معلومات تاريخية

النويري يتحدث عن جدب مصر ومحيطها في عصره

انتهى سعر القمح إلى مائة درهم وسبعة وستين درهماً عن كُلِّ أردب

تحدَّث المؤرخ الكبير شهاب الدين النويري عن مظاهر الجدب التي عمَّت الدِّيار المصرية إلى جانب الشام والحجاز والمغرب الإسلامي، وذلك في كتابه الموسوعي “نهاية الأرب في فنون الأدب”.

هو أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، المؤرخ الكبير شهاب الدين النويري نسبة إلى نُوَيْرة من قرى بني سويف بمصر، وُلِدَ بقُوْص المصرية سنة 677هـ، ونشأ بها.

اتصل النويري بالسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ووكله السلطان في بعض أموره، وتقلَّب في الخدم الديوانية، وباشر نظر الجيش في طرابلس، وتولَّى نظر الديوان بالدقهلية والمرتاحية، وقد توفي بالقاهرة سنة 733 هجرية.

تأريخه للجدب في الديار المصرية:-

في هذه السنة (694 هـ)؛ قصُرَ النيل ولم يوفِّ، فحَصَل الغلاء، واشتدَّ البلاء بالدِّيار المصرية، وتوقَّف الغيث بالشَّام، فاستسقى النَّاس مرةً بعد أخرى، وأجدَبَت بُرقة وأعمالها، وبلاد المغرب ونواحيها، وعمَّ الغلاء أكثر البلاد والممالك، شرقاً وغرباً وحجازاً، واختصَّت مصر من ذلك البلاء العظيم، وبلغ سعر القمح عن كُل أردب مائة وخمسين درهماً، والشَّعير مائة درهم، واستمر إلى سنة خمس وتسعين وستمائة.

السنة التالية:-

في سنة 695 هـ (1295 م)، اشتدَّ الغلاء بالديار المصرية، وكثُرَ الوباء، وانتهى سعر القمح إلى مائة درهم وسبعة وستين درهماً عن كُلِّ أردب، وقيل: إنه بلغ مائة وثمانين، وأعقب ذلك وباء عظيم، وغلت الأسعار في سائر الأصناف، وبلغ ثمن الفروج عشرين درهماً، .. وبيعت البطيخة، الرطل بأربعة دراهم نقرة، وبيعت السفرجلة بثلاثين درهماً.

هذا بالقاهرة ومصر، وأما على الصعيد الأعلى، وهو عمل قوص وما يجاوره؛ فإن القمح لم يزِد ثمنهُ على خمسة وتسعين درهماً الإدرب، وأعقب هذا الغلاء فناءٌ عظيم.

كان يُحصر من يخرج من باب المدينة من الأموات في اليوم الواحد، فيزيد على سبعمائة أو نحوها، هذا من داخل المدينة من أحد الأبواب، والقاهرة بالنسبة إلى ظواهرها، كالشارع الأعظم والحسينية والأحكار؛ جزءٌ لطيف.

النويري يتحدث عن خيرات مصر.

الوفيات:-

وعجز الناس عن دفن الأموات أفراداً، فكانوا يحفرون الحفرة الكبيرة، ويُرَص فيها الأموات، من الرِّجال والنِّساء، ويُجعل الأطفال بين أرجلهم، ويردم عليهم.

وبعض الأموات لم يجدوا من يواريهم في قبورهم، فأكلتهم الكلاب، وأكل الأحياء الكِلاب، وكان الفناء أيضاً بالأعمال البرانية عن القاهرة ومصر، حتى خَلَت بعض القُرَى وأطراف المدينة، لفناء أهلها بالموت.

ثم انحطَّت الأسعار بالدِّيار المصرية في شهر رجب، ونَزَل سعر القمح إلى خمسة وثلاثين درهماً الأردب، والشَّعير بخمسة وعشرين درهما، وكان أكبر أسباب هذا الغلاء وتزايده بالديار المصرية؛ خلو الأهراء (المخازن) السُّلطانية من الغِلال، وذلك أنَّ السُّلطان الملك الأشرف، كان قد فرَّق الغلال، وأخلى الأهراء منها بالإطلاقات للأمراء وغيرهم، وقصُرَ النيل بعد ذلك، فاحتاجَ وزير الدولة إلى مشترى الغلال للمؤونة والعليق، فتزايدت الأسعار بسبب ذلك.

الشام والحجاز:-

وفي السنة ذاتها؛ قلَّ المَطَر بدمشق وبلاد حوارن، وجفَّ الماء، حتىَّ شقَّ ذلك على المسافرين، فكان المسافر يسقي دابته بدرهم، ويشرب برُبع درهم، فلمَّا اشتدَّ ذلكَ على الناس؛ أشار قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة بقراءة صحيح البخاري بدمشق، وتقرَّر الاجتماع لسماعه بالجامع الأموي، تحت النسر في سابع صَفَر، وطُلِبَ الشيخ شرف الدين الفزاري لقراءته، فأنزَلَ الله تعالى الغيث في تلك الليلة قبل الشُّروع في القراءة، ثم قُرئ الصَّحيح، ووقع المطر في آخر يوم من كانون الأول، واستمرَّ يومين وبعض ليلة، فاستبشر النَّاس بذلك، وترادَف نحو جمعه، ثمَّ جاءَ بعد ذلك ثلجٌ كبيرٌ، في مُستهل شَهر ربيع الأول، ثمَّ ارتفعَ السَّعر، وبلَغَ سعر القمح على كل غرارة مائة درهم وخمسة وستين درهماً.

واشتدَّ الغلاء بالحِجَاز أيضاً، فأبيعت غرارة الشَّعير بالمدينة بسبعمائة درهم، وغرارة القمح بألف درهم ومائة درهم، ثمَّ جاء المَطَر بدمشق في ثاني جمادى الآخرة.

حديث جواد علي عن تميز المدينة بالزراعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى