أعلام

جرجي زيدان .. المؤرخ والكاتب القصصي

أنشأ في مصر المجلة الأدبية «الهلال»، التي بقيت تصدر أعدادها لمدة 22 عاماً

اسمه ونسبه:

جُرْجِي بن حبيب زيدان ، مؤرخ وكاتب قصصي، وُلِد جرجي ببيروت سنة 1278هـ-1861م، ونشأ بها.

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:

ولد جرجي زيدان في أسرة مسيحية فقيرة، ولم يتلق تعليماً منتظماً، وإنما علَّم نفسه بنفسه في جميع فروع المعرفة تقريباً، وعندما كان في الخامسة من عمره أرسله والده إلى مدرسة يديرها القسيس الياس شفيق، ثم مدرسة الشوَّام لتعلم اللغة الفرنسية، ثم إلى مدرسة المعلم مسعود الطويل؛ حيث تعلم اللغة الإنكليزية.

لما بلغ الثانية عشرة من عمره تعلم صناعة الأحذية، ومارسها عامين ليعود إلى مطعم أبيه، الذي تعرَّف فيه على أكثر خريجي الكلية الأمريكية ورجال الصحافة، مما سهل له الانتظام في سلك جمعية شمس البر، التي أنشئت ببيروت، وكانت فرعاً لجمعية الشبان المسيحيين في إنكلترة.

قضى زمناً في كلية البروتستانت حيث نال إجازة الصيدلة سنة 1882م، ثم رحل بعد ذلك إلى مصر سنة 1883م، حيث عمل محرراً في صحيفة «الزمان» لمدة سنة، وكانت الجريدة اليومية الوحيدة في القاهرة بعد أن عطَّل الاحتلال الإنكليزي صحافة مصر بعد ثورة أحمد عرابي.

وفي هذه الفترة؛ انتظم جرجي زيدان في سلك المخابرات البريطانية، وفي عام 1884م رافق الحملة الإنكليزية التي أنفذت لإنقاذ غوردن، وكان ترجماناً في قلم الاستخبارات البريطانية، ثم عاد إلى بيروت، وأقام في لندن إقامة قصيرة عام 1886م، استقر بعدها في القاهرة، حيث عمل في التدريس والاشتراك في تحرير صحيفة «المقتطف»، استقال من «المقتطف» عام 1889م، واشتغل بالكتابة والتأليف، وكلَّفه روفائيل عبيد بتدريس اللغة العربية في المدرسة العبيدية، فبقي فيها عامين.

بيروت في العام 1935 م
بيروت في العام 1935 م

وفي سنة 1892م؛ أنشأ في مصر المجلة الأدبية « الهلال »، التي بقيت تصدر أعدادها لمدة 22 عاماً، وقد ارتبطت حياته ارتباطاً وثيقاً بهذه المجلة منذ ذاك إلى حين وفاته المبكرة، كتب فيها معظم مقالاته، كان صاحب همة عالية، كان يكتب في كل عام رواية جديدة، ويصدر مجلداً ذا صبغة تعليمية شعبية، وأصبحت مجلة « الهلال » أوسع المجلات العربية انتشاراً، واشتهر اسم زيدان بوصفه روائياً ومؤرخاً في المشرق الإسلامي بأسره.

اقتصر نشاطه الأدبي على مصر فيما عدا رحلتيه إلى أوروبا في عام 1886م و1912م، ولم تتسن له زيارة تركية إلا بعد الثورة؛ وذلك لبعض الأسباب السياسية، وزار إستانبول سنة 1908م، وفلسطين سنة 1913م.

“الهلال” من وجهة نظر إسلامية:-

هاجم أستاذ الأزهر الدكتور محمود الصاوي النموذج الذي قدمته مجلة الهلال للدراسات الاستشراقية، خصوصاً بعد عرضها لكتاب لمستشرق أساء فيه للإسلام.. وتوصل الدكتور الصاوي لما يلي:

  • من خلال عرض المجلة لكتاب “محمد وظهور الإسلام” لمرجليوث؛ اتضح أنها اختارت مؤلفاً لأحد أعلام المستشرقين الذين يزعمون بوجود قصور في القرآن الكريم، وهو مؤلِّف يهاجم الإسلام والمسلمين دون مواربة ناتجة عن الإحساس بالحقد.
  • انتهج زيدان في مجلة الهلال منهجاً خبيثاً، وذلك من خلال محاولة إيهام القارئ بأن المجلة تقدِّم له ثقافة إسلامية، عن طريق عرضها لبحث علمي راقٍ عن النبي الكريم، وهو أبعد ما يكون عن العلم والنزاهة الرقي، حيث تضمن أبشع التهم وأكذب الحيل والتطاول على ثوابت الإسلام.
  • ادَّعى زيدان أنه ينتقد الكتاب المذكور ويقرظه (يشرِّح إيجابياته ونواقصه)، لكنه سلك منهجاً غاية في الغرابة من خلال سكوته عن الاتهامات التي حملها الكتاب من قبيل اتهام النبي الكريم بأنه كانت تأتيه نوبات صرع، كما أدعى صاحب المؤلَّف أن الرسول عليه الصلاة والسلام أقام جمعية تشبه الماسونية.

انتقاد جرجي زيدان:

انتقده الكثير من الكُتَّاب والمؤرِّخين والأدباء، حيث انتقده شبلي النعمائي في كتابه «انتقادات كتاب تاريخ التمدن الإسلامي»، وأحمد عمر الإسكندري في كتابه «انتقاد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية»، وكذلك قام لويس شيخو بعمل دراسة موجزة في مجلة «الشرق» انتقد فيها كتاب «تاريخ آداب اللغة العربية» وكتاب «طبقات الأمم»، وانتقده الدكتور شوقي أبو خليل في كتابه « جرجي زيدان في الميزان ».

د. حسين مؤنس يقول عن زيدان: “لقد كان زيدان أشبه ما يكون بهمزة وصل بين الحركة العلمية العربية الناهضة وحركة الاستشراق المتدفقة النشاط في أوروبا وأمريكا”.

والانتقادات الموجهة إليه تتلخص فيما يلي:

  1. اعتماده واستخدامه للمصادر الأوربية في كتاباته عن التاريخ الإسلامي، واقتباس أسلوب الغربيين فيها.
  2. مخالفته لأصول البحث المنهجي في دراسة التاريخ، فافتقدت كتبه التاريخية للتحقيق والتمحيص والتدقيق، فكان ينقل الأخبار الموضوعة والمكذوبة على أنها من التاريخ دون أي تحقق من صحة الأحداث.
  3. إدراج عبارات وألفاظ أساء فيها للعرب في رواياته؛ مثل قوله في رواية «عروس فَرْغَانَة» الصفحة 168: “العربي بمنزلة الكلب اطرح له كسرة واضرب رأسه”، ناهيكم عن عبارات السلب والنهب، وشراذم العصاة، والقوم الظالمين، وغيرها.
  4. ارتكابه أخطاء في النقل أدت إلى تشويه التاريخ الإسلامي، وإيهامه للنقل الحرفي من مصادر لا توجد فيها العبارات التي نقلها.
  5. ركاكة لغته وأسلوبه وكثرة أخطاؤه؛ وهذا ما دفع المهتمين باللغة العربية إلى توضيحها والرد عليها؛ كإبراهيم اليازجي.

كتب جرجي ومصنفاته:

له 22 رواية، تعالج أغلب رواياته صدر التاريخ الإسلامي، من الفتح العربي إلى دولة المماليك (القرن الثالث عشر)؛ وكان مسرح ثلاث روايات أخرى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومشهد رواية «رابعة في مصر» في العقد الأخير من القرن التاسع عشر وفي أيام الثورة التركية؛ وقد طبع بعض هذه الروايات عدة طبعات، وتُرْجِمت كل هذه الروايات إلى عدة لغات، وتنحصر الأهمية الكبرى لهذه المصنفات في أنها بسَّطت التاريخ، وقد كُتِبَت بأسلوب سهل سلس شيِّق.

له أيضاً الكثير من التصانيف؛ منها:

  1. تاريخ مصر الحديث.
  2. تاريخ التمدن الإسلامي: بناه على المصنفات الأوربية المشهورة التي وضعها سديو وكريمر وجولدسيهر وغيرهم، وقد أضاف إليه كثيراً من المعلومات التي استقاها من المصادر العربية، وأكمله بما يعرفه عن الحياة الحديثة في الشرق.
  3. تاريخ العرب قبل الإسلام.
  4. تاريخ الماسونية العام.
  5. تراجم مشاهير الشرق.
  6. الفلسفة اللغوية.
  7. تاريخ اللغة العربية.
  8. آداب اللغة العربية.
  9. أنساب العرب القدماء.
  10. علم الفراسة الحديث.
  11. طبقات الأمم.
  12. عجائب الخلق.
  13. التاريخ العام.
  14. مختصر تاريخ اليونان والرومان.
  15. مختصر جغرافية مصر.
  16. الانقلاب العثماني.
  17. شجرة الدر.
من المقولات الإنسانية جرجي زيدان
من المقولات الإنسانية لجرجي زيدان

اقتباسات من كُتُب جرجي زيدان:-

فيما يلي مقتطفات أو فقرات من كتابي جرجي زيدان، “العرب قبل الإسلام” و”أنساب العرب القدماء”:

  • من أسباب الاختلال؛ مزْج الدين بالتاريخ، فترى في ما يروونه عن القدماء أكثر ما يُرادُ به إظهار التقوى والإرهاب في العِقاب والتنبيه إلى زوال الدُّنيا، فقد ذكروا (المؤرخون) كثيراً من مدافن حِمْيَر (اليمن)، وقرأوا ما عليها من الآثار وتناقلوه، فَوَصَلَ إلينا محشُوَّا بمبالغاتٍ يُرادُ بها العِظة أو الوعيد.
  • للعرب آثارٌ ربما لا تقِلُّ أهميةً عن آثار مصر وبابل، قد طَمَرَتْهَا الرِّمال في اليمن والحِجاز وغيرهما، عليها نقوش حِميرية مكتوبة بالخطِّ المُسْنَد، أو نقوش آرامية مكتوبة بالقلم النبطي أو غيره، لو أُتيحَ كشفُها ودرْسُها لانجلى تاريخ العرب القديم انجلاءً حسَناً كما انجلى تاريخ الفراعنة وتاريخ بابل وآشور.
  • النسبُ قديمٌ عند العرب مثل قِدَمِه عند سائر الأمم السَّامية، والعرب أشدُّ تمسُّكاً به لبداوتهم وتنقُّلِهِم مع فراع أيديهم من جامعة أخرى يرجعون إليها، وقد بالغوا في الحفاظ على الأنساب حتَّى حفظوا أنساب خيولهم إلى أجيالٍ كثيرة؛ فيلحقونها بما اُشتُهِر منها في اللَّحاق أو السِّباق من خيل الجِياد، كأعوج والوجيه ولاحق والغُراب واليحموم، ولو راجَعْتَ ما وَصَلَ إلينا من أخبار النسَّابين لَعَجِبْتَ بعنايتهم في حِفْظ الأنساب وتدقيقهم في ضبطها، وكان أحدهم إذا نسب واحداً تتبَّعَ نسبه من أبيه إلى رهطه فالفصيلة حتَّى يصِل إلى القبيلة، أو بالعكس من القبيلة إلى الفرد.

وفاة جرجي:

توفي جرجي زيدان بالقاهرة سنة 1332هـ-1914م، وقد عاش 53 سنة.

وقال الأديب والشَّاعِر جُبران خليل جبران يرثيه: ” وها قد بلغ النهر شاطئ البحر، فأي متطفِّل، يا تُرى، يجسر أن يندبه أو يرثيه؟، أوليس الندب والنواح خليقين بالذين يقفون أمام عرش الحياة، ثم ينصرفون قبل أن يسكبوا في راحتيها قطرة من عَرَق جبينهم أو دم قلوبهم، أوَلم يصرف زيدان ثلاثين سنة مذيباً قلبه مستقطراً جبينه؟ وهل بيننا من لم يستقِ من تلك المجاري البلورية العذبة؟”.

وختم جبران – المتوفى سنة 1931 م –  بالقول “إذاً، فمن شاء أن يُكرِم زيدان؛ فليرفع نحو روحه ترنيمة الشُّكر وعرفان الجميل بدلاً من ندبات الحُزن والأسى، من شاء أن يُكرِم ذِكر زيدان؛ فليطلب قسمته من خزائن المعارف والمدارك التي جمعها زيدان وتركها إرثاً للعالم العربي”.

المصادر:

  • الأعلام (2/117).
  • جرجي زيدان في الميزان (8 وما بعدها).
  • “العرب قبل الإسلام” و”أنساب العرب القدماء”.
  • كتابات جورجي زيدان، دراسة تحليلية في ضوء الإسلام، دكتور محمود الصاوي.
  • خطط الشام (4/65).
  • البدائع والطرائف، جبران خليل جبران.
  • موجز دائرة المعارف الإسلامية (17/5386).

www.alquds.co.uk

http://kenanaonline.com/users/sayed-esmail/posts/119144

Image by Remon Samuel from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى