معلومات تاريخية

جامع النوري في الموصل .. المعلم التاريخي الذي دفع ثمن الحروب

اشتهر بمئذنته العالية المائلة (الحدباء)، كما اشتهر بمدرسته المعروفة

توطئة:-

بُني جامع النوري في مدينة الموصل وذلك بعد نظيريه في كل من حمص وحماة، وكان كمثلهما له شأنٌ كبيرٌ في المنطقة وأهمية تاريخية وأثرٌ لا يُنسى، فجامع النوري هو ثاني أقدم جامعٍ في المدينة العراقية الشمالية بعد الجامع الأموي، وكان لبنائه أسبابٌ مهمة قديمة، كما كان لتاريخه وآثاره المتبقية رموزاً قيمة للمدينة والعراق بأكمله حتى اليوم، وسنتعرف على هذا الجامع بشكلٍ أكبر، وعلى ما تبقى من آثاره..

تاريخ بناء جامع النوري في الموصل:-

بُني جامع النوري في الموصل على يد الملك العادل نور الدين محمود الزنكي، في عام 568هـ/ 1173م، ويعود ذلك لسببين، الأول وفقاً لكتاب “وفيات الأعيان” لابن خلكان بأن الشيخ الزاهد “معين الدين عمر الملا” كان قد أشار بابتياع خربة كبيرة كان حولها أقوال بخطورة بنائها، ولذلك أنفق الكثير من الأموال لشرائها وبناء الجامع في مكانها مع وقف ضيعة من ضياع الموصل عليه.

مئدنة جامع النوري
صورة عن قرب للمئذنة الشهيرة وذلك عام 1932 م – مكتبة الكونغرس

أما السبب الثاني لبناء الجامع؛ فيعود لازدحام المصلين في الجامع الأموي الذي لم يكن غيره في الموصل، فكان هناك حاجة لبناء جامع جديد لأهالي المدينة، ولذلك وكّل الملك نور الدين الشيخ معين الدولة بأمر بناء الجامع عام 566هـ، وبعد عامين أو ثلاثة تقريباً تم الانتهاء من تشييده.

جامع ملفت لأنظار الرحالة:-

كان جامع النوري في الموصل يلفت أنظار الرحالة والمؤرخين منذ قديم الزمان، فقد ذكره أبو شامة المقدسي بقوله “إليه النهاية في الحسن والإتقان”، وقال عنه ابن بطوطة : “..وبداخل المدينة جامعان أحدهما قديم والآخر حديث، وفي صحن الحديث منهما قبة في داخلها خصة رخام مثمنة مرتفعة على سارية رخام، يخرج منها الماء بقوة وانزعاج فيرتفع مقدار القامة ثم ينعكس فيكون له مرأى حسن”.

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..

كما قال عنه ياقوت الحموي في معجمه “في باب ذكر الموصل”: “.. وسورها يشتمل على جامعين، تقام فيهما الجمعة، أحدهما بناه نور الدين محمود وهو في وسط السوق، وهو طريق للذاهب والجائي، مليح كبير”.

وأكثر ما يشتهر به الجامع النوري مئذنته العالية المائلة (الحدباء)، وهي أطول مئذنة في العالم بين مثيلاتها، كما يشتهر بمدرسته المعروفة بمدرسة النوري.

المغول يفعلون فعلتهم:-

تعرض جامع النوري ومدرسته للكثير من الإهمال والخراب عام 1258م وذلك بعد اجتياح المدينة من قبل المغول وتدميرها، وتم ترميمه عدة مراتٍ مع صيانته.

هولاكو
هولاكو اجتاح المشرق العربي خلال فترة وجيزة نسبياً- متحف الميتروبوليتان

ففي عام 1150هـ؛ تم تنظيف الجامع وصيانته من قبل حسين باشا الجليلي عندما تولى ولاية الموصل، وجرى للجامع عملية ترميمٍ أخرى في القرن الثالث عشر الهجري من قبل محمد بن الملا جرجيس القادري النوري، ولكن الجامع عاد للعناء من الإهمال واللامبالاة به لسنواتٍ طويلة، وحتى عام 1942م عندما تم هدمه مع المدرسة وأعيد بناءهما، في عام 1944م تم توسيع مساحته وبناء أربعة مآذن جديدة من قبل مديرية الأوقاف العامة.

الدمار الأخير والمؤسف كان عام 2017م، عندما تم تدمير الجامع النوري مع مئذنته الحدباء الشهيرة، وذلك في خضم الأحداث الإرهابية التي شهدتها أجزاء واسعة من العراق.

تدمير جامع النوري
تدمير هائل لحق بالمدينة ومساجدها ومعالمها التاريخية والدينية

وأياً كان المتسبب في تدمير هذا المعلم الشهير؛ فقد تم خسارة أثرٍ عظيم، وتجري الآن عملية ترميمٍ شاملة وواسعة حتى يعود كما كان.

موقع جامع النوري في الموصل وتاريخ البناء:-

يقع جامع النوري في مدينة الموصل في شطرها الغربي عند الضفة الغربية لنهر دجلة الذي يقسم المدينة إلى شطرين، وتُعرف المنطقة التي تحيط بالجامع بـ”محلة الجامع الكبير”.

وأما بناء جامع النوري في الموصل؛ فلم يبقَ منه بعد هدمه عام 1942م، سوى المنارة التاريخية الحدباء والمحراب وبعضاً من الزخارف الجبسية، ولكن بُني جامع جديد يتكون من مصلى ذو شكلٍ مستطيلي بمساحة 143 متراً مربعاً.

محراب جامع النوري
محراب المسجد النوري في مدينة الموصل

يعتبر المحراب جزءً أصلياً في الجامع وقد كان سابقاً في الجامع الأموي وتم تحويله لنظيره النوري، يتميز بشريطه الكتابي بالخط الكوفي ويضم الكثير من النقوش والزخارف النباتية في ثلاثة صفوف.

صورة قديمة للعراق
العراق والعالم الإسلامي والبشرية جمعاء خسرت هذا المعلم التاريخي الأصيل – عام 1932 م

وأما منارة الحدباء؛ فهي ما تميز الجامع، حيث ترتفع بشكلٍ صحيح عن الأرض بقاعدةٍ مكعبة ثم جزءٍ علوي يرتفع 20 متراً تقريباً، ولكنها تميل بضعة أقدام عن وضعها العمودي، وقبل الوصول إلى الشرفة والقبة تعود لاستوائها، ويصل ارتفاعها إلى 65 متراً، وبعرض 17 متراً، لتكون من أعلى المآذن في العالم.

ولا ننسى ذكر الزخرفة التي تبدو على المآذن على شكل حلقاتٍ بأشكالٍ هندسية رائعة ومعقدة وبزخرفةٍ إسلامية بديعة، وهذه الزخرفة على سبعة أقسام، وللمئذنة مدخلين يتصلان بسلمان منفصلان في البداية ولكنهما يلتقيان مع بعضهما في الجزء العلوي.

ذكر مدينة الموصل ومعالمها عند ابن بطوطة:-

الرحَّالة الطنجي الشهير ابن بطوطة، والذي جال أرجاء العالم القديم؛ لم يغفل عن ارتياد مدينة الموصل وتناولها بالكتابة في مؤلَّفه الشهير “تحفة النظَّار وفي غرائب الأمصار”.

وقال ابن بطوطة – المتوفى سنة 1377 م عن الموصِل: ” هي مدينةٌ عتيقة، كثيرة الخصب، وقلعتها المعروفة بالحدباء عظيمة الشأن، شهيرة الامتناع، عليها سورٌ محكم البناء، مشيَّد البروج، وتتصل بها دور السلطان..”.

ابن بطوطة يصف مشاهداته في الموصل
ابن بطوطة يصف مشاهداته في الموصل

وزاد محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي ” وللموصل ربضٌ كثير فيه الجوامع والحمامات والفنادق والأسواق، وبه مسجدٌ جامع على شط الدجلة، تدور به شبابيك حديد، وتتصل به مساطب تُشرِف على دجلة، في النهاية من الحُسن والإتقان، وأمامه مارستان”.

وأضاف “وبداخل المدينة جامعان أحدهما قديم والآخر حديث، وفي صحن الحديث منهما قًبَّة في داخلها خصة رخام مثمَّنة مرتفعة على سارية رخام يخرج منها الماء بقوة وانزعاج، فيرتفع مقدار القامة ثم ينعكس، فيكون له مرأىً حسن”.

الموصل عند ابن جبير:-

تناول الرحَّالة الشهير ابن جبير الأندلسي (توفي 1214 م) ، مدينة الموصل بتوسُّع في كتابه “رحلة ابن جبير”، وفيما يلي بعضاً مما قاله:

الموصِل: هذه المدينة عتيقة، حصينة فخمة، قد طالت صُحبتها للزمن، فأخذَت أُهبة الاستعداد لحوادث الفتن، قد كادت أبراجُها تلتقي انتظاماً لقُرب مسافةِ بعضها من بعض، وباطن الداخل منها بيوت، بعضها على بعض، مستديرة بجداره المُطيف بالبلد كله، كأنه قد تمكَّن فتحها فيه لغلظ بنيتهِ وسعة وضعه، وللمقاتلة في هذه البيوت حرز وقاية، وهي من المرافِق الحربية.

صورة

وفي أعلى البلد قلعةٌ عظيمة قد رُصَّ بناؤها رصًّاً، ينتظمها سورٌ عتيق البنية مُشيَّد البُروج، وتتّصل بها دُورُ السلطان، وقد فَصَلَ بينهما وبين البلد شارعٌ مُتسِع يمتد من أعلى البلد أسفله، ودِجلة شرقي البلد، وهي متصلة بالسور، وأبراجه في مائها.

جامع النوري الكبير في الموصل في الوقت الحالي:

ظلت المئذنة المائلة صامدة لمئات السنين وكان هناك قلق من تعرضها للتداعي وذلك بسبب وجود المياه الجوفية المحيطة بها، حيث تم إدراجها في مؤسسة الصندوق العالمي للآثار والتراث في قائمة أكثر مئة أثر مهدد في العالم، ولكن الحرب كانت أشد وأقوى، حيث تم تفجيرها مع الجامع في عام 2017م، إلى جانب العديد من الآثار الأخرى في المدينة.

صورة عن قرب لمسجد النوري
المسجد يقع في ثالث أهم المدن العراقية

ترميم الجامع:-

ومؤخراً، تعهدت دولة الإمارات العربية المتحدة بتمويل مشروع إعادة ترميم الجامع والمئذنة، وذلك بعد عامٍ واحدٍ من تدميره بمبلغ يصل إلى 50 مليون دولار، وقد يحتاج الأمر خمس سنواتٍ على الأقل لإنهائه، حيث سيحتاج جهداً كبيراً للإبقاء على بقايا المئذنة القديمة وبناء ما تدمر بنفس النقوش والزخارف بقياساتٍ دقيقة، وبناء مئذنة جديدة مع توسيع في مرافق ملحقات الجامع، وبناء منشآتٍ جديدة أيضاً،  وذلك ما أعاد الأمل لسكان الموصل حيث كان جامع النوري رمزاً مهماً للمدينة لا يجب نسيانه.

المصادر:-

معجم البلدان، ياقوت الحموي.

رحلة ابن جبير، دار صادر، بيروت.

al-ain.com

www.marefa.org

www.aljazeera.net

www.alhurra.com

الوسوم

amal

أمل.. كاتبةٌ سورية مستقلة، تعمل منذ سنوات في ميدان الكتابة الحصرية في الحقول الأدبية والثقافية والإجتماعية وحتى العلمية منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق