Uncategorized

جامع الأمير فخر الدين .. أقدم مساجد جبل لبنان

تميز بطريقة بناء العمارات الدينية على النمط المملوكي بالتفاصيل المعمارية والزخرفة واستخدام الحجارة في البناء والتغطية

توطئة:.

بعد فتح بلاد الشام من قبل المسلمين؛ بُنيت المساجد وتردد صدى الأذان في البلاد فكان له تأثيرٌ كبير على النفوس، وتخرج من هذه المساجد أفاضلة العلماء وأُقيمت فيها الصلوات منذ مئات السنين حتى هذا اليوم.

ومن بين هذه البلاد التي ضمت المساجد الإسلامية؛ الجمهورية اللبنانية، فبُنيت فيها المساجد القديمة والأبنية العريقة، من بينها جامع الأمير فخر الدين وهو أقدم مسجدٍ في جبل لبنان، فما هي قصته وكيف بُني؟! سنتعرف عليه أكثر فتابعوا معنا…

تاريخ بناء جامع الأمير فخر الدين في لبنان:.

تم بناء جامع الأمير فخر الدين في عهد المماليك عام 899هـ/ 1493م، من قبل الأمير فخر الدين الأول بن عثمان بن معن (1516-1544م)، والأمير فخر الدين هو سليل العرب من المسلمين من شبه الجزيرة العربية، وكان من الذي هاجروا من الجزيرة إلى العراق ومن ثم حلب، حتى البقاع وبعلبك ومن ثم بعقلين، وعندما كان يتولى الأمارة في حكم السلطان المملوكي الجركسي قاتيباي وقف إلى جانب العثمانيين في معركة دابق عام 1516م، ليصبح بعد انتصارهم أميراً على الشوف مكافأةً من السلطان سليم الأول على موقفه.

جامع الأمير فخر الدين المعني الأول التاريخي في بلدة دير القمر بجبل لبنان… صفحة مساجد لبنان على الفيس بوك

وقد أنشأ هذا المسجد بعد انتقاله إلى منطقة دير القمر من بعقلين وإقامته بها، واختار مكانه بعناية ليكون وسط البلدة تلتف حوله الحارات والشوارع التي تتفرع منه، كما أمر ببناء أبنية رسميةٌ وسرايا حول الجامع.

النصوص التاريخية في جامع الأمير فخر الدين في لبنان:.

يضم جامع فخر الدين في لبنان أربعة نصوصٍ تاريخية، كُتب الأول بخط الثلث على الحائط الجنوبي لقاعدة المئذنة، يضم آيةً من القرآن الكريم مع ذكر اسم باني الجامع، والنص بالشكل الآتي:

(بسم الله الرحمن الرحيم) (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (24/36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَار (.

وأيضاً (عمّر هذا المكان المبارك ابتغاء لوجه الله العظيم ورجاء لثوابه العميم العبد الفقير إلى عفو ربه القدير المقرّ الفخري الأمير فخر الدين عثمان بن الحاج يونس بن معن غفر الله له. في 5 من شهر الله المحرم من شهور سنة تسع وتسعين وثمان مائة للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام).

ونفس الآية في النص الأول ذُكرت في النص الثاني مع الآية التي تليها، ويقع النص الثاني في أعلى باب المدخل الغربي لجامع الأمير فخر الدين ولكنها كُتبت بخط النسخ، والآية الثانية هي:
(لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).

النص الثالث هو نصٌ تركي يعود للعهد العثماني كُتب أعلى باب المدخل الشرقي للجامع، ويتألف من سبعة أسطرٍ، وها هي مترجمة للغة العربية:

  1. حضرة عبد العزيز مقدم أهل السنة: أجلسه الله دائماً إلى التخت العالي البخت.
  2.  لم ترَ عينا العالمين سلطاناً (مثله): جعله الله بنصره محقق الأمل بالغ السعادة.
  3. أصدر الأمر والفرمان بتعمير هذا الجامع: فإن قيل له في هذا الباب أبو المؤمنين فلائقٌ به.
  4. كم بقي في ظلمة السحاب من شهورٍ وسنين، ثم ظهر كالشمس الحمد لرب العالمين.
  5. وعلى الخصوص الطابور الأول من الألاي الرابع: لقد أحيوه من جديد }إنهم رجال{ أولو قوة.
  6. أيتها الجماعة ادعي لبانيه الأول: أسعد الله روحه في الجنة إلى الأبد.
  7. قال البلوك أمين ذهني تاريخه: ما أحسن مكان العبادة هذا: كأنه فلك السماء. سنة 1278.

كُتب النص الرابع بخط الثلث تم إيجاده ملقى داخل جامع فخر الدين على لوحٍ من حجر وهناك جزء مفقود منه، وهذا ما يتضمنه:

(جدد هذا المكان المبارك ابتغاء لوجه الله العظيم ورجاء لثوابه العميم (العبد الفقير إلى عفو) الله القدير المقر فخري الأمير أحمد بن المرحوم الأمير ملحم بن يونس (يونس بن معن) غفر الله له ولوالديه. في شهر جمادى الأول سنة أربعة وثمانين وألف).

تصميم بناء جامع فخر الدين والترميمات التي مر بها:.

يتكون جامع فخر الدين من رواقين بدون صحن، وكان يتميز بطريقة بناء العمارات الدينية على النمط المملوكي بالتفاصيل المعمارية والزخرفة واستخدام الحجارة في البناء والتغطية، فكان مماثلاً لطريقة بناء المساجد والقصور والبيمارستانات والزوايا في دمشق وحلب وبيروت والقاهرة وطرابلس الشام.

وقد تعرض جامع فخر الدين للعديد من الأضرار خلال الزمان وحصل على عدة عملياتٍ ترميمية، خاصةً بعد هجوم أحمد باشا كجك عام 1022هـ/ 1613م على دير القمر بعد خروج الأمير فخر الدين الثاني بن الأمير قرقماز منها متجهاً إلى توسكانة، ولذلك قام الأمير أحمد بن ملحم بن معن بإصلاحه وترميمه عام 1084هـ/1673م، وذلك مُثبت بنصٍ تاريخي على لوحٍ حجري داخل المسجد.

تم ترميم المسجد غير مرة – صفحة مساجد لبنان على الفيس بوك

وبسبب أحداث الجبل عام 1841م تعرض لكثيرٍ من الأضرار بعد خروج جيش إبراهيم باشا بن محمد علي، ولذلك بقي مهملاً لسنواتٍ لم يتم استخدامه فيها وهذا ما يوضحه السطر الرابع من النص التركي الذي يقول: “كم بقي في ظلمة السحاب من شهورٍ وسنين، ثم ظهر كالشمس الحمد لرب العالمين.”

وفي عام 1860م تعرض لبعض الأضرار والتهديم أيضاً بسبب الأحداث الطائفية في جبل لبنان، حتى قام السلطان العثماني عبد العزيز بإعادة إعماره وترميمه لمحو كل الأضرار التي أصابته نظراً لأهميته وكوناً رمزاً إسلامياً مهماً في جبل لبنان، وكان ذلك في عام 1278هـ/ 1861-1862م، وكان له فضلٌ كبيرٌ في ذلك ويظهر الأمر جلياً في السطر الأول من النص التركي وبقية السطور: “حضرة عبد العزيز مقدم أهل السنة: أجلسه الله دائماً إلى التخت العالي البخت. لم ترَ عينا العالمين سلطاناً (مثله): جعله الله بنصره محقق الأمل بالغ السعادة”.

وقد بقي الجامع على وضعه مستقراً في عهد المتصرفية في جبل لبنان (1861-1914)، حتى أجريت أعمال الترميم في عهد الاستقلال بعد اعتباره من المباني الأثرية عام 1945م بإشرافٍ من مديرية الآثار.

جامع الأمير فخر الدين في عصرنا الحالي:.

بعد أن تحول أولاد الأمير ملحم الشهابي من الدين الإسلامي إلى المسيحية في أواخر النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي وغيرهم في دير قمر أصبح الجامع خالياً ولا تؤدى فيه الصلوات منذ سنين طويلة للأسف، وحتى عندما أرادت القوات السودانية في إطار قوات الردع العربية الصلاة استأذنت لذلك وأقامت الصلاة فيه بين عامي 1976-1977م، بالرغم من ان المسجد كان مركزاً إسلامياً للبلدة للعديد من العصور فكانت تُقام فيه الصلوات والأذكار والشعائر الدينية، وبالأخص في شهر رمضان حيث كانت الاحتفالات الدينية تزهر مع الأعياد، وقد كان مركزاً لبث الأفكار الإسلامية في العصرين المملوكي والعثماني.

ومع ذلك؛ فقد حظي باهتمامٍ بالغ من وزارة الأشغال مع الأبنية المحيطة به بين أعوام 1984-1989م، لتعيد ترميمهم وإصلاحهم ويصبحوا من المعالم التاريخية البارزة بمظهرها العمراني والتراثي في دير قمر وفي الجمهورية اللبنانية.

ابن بطوطة واصفاً بعض مدن لبنان التي قصدها في تجواله

المصادر:.

كتاب المعالم التاريخية والأثرية والسياحية في لبنان والعالم العربي (قسم الجامع في دير القمر) ص 134

amal

أمل.. كاتبةٌ سورية مستقلة، تعمل منذ سنوات في ميدان الكتابة الحصرية في الحقول الأدبية والثقافية والإجتماعية وحتى العلمية منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى