوفية وتفسيرها، وقد صرف جلال الدين الرومي أربعين سنة في نظمها.

اللذة والمتعة في حال الصبر عند القراءة:-

وهذا الكتاب مفكك الأوصال من حيث التأليف، فالقصص تتتابع في غير نظام، والأمثال التي يضربها توحي بتأملات، وهذه توحي بأخرى، وهذه توحي بغيرها، ومن ثم تتخلل الرواية استطرادات طويلة، ويظهر أن هذا الافتقار إلى النظام كان نتيجة الإلهام الشعري الذي كان يسوق الشاعر أمامه سوقاً ويقفز به، فإذا صبر القارئ على ذلك فإنه يأنس في هذا الكتاب لذة ومتعة، ولعل قراءته دفعة واحدة تجهد القارئ، ولكنه إذا عمد إلى فتح هذه الملحمة الكبيرة عرضاً، وقرأ منها بضع صفحات، فلا شك أنه يتأثر بها تأثراً بالغاً.

شعره يكتنفه الروعة والتنوع:-

لجلال الدين الرومي ديوان شعر ورسالة نثرية عنوانها «فيه ما فيه»، وهذه الرسالة غير معروفة في فارس، ولكن يوجد منها عدة نسخ في مكتبات إستانبول، إن جلال الدين شاعر من الطبقة الأولى، يتصف بخلال مختلفة أشد الاختلاف؛ إذ نلمس في شعره تنوع الأخيلة وأصالتها، ونحس فيه الجلال والروعة، وسعة العلم، وشدة الأسر، وعمق الشعور والتفكير.

فلسفة جلال الدين الرومي أقل ابتكاراً من أشعاره:-

جلال الدين الفيلسوف أقل ابتكاراً من جلال الدين الشاعر، فتعاليمه هي تعاليم الصوفية، وقد عبَّر عنها في أسلوب يتأجج حماسةً، ولكنه لم ينهج في عرضها نهجاً ما، فكانت ثَورة الشعر تشتط بالفكرة أحياناً، وإذ شئنا أن نقيم هذه الفلسفة فلا بد لنا أن نجمع عناصرها المبعثرة في ثنايا كتاب «المثنوي»، وأن نخرج منها بطائفة من أصولها.

التأثر الرومي بالفكر الإفلاطوني:-

وفي فلسفة جلال الدين الرومي كثير من الآراء الأفلاطونية الجديدة؛ كما هي الحال عند غيره من كُتَّاب المتصوفة، وقد عبَّر عن بعضها الآخر في جرأة متناهية، فلا يلتمس له من أسباب غفرانها إلا سبب واحد، وهو الصياغة الشعرية هي التي دفعته إليها.

تأثير كبير خلَّفه الرومي وأستاذه التبريزي

الحديث عن التناسخ ووحدة الوجود:-

وثمة فقرة أخرى مشهورة فيها ضرب من التناسخ: “أموت وأنا حجر ثم أغدو نبتاً، وأموت وأنا ثبت ثم أُرفَع إلى مرتبة الحيوان. وأموت وأنا حيوان ثم أُبعَث إنساناً … وأموت وأنا إنسان ثم أعود إلى الحياة ملاكاً … بل سأشرف على الملاك فأغدو شيئاً لم تره عين إنسان، ثم أستحيل بعد ذلك عدماً، عدماً”، وهنالك فقرة يتجلى فيها القول بوحدة الوجود، وحَّد الشاعر جلال الدين الرومي فيها بين نمْسه وبين الطبيعة بأسرها.

مختارات من أشعار جلال الدين الرومي:-

هذا فُتاتُ القوتِ لا يُؤكَل،

ولا كِسرةُ الحِكمةِ هذهِ تُكتشَفُ بالنَظَر.

ثَمَّةَ لُبُّ اللُّب في كُلِّ امرئءٍ

حتى أن جِبريلَ لا يعرفُ بالسَّعي للمعرفة.

تتلَكَّأ بعضُ الليالي حتى الشفَقَ

كَيما يُوذِنُ القمر للشمسِ أحياناً.

فكُن مثل قادوسٍ مُترعٍ جَرَّ دروبَ الظَّلام

مِن بئرِهِ، ثمّ يُصعِدُها إلى النوِر.

المثنوي .. يكتسب شهرة عالمية
المثنوي .. يكتسب شهرة عالمية

ويتحدَّث هنا عن المحبة واللقاء:

ما أسعدَ تلك اللحظة حيث نجلس في الإيوان أنا وأنت!

نبدو نقشين وصورتين ولكننا روح واحد أنا وأنت!

إن لون البستان وشَدْو الطيور يهبنا ماء الحياة،

في تلكَ اللَّحظةِ التي نذهِبُ فيها إلى البُستان أنا وأنت!

وتقبل نجوم الفلك رانية إلينا بأبصارها

فنجلو القمر نفسهُ لتلك الأفلاك أنا وأنت

أنا وأنت، بدون أنا وأنت، نبلغ بالذوق غاية الإِتحاد

فنسعدُ ونستريحُ من خرافات الفرقة إلى أنا وأنت!

وسيأكُلُ الحَسَدُ طيور الفلك، ذات الألوان الباهرة

حينما تشاهدنا نضحَكُ جذلين على تلك الصورة أنا وأنت

في العام 644 هجري (1246 م)؛ اشتعلت فتنة كبرى في أرجاء مدينة قونية، وفيها قُتِلَ كلٌّ شمس الدين التبريزي إلى جانب نجل الرومي الأكبر (علاء الدين)، إذ عاش جلال الدين فترة عصيبة ولحظات مؤلمة ناتجة عن فقدانهما، فهتف بقصائد لاهبة مليئة بالحزن اللاعج الدَّفين، والغَزَل الدِّيني العميق، وأسماها “ديوان شمس تبريز”، ومما قاله من قصيدةٍ له:

من ذا الذي قال إن شمس الرُّوح الخالدةِ قد ماتت؟

ومن الذي تجرأ على القول بإنَّ شمْسَ الأمل قد تولَّت؟

إنَّ هذا ليس إلَّا عدوَّاً للشَّمْس وقف تحْتَ سَقْف،

وربط كلتا عينيه ثمَّ صاح: ها هي ذي الشَّمْس تموت.

وحينما شَرَعَ الرومي في نظم “المثنوي”، أي بعد سنوات من فقدانه التبريزي، صديقه الروحي، فقد أدرَجَ الأول قصائد يستشعر قارئها بمقدار وفائه لرفيق دربه وأستاذه وملازمه، حيث قال:

وحين جاء وجهُ شمسُ الدِّين حَجَبت شمسُ السَّماءِ الرَّابعةِ وجهها

ومَا دَامَ قد ذُكِرَ؛ فقد وَجَبَ علينا أن نقومَ بشرحِ رمز من إنعامهِ

فهذا الشذي قد جذب انتباه روحي، إذ وجدتُ فيهِ رائحة قميصَ يوسُف

فبحقِّ صُحبة السِّنين، اذكُر لنا حالاً من أحوالهِ الطَّيبة

حتى تضحَكَ الأرضُ والسَّماء، وتزداد قُدرة العقل والرُّوحِ والعين مائة مرة!

وماذا أقول، وليس فيَّ عِرْقٌ واعٍ، ليشرَحَ حالَ ذلكَ الرَّفيقَ الذي لا نِدَّ له؟

جلال الدين الرومي

وفاة جلال الدين الرومي في قونية:-

استمر يتكاثر مريدوه وتابعو طريقته، إلى أن توفي الرومي بمدينة قونية سنة 672هـ، وقبره فيها معروف إلى اليوم، في تكية أصبحت متحفاً يضم بعض مخلفاته ومخلفات أحفاده.

وقد حظي مولانا بعد موته بتكريم وتقدير وتعظيم يوازي أو يزيد عما شهده في حياته، إذ رُصِدَت الأموال الكثيرة لبناء ضريحٍ له، أقيمت فوق القُبَّة الخضراء، وقد خصَّص الوزير معين الدولة لهذا الغرض 130 ألف درهم، كما قام علم الدين قيصر، وهو أحد أثرياء قونية، بالتبرُّع بنحو ثلاثين ألف درهم.











المصادر:

  • الأعلام (7/30).
  • شذرات الذهب بأخبار من ذهب (10/289).
  • رباعيات مولانا جلال الدين الرومي، تأويل محمد عيد إبراهيم.
  • موجز دائرة المعارف الإسلامية (31/37).
  • مكتبة الكونغرس الأمريكية.
  • جلال الدين الرومي، الدكتور مصطفى غالب.
  • متحف الميتروبوليتان.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى