أعلام

ثعلب .. إمام الكوفيين في النحو واللغة

كان ثقة حجة صالحاً مشهوراً بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم

اسمه ونشأته:-

أحمد بن يحيى بن يزيد بن سَيَّار، أبو العباس الشَّيْباني الكوفي، ثعلب النحوي هو إمام الكوفيين في النحو واللغة، المعروف بثعلب؛ لأنه كان إذا أجاب عن مسألة يُكرِّر عبارة: من ها هنا وها هنا، فشبَّهوه بثعلب إذا أغار، وُلِدَ في بغداد، في جمادى الأولى، سنة 200هـ.

مكانته العلمية:-

ابتدأ دراسة العربية والشعر سنة 216هـ، وحفظ كتب الفرَّاء كلها وعمره 25 سنة، واعتنى بالنحو أكثر من عنايته بغيره، فلما أتقنته انصرف إلى الشعر والمعاني والغريب ولزم أبا عبد الله ابن الأعرابي بضع عشرة سنة وقرأ عليه العربية، وسمع من عبيد الله القَوَارِيْرِي مائة ألف حديث، وأخذ عنه الأخفش الصغير ونِفْطَوَيْه وابن الأنباري، وانتهت إليه رئاسة الأدب في زمانه.

ثعلب النحوي
الخلفاء العباسيون أبدوا اهتماماً كبيراً بالعلم والأدب والفقه

وكان ثقة حجة صالحاً مشهوراً بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم، حنبليَّ المذهب، مُقدَّماً عند الشيوخ منذ كان صغيراً.

أخلاقه:-

قال ثعلب: قال لي محمد بن عيسى بحضرة محمد بن عبد الله: نحن نُقدِّمك لتقدمة الأمير، فقلت له: “يا شيخ، إني لم أتعلم العلم لتقدِّمني الأمراء، وإنما تعلمته لتقدِّمني العلماء”.

لازم أبو عمر الزاهد ثعلب النحوي زماناً وأكثر من الأخذ عنه؛ حتى نسب إليه ولقب (غلام ثعلب)
ثعلب .. أحد أبرز أعلام النحو

وقال أيضاً: “اشتغل أهل القرآن والحديث والفقه بذلك ففازوا، واشتغلت بزيد وعمرو، ليت شعري ما يكون حظِّي في الآخرة؟!”. قال ابن مجاهد: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، في المنام، فقال لي: «أقرئ أبا العباس ثعلب عنِّي السلام، وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل»، قال العبد الصالح أبو عبد الله الرُّوْذبَارِيُّ: “أراد صلى الله عليه وسلم، أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل، وأن جميع العلوم تفتقر إليه”.

وقال أبو محمد الزُّهْريُّ: كان لثعلب عزاء ببعض أهله، فتأخَّرت عنه؛ إذ لم أعلم، ثم قصدته معتذراً؛ فقال لي: يا أبا محمد، ما بك حاجة إلى تكلُّفِ عذرٍ؛ فإنَّ الصديق لا يُحاسَب، والعدوَّ لا يُحتسَب له.

قال ثعلب: “دخلتُ على يعقوب بن السِّكيت، وهو يعمل بعضَ كتبه، فسألني عن شيء من الإعراب، فتكلمتُ فيه، فلم يقع له فهمهُ، فصِحت، فقال: لا تصِح، فإنما أريدُ أن أتعلَّم، فاستحييتُ”.

أقوال العلماء فيه:-

قال الـمُبَرِّدُ: “أعلم الكوفيين ثعلب”.

إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني
إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني

وقال أحمد بن محمد العَرُوْضِيُّ: “إنما فُضِّلَ أبو العباس أهل عصره بالحفظ للعلوم التي تضيق عنها الصدور”.

وقال أبو الطيب عبد الواحد اللغوي: “كان ثعلب حُجَّةً دَيِّناً ورعاً مشهوراً بالحفظ والصدق وإكثار الرواية وحسن الدراية، كان ابن الأعرابي إذا شكَّ في شيءٍ يقول له: ما عندك يا أبا العباس في هذا؟”.

قال القُطْرُبُلِّيُّ: “كان أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب من الحفظ والعلم وصدق اللهجة، والمعرفة بالغريب، ورواية الشعر القديم، ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين، على ما ليس عليه أحد”.

وقال أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخي: “أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب فاروق النحويين، والمعاير على اللغويين من الكوفيين والبصريين، أصدقهم لساناً، وأعظمهم شأناً، وأبعدهم ذكراً، وأرفعهم قدراً، وأصحهم علماً، وأوسعهم حلماً، وأتقنهم حفظاً، وأوفرهم حظاً في الدين والدنيا”.

سئل الرياشي حين انصرف من بغداد إلى البصرة، فقال: ما رأيتُ فيهم أعلم من الغلام المُنبَّز (أعني ثعلباً).

الجَهْلُ بعد الأرْبَعِين قَبيحُ.. فَزَعِ الفؤادَ وإِن ثَنَاهُ جُموح

وبَعِ السَّفاهةَ بالوقارِ وبالنُّهَى.. ثَمَنٌ لَعَمْرُكَ إِن عَقَلْتَ رَبيح

فلقَد حَدَا بِكَ حادِيَانِ إلى البِلَى.. وَدَعَاكَ داع للرَّحِيلِ فَصِيحُ

ثعلب النحوي

حديث المسعودي عن ثعلب:-

تحدث أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، عن المكانة التي كان يحظى بها ثعلب.

فقد قال صاحب كتاب “مروج الذهب” : إن أحمد بن يحيى كان مقدماً عند العلماء منذ أيام حداثته، إلى كبُرَ وصار إماماً في صناعته.

وزاد المسعودي في سياق حديثه عن اشتغال ثعلب بالعلم فقط”.. ولم يخلف وارثاً إلا ابنة لابنه، فردَّ ماله عليها، وكان هو ومحمد المبرد عالمِين قد ختَم بهما خاتم الأدباء، وكانا كما قال بعض الشعراء المحدثين:

أيا طالب العِلم لا تجهلن.. وعُذ بالمبرد أو ثعلبِ

تجد عِند هذين عِلم الورى.. ولا تكُ كالجملِ الأجربِ

علومُ الخلائقِ مقرونةً.. بهذين في الشرق والغربِ

وأضاف المسعودي -المتوفى سنة 957 م- ” وكان محمد بن يزيد المبرد يحبُ أن يجتمع في المناظرة مع أحمد بن يحيى ويستكثر منه، وكان أحمد يمتنع عن ذلك”.

ويسترسل المسعودي قائلاً: وأخبرنا أبو القاسم جعفر بن حمدان الموصلي الفقيه وكان صديقهما، قال : ” قلتُ لأبي عبد الله الدينوري ختن ثعلب: لمَ يأبى أحمد بن يحيى الاجتماع مع المبرد؟، فقال لي: أبو العباس محمد بن يزيد حَسَن العبارة، حُلو الإشارة، وأحمد بن يحيى مذهبه مذهب المُعلمين، فإذا اجتمعا في مَحفل حُكِم لهذا على الظاهر إلى أن يُعرَف الباطن”.

المسعودي.. الإسم الكبير في التاريخ والجغرافيا

وينقل المسعودي عن ابن الأنباري النحوي قوله: إن الدينوري المذكور كان يختلف إلى أبي العباس المبرد يقرأ عليه كتاب سيبويه؛ فكانَ ثعلب يعذله على ذلك، فلم يكُن ذلك يردعه.

كتب ثعلب:-

  1. الفصيح.
  2. قواعد الشعر.
  3. شرح ديوان زهير.
  4. القراءات.
  5. إعراب القرآن.
  6. معاني القرآن.
  7. معاني الشعر.
  8. ما تلحن فيه العامة.
  9. اختلاف النحويين.
  10. ما ينصرف وما لا ينصرف.
  11. ما يجري وما لا يجري.
  12. الشواذ.
  13. الأمثال.
  14. مجالس ثعلب، وسماه «المجالس».

ثعلب مقتر وثري:-

كان ثعلب مع سعةِ رزقه، وكثرة موجوده؛ ضيق النفقة، مُقتراً على نفسه، مع أنه أصاب نصيباً وافراً من المال في حياته، علماً بأن محمد بن عبد الله بن طاهر، أفردَ له دراً في داره، وأقام له وصيفة، ثم أصبح يقيم له كل يوم سبع وظائف من الخبز الخُشكار، ووظيفة من الخبز السميد، وتسعة أرطال من اللحم، وعلوفة رأس، كما أجرى له في الشهر ألف درهم، وكان يتفقده بشكل دائم.

وبعد وفاته؛ خلَّف ثعلب النحوي وراءه، أحداً وعشرين ألف درهم وألفيّ دينار، ودكاكين بباب الشام، بلغت قيمتها حينذاك ثلاثة آلاف دينار، فرُدَّ ماله على ابنه وابنته، وأوصى إلى علي بن محمد الكوفي من تلاميذه.

وكان إقتار ثعلب على نفسه، لغايةٍ فيه، إذ قال بعض أصحابه في هذا الصدد: “دخلتُ عليه وقد احتجم، وبين يديه طبق فيه ثلاثة أرغفة وخمس بيضات وبقل وخل، وهو يأكل، فقلت له : “يا أبا العباس، قد احتجمت؛ فلو تأخذ لك رطلاً واحداً من اللحم، فأصلحتَ به قُديرة لكانَ أصلح، فقال: رطل لحم، وثمن توابل، ومثله أيضاً للعيال، ماله معنى!”.

ولكن ثعلب نَظَمَ شعراً ينفي عن نفسه هذه الصِّفة المذمومة قائلاً:

أُضَـاحِكُ ضَيفي قَـبْلَ إنـزَالِ رَحْـلِهِ.. ولَم يُلْـهِنـي عَـنهُ غَـزَالٌ مُقنَّـعُ

أُحدِّثُـهُ إنَّ الحَـدِيثَ من القِـرَى.. وتَعْـلَمُ نَـفْسِي أنَّـهُ سَـوفَ يَهْجَـعُ

وفاته:-

ثَقُلَ سمعه، فخرج من الجامع بعد العصر وفي يده كتاب ينظر إليه وهو يمشي، فصدمته فرس فألقته في حفرة، فأُخرِج منها وهو كالمختلط يتأوَّه من رأسه، فمات في اليوم الثاني في بغداد، 17 جمادى الأولى، سنة 291هـ في خلافة المكتفي بن المعتضد، وقد عاش ثعلب النحوي 91 سنة، وكان رأى أحد عشر خليفة أولهم المأمون وآخرهم المكتفي، ودفن في مقابر باب الشام في حجرة اشتريت له وبنيت بعد ذلك.

ارتحل الإمام سعيد بن منصور كثيراً في سبيل طلب العلم وجمع الحديث
أمضى حياته طالباً ومعلماً

المصادر:-

الأعلام (1/267).

إنباه الرواة على أنباه النحاة (1/173/رقم 86).

سير أعلام النبلاء (14/5/رقم 1).

شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/383).

طبقات النحويين واللغويين (171/رقم 74).

الأمالي، للقاسم القالي البغدادي.

العبر في خبر من غبر (1/420).

مراتب النحويين (95).

مروج الذهب، المسعودي.

أمالي المرتضى، غرر الفوائد ودرر القلائد.

نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، محمد الطنطاوي.

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق