أعلام

جرير .. من أغزل الناس شعراً

إِنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا

جرير بن عطية الخطفي التميمي البصري، المولود سنة 28 هجرية، وعطية اسم والده والذي كان رجلاً مضعوفاً، أما الخطفي؛ فهو لقب جدَّهُ حُذيفة بن بدر بن يربوع.

أما والدته؛ فهي حِقّة بنت معبد الكلبية، وبحسب الفيروز أبادي؛ فإن الحقَّة هو لقب لاسم أم جرير.

نشأ في اليمامة في أسرة لا تمتلك حظوة أو مكانه  بارزة أو ثروة يُعتدُّ بها، بيد أن ذلك لم ينل من عزيمة الشاعر الكبير الذي فاخَرَ بها وبأبيه، وذلك في خِضمِّ مواجهته  للشعراء الكُثُر الذين تعرضوا له بالهجاء، فأخزاهم جميعاً، ونال منهم، ولم يثبت له إلا الأخطل والفرزدق.

سبب تسميته:-

رأت أم جرير في نومها وهي حامل به كأنها ولدت حبلاً من شعر أسود، فلما وقع منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه، حتى فعل ذلك برجال كثيرة، فانتبهت مرعوبة، فأوَّلَتِ الرؤيا، فقيل لها: تلدين غلاماً شاعراً ذا شرٍّ وشدة شكيمة وبلاء على الناس، فلما ولدته سمته جريراً باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها، والجرير الحبل.

مكانته الشعرية:-

كان من فحول شعراء الإسلام، مدح يزيد بن معاوية، وخلفاء بني أمية، وكان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً، وله ديوان شعر مطبوع، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض، وكان قد التقى جرير والفرزدق بمِنى وهما حاجَّان، فقال الفرزدق لجرير:

إِنَّكَ لاقٍ بالمشاعرِ مِن مِنىً ..

فَخاراً فَخَبِّرني بِمَن أَنتَ فاخِرُ؟

فقال له جرير: لبيك اللهم لبيك! فاستحسن الناس هذا الجواب من جرير وأُعجِبوا به. ولما مات الفرزدق وبلغ خبره جريراً بكى، وقال: “أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجماً واحداً، وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلما مات ضد أو صديق إلا وتبعه صاحبه، وكذلك كان”.

 وقد فاق الشعراء في الفخر والمديح والهجاء والنسيب، فمن الفخر قوله:

إذا غَضِـبَـتْ علـيـكَ بـنـو تـمـيـمٍ.. حَسِبْـتَ الـنَّـاسَ كُلَّـهُـمُ غِضَـابـا

ومن المديح قوله:

أَلَستُـم خَيـرَ مَن رَكِـبَ المَطـايـا .. وَأَنـدى العالَمينَ بُطونَ راحِ

ومن الهجاء قوله:

فَـغُـضَّ الطَّــرفَ إِنَّــكَ مِـن نُمَيــــرٍ .. فَـــلا كَعباً بَلَغْتَ وَلا كِلابا

وقال مهدِّداً بني حنيفة:

أبَني حَنيفَــةَ احكِـمُــوا سُفهَــاءَكُــمْ.. إِنّي أخافُ عَلَيكُــمُ أنْ أغضَــبَـا

أبَنــي حَنيفَـــةَ إنّـنـي إن أهجُــكُـــمْ .. أدَعِ اليَــمَامَةَ لا تُواري أرْنَــبــَا

ومن النَّسيب قوله:

إِنَّ العُيــونَ الَّتي في طَرفِهــا حَــوَرٌ .. قَتَلنَنـا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا

يَصــرَعنَ ذا اللُّبَّ حَتّى لا حِـــراكَ بِهِ .. وَهُـنَّ أَضعَفُ خَلقِ اللَهِ أَركانا

نوادر جرير:-

  • سأله رجل: من أشعر الناس؟ قال له: قم حتى أُعرِّفَك الجوابَ، فأخذ بيده، وجاء به إلى أبيه عطيَّة، وقد أخذ عنزاً له، فاعتقلها، وجعل يمص ضرعها، فصاح به: اخرج يا أبتِ، فخرج شيخ دميم رث الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال: أترى هذا؟ قال: نعم، قال: أوَتعرفه؟ قال: لا، قال: هذا أبي، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟ قال: لا، قال: مخافةَ أن يُسمَعَ صوتُ الحَلْبِ فيُطلبَ منه لبن، ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعراً وقارعهم به، فغلبهم جميعاً.
  • قدِم جرير المدينة، فأتاه الشعراء وغيرهم وأتاه أشعب فيهم، فسلَّموا عليه وحادثوه ساعة ثم خرجوا، وبقي أشعب، فقال له جرير: أراك قبيحاً وأراك لئيم الحسب ففيم قعودك وقد خَرَجَ النَّاس؟ فقال: أصلحك الله؛ إنه لم يدخل عليك اليوم أحد أنفع لك مني. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني آخذ رقيق شعرك فأُزيِّنُهُ بحُسن صوتي، فقال له جرير: فقُل: فاندفع يغنيه:

يا أختَ نـاجيـة الســــــلام عليكــمُ .. قبــل الرحيل وقبل لوم العُذَّلِ

لــو كُنتُ أعلــمُ أن آخــر عهـدكــم .. يــوم الرحيل فعلتُ ما لم أفعلِ

فاستخفَّ جرير جرير بن عطية الخطفي الطرب لغنائه بشعره، حتى زحَفَ إليه واعتنقه وقبَّلَ ما بين عينيه، وسأله عن حوائجه فقضاها له.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال ابن خَلِّكان: “هو أشعر من الفرزدق عند أكثر أهل العلم بهذا الشأن، وأجمعت العلماء على أنه ليس في شعراء الإسلام مثل ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل”.
ابن خلكان يتحدث عن جرير بن عطية الخطفي
ابن خلكان صاحب “وفيات الأعيان”
  • قال أبو عبيدة عن جرير: “”كان مع حُسْنِ تشبيهه عفيفاً، وكان الفرزدقُ فاسقاً، وكان يقول: ما أحوجهُ إلى صلابة شِعري، وأحوجني إلى رِقَّة شِعره”.
  • قال محمد بن سلام الجمحي: سمعتُ يونس بن حبيب يقول: ما شهدتُ مشهداً قطّ وذُكِرَ فيه جرير والفرزدق فاجتَمَعَ أهلُ المجلسِ على أحدهما، وقال أيضاً: “الفرزدق أشعرُ خاصَّة وجرير أشعرُ عامَّة”.

سمات جرير وشعره:-

على الرُّغم من أنَّه كان فاحشاً مُقذعاً في هجائه، بيد أنه كان عفيفاً في غزله، متعفِّفاً في حياته لا يعهر ولا يشرب الخمر، ولا يشهد مجالس القيان، يتظاهر بالتديُّن والتعصُّب للإسلام، وكثيراً ما عيَّر الأخطل بدينه، والفرزدق برقَّة دينه،، وهنا يهجو الفرزدق ويفخر بتميم:

إنَّ الفَـــــرَزدَقَ أخـــزَتهُ مَثَــالِبُــــهُ .. عَبــدُ النَّهارِ وَزَاني الليلِ دَبَّابُ

لا تَهـجُ قَيسـاً ولَكِــن لــو شـكَرتـهـمُ .. إنَّ الَّلئيمَ لأهلِ السّروِ عَيَّابُ

قَيسُ الطَّعانِ فلا تَهجو فَوَارِسَهُم.. لحاجبٍ وأبي القعقاعِ أربَابُ

فاسأل تَميماً مَن الحامُونَ ثَغرَهُمُ.. والوَالِجونَ إذا ما قُعقِعَ البَابُ

وكان إلى ذلك أنوفاً، لا ينام على ظلم أو ضيم، تتبع في هجائه مساوئ خصمه أو ما يعتبر أنه صاحب نقائص، فيعيره ويهجو ما فيه من عيوب، وإن لم يعثر على شيء يشفي غلته؛ اخترع قصصاً شائنة وألصقها بمهجوِّه، وعَيَّرهُ بها، فعل ذلك بجعثن شقيقة الفرزدق، مع أنها كانت صاحبة سيرة محمودة ومشهود لها بالعِفَّة والشرف.

وشعره على رقته وهلهلته في الغزل والرثاء، لا يقلُّ، في أكثر مدحه وهجائه خشونةً وإغراباً عن شِّعر الفرزدق، ومعانيه وعناصر تعبيره ومواد فخره هي ذاتها في جميع قصائده، حتى أنه يلجأ أحياناً إلى تكرار الألفاظ والتعابير التي قالها في قصيدة سابقة، بحسب ما قاله كرم البستاني.

جرير .. صاحب الاسم الكبير في الموروث الثقافي العربية
جرير .. صاحب الاسم الكبير في الموروث الثقافي العربية – تعبيرية

وفاة جرير:-

توفي جرير بن عطية الخطفي في اليمامة سنة 110هـ وقيل 114 ه، وذلك بعد الفرزدق بشهر واحد، وقد رثى الأخير قائلاً:

فـلا حمَـلَــت بَعـدَ الفَــرَزدَقِ حُــــرَّةٌ .. وَلا ذاتُ حَملٍ من نفاسٍ تَعَلَّتِ

هُوَ الوافِدُ المَجنُــورُ والحامِــلُ الذي .. إذا النَّعلُ يوماً بالعَشيرةِ زلَّتِ

إذا، فقد أسدل جرير السِّتار على مسيرة حافلة، ليلتحق بخصمهِ الألد إلى الموت، لتبكيه الضاد، وترثيه الشعراء: متفنِّناً أصيلاً، وشاعراً فذَّاً قل أن تجود لغتنا العظيمة بأمثاله، شاعراً غزِلاً رقيقاً، وهجَّاءً ساخراً.

وودَّعه نجله بلال بعبرات غِزار أودعها رائيته التي يقول فيها:

إنِّي رأيــتُ جـريـراً يــــومَ فارقَنــا .. أبكــى ربيعةَ واختلت له مُضرُ

مات المُحامي عن الأحساب قد عَلِموا.. والمحرز السبق لما أُغلِيَ الخطرُ

المصادر:

  • الأعلام (2/119).
  • سير أعلام النبلاء (4/590/رقم 227).
  • ديوان جرير بشرح محمد حبيب، تحقيق نعمان محمد أمين طه.
  • ديوان جرير ، دار بيروت للطباعة والنشر.
  • وفيات الأعيان (1/321/رقم 130).
  • موسوعة طرائف ونوادر العرب.

https://www.loc.gov/item/2016817333/

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى