نوادر العرب

جابر عثرات الكرام

قيل: إنَّ بعضَ الكِرَام أملَقَ في العصر الأموي، وارتكبتهُ الدُّيون فقبَعَ في كِسْر بيتِه، ولَم يشعُر في إِحدى الليالي إلَّا بطارقٍ يقرعُ بابهُ، وفي يدهِ خمسة آلاف دينار دَفَعَهَا إليهِ.

فسأل طارقَ البابِ عن اسمهِ، فلَم يزِدهُ على أَن قال لهُ: أنا جابرُ عثرات الكِرام.

فقضى الرَّجُل دينه، وأصلِحِ شأنهُ، وتجهَّزَ للوفادةِ على الخليفةِ، فولَّاهُ تلكَ النَّاحِية، وأَمَرَهُ أنْ يأخُذَ سَلَفَهُ بما عندهُ، وأَنْ يُناقشهُ الحِساب، فسدَّد المعزولُ ما في جرائدهِ، غيرَ أنَّهُ عجَزَ عَنْ خمسةَ آلاف دينار، فأودعهُ السِّجن من أجلها، فأرادتهُ امرأتهُ على أنْ يستعرِف للأمير، فلم يَرْضَ. فما كَانَ منها إلَّا أن رَكِبَت إليه بعدَ هدأة الليل، وقالت لهُ: تدري مَنْ في سِجْنِك؟ قال: فُلانٌ، قالتْ: إنَّهُ لفلانٌ، وإنه لجابرُ عثراتِ الكِرام، فاضطرب، واسترجَع، وكادَ أن يُغشَى عليهِ، وذهَبَ مِنْ ساعتِهِ، وأَطلَقَ وثاقَهُ بيدهِ، ورفَعَ قدرَهُ، وأكرمَ مثواهُ، وطَالع الخليفة بالحال، فاستسنى (رفع ، زاد) قيمتَهُما، وبالغ في الإنعامِ عليهما، وأبقى العمل شركةً بينهُما في تلكَ النَّاحِية، فعاشا أرغدَ عيشٍ وأهنأهُ، فرحمةُ اللهِ على أهل الجودِ والوَفَاءِ، وأَنَّى بهم الآن؟!

كَأن لَـمْ يَكُـنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلى الصَّفَـا .. أنيـسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بمكَّةَ سَامِرُ

غَاضَ الوَفاءُ وَفَاضَ الغَدْرُ وانفَرَجَتْ .. مَسَافَةُ الْخُلْفِ بَيْنَ القَوْلِ وَالعَمَلِ

المصدر:-

العود الهندي عن أمالي في ديوان الكندي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى