أخبار العرب

جذيمة الأبرش .. ثالث ملوك الدولة التنوخية

من أفضل ملوك العرب رأياً، وأبعدهم مَغَاراً، وأشدهم نكايةً، وأظهرهم حزماً

جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم، أبو مالك التنوخي القُضاعي الأبرش ، ويقال له: جَذِيمَة الوضَّاح، ثالث ملوك الدولة التنوخية في العراق.

قيل له: الأبرش ؛ لبرص فيه، فكنَّتِ العرب عنه، وهابت العرب أن تسميه به، وتنسبه إليه؛ إعظاماً له. فقيل: جذيمة الوضاح وجَذِيمَة الأبرش.

جذيمة الأبرش .. منزلته ومكانته:-

يعتبر جذيمة الأبرش ملكاً جاهلياً، عاش عمراً طويلاً، وكان أعز من سبقه من ملوك هذه الدولة، من أفضل ملوك العرب رأياً، وأبعدهم مَغَاراً، وأشدهم نكايةً، وأظهرهم حزماً، اجتمع له ملك ما بين الحيرة والأنبار والرَّقَّة وعين التمر والقُطْقُطانة وَبَقَّةَ وهِيتَ، وأطراف البر إلى الْعُمَيْرِ وَخَفِيَّةَ، وما وراء ذلك، وكانت تُجبى إليه الأموال، وتفد إليه الوفود.

الرحالة المقدسي يصف مآثر مدينة الرقّة التي عاش أبو عبدالله البتاني فيها طويلاً
الرحالة المقدسي يصف مآثر مدينة الرقّة

ضم إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان ممن غزاهم طَسْماً وَجَدِيساً من اليَمَامَة.

وطمح إلى امتلاك مشارف الشام وأرض الجزيرة، وكان ملك العرب فيها أبا الزَّبَّاء عمرو بن الظَّرِبِ بن حسان بن أُذَيْنَةَ الْعِمْلِيقِيَّ مِنْ عَامِلَةِ الْعَمَالِقَةِ، فتحارب هو وجَذِيمَة، فقتل عمرو وانهزمت عساكره، وعاد جَذِيمَة سالماً.

 فجمعت الزَّبَّاء -واسمها نائلة- الجند في تدمر، واستعدت، ثم راسلت جَذِيمَة وعرضت عليه نفسها زوجة، فلما انتهى كتاب الزَّبَّاء إليه استخف ما دعته إليه وجمع إليه ثقاته، فعرض عليهم ما دعته إليه واستشارهم، فأجمع رأيهم على أن يسير إليها ويستولي على ملكها، وكان فيهم رجل يقال له قصير بن سعد من لَخْمٍ، وكان أريباً حازماً ناصحاً، فخالفهم فيما أشاروا به عليه وقال: “رأيٌ فاترٌ، وغدرٌ حاضرٌ”، فذهبت مثلاً، وقال لجَذِيمَة: اكتبها إليها فإن كانت صادقة فلتُقْبِل إليك، فلم يوافق جذيمة ما أشار به قصير، فذهب إليها في جمع قليل، فقتلته بثأر أبيها.

تدمر كما بدت في العام 1898 م – مكتبة الكونغرس

اهتم جذيمة الأبرش كثيراً بالتنبؤ والكهانة وعبادة الأصنام، حيث اتخذ صنمين يقال لهما الضَّيْزَنَانِ، وضعهما بالحيرة في مكان معروف، وكان يستسقي بهما ويستنصر بهما.

يوجد في الكوفة مسجد جَذِيمَة يُنْسَب إلى بنيه.

ربمَّـــا أوفيــت في عـلـــم … ترفعـــن ثوبي شـمالات

في فتـــــو أنـا كالئــهـــم … فـي بلايـا عــورة باتــوا

ثم أَبنــا غانميــن معــــاً … وأنـــاس بعــدنــا مــاتوا

ليــتَ شِعري مــا بعدهــا … نحــنُ أولجنــا وهم فاتوا

جذيمة الأبرش

إنَّ الْعَصَا مِنَ الْعُصَيَّةِ:-

اشتهر جذيمة الأبرش عند أهل الأخبار بفرس له، ذكر أنها كانت من سوابق خيل العرب، اسمها: العصا، وهي بنت الْعُصَيَّة التي لا تجارى، وفيها ورد في المثل: “إنَّ الْعَصَا مِنَ الْعُصَيَّةِ”، وقد نجا قصير بن سعد اللخمي على فرسه هذه، فأخذ بثأره وقتل الزَّبَّاء.

مالك وعَقِيل نُدْمَانَا جذيمة الأبرش اللَّذَانِ يُضْرَبَانِ مَثَلاً:-

جذيمة الأبرش هو صاحب النديمين: مالك وعَقيل، اللذين يضرب بهما المثل، وقد ورد أن رَقَاش أخت جَذِيمَة، رأت عَدِيَّ بن نصر بن ربيعة فعشقته وراسلته ليخطبها إلى جَذِيمَة، فقال: لا أجترئ على ذلك ولا أطمع فيه. قالت: إذا جلس على شرابه فاسقه صرفاً واسق القوم ممزوجاً، فإذا أخذت الخمر فيه فاخطبني إليه فلن يردك، فإذا زوجك فَأَشْهِدِ القوم، ففعل عَدِي ما أمرته، فأجابه جَذِيمَة وأملكه إياها، فانصرف إليها فأعرس بها من ليلته وأصبح بِالْخَلُوقِ، فقال له جذيمة، وأنكر ما رأى به: ما هذه الآثار يا عَدِي؟ قال: آثار العرس. قال: أي عرس؟ قال: عرس رَقَاش. قال: من زوجكما ويحك؟! قال: الملك. فندم جَذِيمَة وأكب على الأرض متفكراً، وهرب عَدِي، فلم يُرَ له أثر ولم يُسمع له بذكر، وانقطعت أخباره.

فأرسل جَذِيمَة إلى أخته، وقال لها: خبريني وأنت لا تكذبيني: أَبِحُرٍّ زنيت أم بِهَجِينِ أم بعبد فأنت أهل لعبد أم بِدُونٍ فأنت أهل لِدُونِ؟

فقالت: لا بل أنت زوجتني امرأً عربياً حسيباً، ولم تستأمرني في نفسي. فكفَّ عنها وعذرها.

وكانت رَقَاش قد حبلت ثم أنجبت غلاماً سمته عَمْراً، فلما ترعرع وشب ألبسته وعطرته وأزارته خاله، فلما رآه أحبه وجعله مع ولده، وأمر فجعل له حلي من فضة وطوق، فكان أول عربي أُلْبِس طوقاً.

ثم وقع ما جعل عمراً يفارق البلاد، وعثر عليه رجلان من قُضَاعَةَ اسمهما: مالك وعَقِيل، فلما عرفاه قدما به على جَذِيمَة، فكافأهما بأن جعلهما ينادمانه ما عاش، وقد ورد ذكر هذين النديمين في أشعار العرب، ومن ذلك قول مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ في رثاء أخيه مالك:

وَكُنَّـــا كَنَدْمَــــانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَـــةً .. مِـــنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا

فَلَمَّـــا تَفَرَّقْنَــا كَــــأَنِّي وَمَالِكًــــا .. لِطُــــولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا

أوائله:-

جذيمة الأبرش هو أول من استجمع له الملك بأرض العراق، وأول من ملك الحيرة، وأول من غزا بالجيوش المنظمة، وأول من عملت له المجانيق للحرب من ملوك العرب، وأول من حذيت له النعال، وأول من رُفِعَ له الشمع.

وفاته:-

قُتِل جذيمة الأبرش نحو سنة 366ق.هـ.

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:

  • الأعلام (2/114).
  • أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام وأخبارها (54).
  • تاريخ الطبري ، تاريخ الرسل والملوك (1/613).
  • موسوعة شعراء العصر الجاهلي، دار أسامة.
  • الكامل في التاريخ (1/313).
  • المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (5/178).
Image by Michaela K from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى