معلومات تاريخية

ثلاث عملات وثلاث حكايات إسلامية

كانت العملات بمثابة تجسيد وتجلٍ للقوة الاقتصادية

عملات ذات قيمة مادية كبيرة:-

لنتأمل في القيمة المادية الكبيرة التي تحملها عملات النقود المعدنية، فقط أغمض عينيك لتحصي كل القطع الدائرية المختبئة في جيوب الناس ومحافظهم، هذه النقود التي تزيد من وزن حقائبنا وغالباً ما تُرمى كنقود جالبة للحظ في نوافير المدن الكبيرة أملاً بالفأل الحسن.

لم تكن هذه النقود والقطع المعدنية ذات قيمة أكثر مما كانت عليه في التاريخ القديم، حيث كانت بمثابة تجسيد وتجلٍ للقوة الاقتصادية، وكانت تطوف في مختلف أنحاء البلاد مجتازة الحدود غير آبهة بها.

وكانت هذه عملات -المعدنية الصلبة والمصنوعة من الذهب النقي- قد أدخلت إلى بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط من قبل البيزنطيين، قبل أن يتم فتح هذه البلدان من قبل العرب المسلمين.

وقد تم تداول هذه العملات لمئات السنين واستمرت بعد الفتح الإسلامي لهذه الأمصار، حتى أنها قد انتشرت على امتداد الرقعة الجغرافية الإسلامية.

عملة مسكوكة في سوريا من الذهب قطرها يساوي (2.1) سم.
هذه العملة -التي تظهر في الصورة- مؤرخة في سنة 79 هجرية والموافقة لتاريخ (698- 699) للميلاد، وهي عملة مسكوكة في سوريا من الذهب قطرها يساوي (2.1) سم.
وتوجد هذه العملة في متحف الميتروبوليتان للفنون الواقع في مدينة نيويورك وتم منحها للمتحف من قبل جوزيف دوركي سنة (1898م).

عملية معقدة:-

وإن عدنا إلى سك وصنع هذه العملات؛ فنجد أن الأمر لم يكن أمر بسيطاً سواءً أكان الأمر متعلقاً بعملة ذهبية وفضية أو نحاسية، إذ كانت معامل السك هذه تبحث عن نقشات وتصاميم فريدة لهذه العملات، حيث كانت في وقتها تعبر عن هوية سلالة أو إمبراطورية، وبالطبع أخذ الهدف من سك العملات بعين الاعتبار، وهو ما نلاحظه في مجموعات كبيرة جداً من العملات المعدنية التي شهدت على سلالات وخلافات عظيمة.

عملات الحقبة الأموية:-

خلال حكم سلالة الأمويين وخاصة في فترة حكم الخليفة عبد الملك بن مروان (685 إلى 705هـ)؛ تم في أحد معامل سك العملات صُنع العملة المعروضة أعلاه بكل عناية في سنة (698- 699هـ) حيث قد كانت خالية تماماً من أي تصوير أو تجسيد لصورة.

وقد كان سك هذه العملات بمثابة أحد الإصلاحات الإدارية التي قام بها الخليفة عبد الملك والتي شملت اعتماد اللغة العربية كلغة رسمية لكل البلاد الواقعة في نفوذ الحكم الأموي الذي اتخذ من دمشق عاصمة له.

الرحالة والجغرافي الإدريسي يصف مآثر دمشق
الرحالة والجغرافي الإدريسي يصف مآثر دمشق

فنلاحظ في العملة السابقة أن أحد جانبيها يتضمن إطاراً يكتب الإعلان الإيماني المتمثل بالشهادة ” أشهد أن لا إله إلا الله” وفي منتصف العملة حيث نُقش “لا إله إلا الله”، وعلى الطرف الاخر تتمركز إحدى الآيات القرآنية من سورة الإخلاص “الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد”.

ويلاحظ أن هذه العملة تتميز عن كل سابقاتها بكونها تتبنى الهوية العربية وفي مضمونها معاني التوحيد الإسلامي.

عملات السلاجقة:-

تحمل هذه العملة المختومة في قونية اسم السلطان غياث الدين كيخسرو الثاني السلجوقي على أحد وجهيها، وفي الوجه الثاني يوجد هناك صورة مركزية تصور وجه شمس كامل فوق أسد لتعبر عن قوة عصر هذا السلطان السلجوقي، فيذكر عن هذا السلطان ولعه وحبه الخاص لشكل شمس الأسد هذه حتى أنها بقيت تسك وتُصنع طيلة عشر سنوات متتالية.

هذا الدرهم الفضي يعود إلى عهد السلطان غياث الدين كيخسرو الثاني

هذا الدرهم الفضي يعود إلى عهد السلطان غياث الدين كيخسرو الثاني والذي اعتلى عرش السلاجقة ما بين (1237 إلى 1246م)، هذه العملة المعدنية ترجع في التأريخ إلى سنة (6401هـ، 1243م) وسكت في منطقة قونية التركية، مصنوعة من الفضة وقطرها (2.2) سم وتوجد اليوم ضمن مجموعة متحف الميتروبوليتان في مدينة نيويورك وتم تقدمته كإرث من السيد جوزيف دوركي سنة (1898م).

في أخر سنوات عهد هذا السلطان السلجوقي؛ تم إضافة التعديلات على تصميم هذه العملة الفضية، فأضيف عليها لفظ الشهادة ليبرز على أحد وجهيها، وتبين هذه الإضافة حجم وعي السلطان إلى أهمية الرسائل التي تنقلها العملة والتي تعبر عن شخصية إمبراطورتيه.

المغول في الهند:-

هذه القطعة النقدية الذهبية تعود بنا إلى عهد السلطان جيهان كير الذي حكم المسلمين من (1605 وحتى 1627 م) وتعتبر إحدى قطع العملات الذهبية التي تحمل تصويراً للأبراج الفلكية وترمز لبرج الجدي، وقرار سك هذه العملات المميزة ورد ضمن مذكرات السلطان جيهان كير بنفسه حيث قال:

“في الماضي كان يسك وينقش على أحد جانبي العملات الذهبية اسمي بينما يوضع على جانبها الاخر مكان سكها، الشهر والسنة الموافقة لذلك. أما الآن، وفي هذا الوقت، فإني أرى أنه عوضاً عن كتابة شهر سكها يجب أن يتم تصوير الشخصية المعبرة عن هذا الشهر في الفلك. فتجد أن أحد وجهي هذه العملات سيحمل تصويراً للبرج الذي تكون الشمس فيه لتكون هذه العملات وطريقة سكها خاصة بي لم يعرفها أحد من قبلي”.

 عملة مغولية من الذهب تعود بصنعها إلى سنة (1031هـ)

عملة مغولية من الذهب تعود بصنعها إلى سنة (1031هـ) والموافق لتاريخ (1621 – 1622م)، عملة إسلامية سكها المغول في مدينة أجرا الهندية، قطرها يساوي (2.1) سم وموجودة ضمن متحف المتروبوليتان في مدينة نيويورك تم منحها له من قبل جوزيف دوركي سنة (1898م).

إن هذا الأمر السلطاني في سك الأبراج الفلكية على النقود يُخبرنا عن مقدار اهتمام الإمبراطور المغولي شخصياً في العملات النقدية وتصميمها والرغبة الكبيرة في جعلها ذات فكرة غريبة.

 وما يذكر عن جيهان كير أنه كان يؤمن بالخرافات، وكشفت جلساته وحواراته عن اهتمامه الكبير بالأبراج الفلكية والتنجيم، فمذكراته تعج بذكر الأحداث ذات الحظ الميمون.

اقرأ هنا عن درهم الطير ذو الرأسين للسلطان ناصر الدين الزنكي

المصدر:-

متحف الميتروبوليتان.

https://www.metmuseum.org/blogs/ruminations/2015/globetrotting-coin

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى