معلومات تاريخية

ثروة عظيمة تكونت لدى الدولة العباسية في عهد الرشيد

عمارة بغداد حينذاك فاقت كل حاضرة عُرفت لعهدها

سلّط الشيخ محمد الخضري بك؛ الضوءَ على الثروة التي صارت الدولة العباسية إليها في عصر الخليفة هارون الرشيد المتوفّى عام 195 هجرية.

وفي كتابهِ “الدولة العباسية”؛  قال المؤلف: “أما من حيث ثروة الدولة؛ فقد كان يرِدُّ على الخليفة ببغداد، ما يبقى من خراج الأقاليم الإسلامية، بعد أن تقضي جميع حاجاتها”.

الخراج السنوي في عهد هارون الرشيد:-

وقدّر بعض المؤرخين ذلك الخراج في عهد الرشيد بنحو 400 ألف ألف درهم، يدخلُّ كلهُ بيت مال الخليفة، يُصرف منهُ في مرتّبات الوزراء المُساعدين له والباقي يتصرف فيه.. وهو شيء جسيم.

بغداد في عصر الرشيد

تفويض:-

وجاء في الكتاب المذكور أن الرشيد كان قد أسمحَ خلفاء بني العباس بالمال يعطي منه عطاءً من لا يخشى فقرا للقُصّاد والشعراء والكُتّاب والمنتجعين.

وقد اقتفى أثر الرشيد كبار وزرائه وشيوخ دولته ورؤساء قوّاده، حتى فاضت الأسفار بذكر عطاياهم.

ترك الرشيد في بيت المال ميزانية ضخمة جداً كبيرة غنية، إذ خلَّف بعد وفاته في بيت مال المسلمين 900 مليون دينار ، وذلك على الرغم من سخائه وإفراطه في إكرام من يستحق الإكرام.

رواج وترف في عهد الرشيد:-

وفي عصر الرشيد ، تداولت الأيدي تلك الثروة العظيمة فيُصيب التجارة الرواج في بغداد وسواها، وتُقضى الحوائج، وتكثرُّ المدنية، وبناءً على ذلك، فقد ازدادت ثروة الناس بتِلك المدينة العُظّمى واشتدَّ بهم الترف.

قيلَّ في وصّف الترف الذي أصابَّ بغداد: إن جعفر بن يحيى البرمكي – الذي حظي بمكانة مرموقة في ديوان الرشيد بعد أبيه- ابتنى قصراً أنفق على بنائهِ عشرين ألف ألف درهم.

هارون الرشيد كان له اليد الطولى في تعزيز مكانة بغداد عبر التاريخ

وبفضلِّ ازدهار العاصمة العباسية؛ تغالى الناس في حاجياتهم وتأنقوا في معيشتهم، لدرجةِ أن بغداد باتت مُبهرةً لعين زوارها لما يرونه من بُعدِّ الشبه بين ما عندهم وما يشاهدون من ثرائها وبذخ أهلها وانغماسهم في الملذات ومنح أنفسهم ما ترنو إليه من اللهوِّ والخلاعة، شأنُ كلُّ أمة سالت عليها سيولُّ الثروة.

كيف كان نمط عمارة بغداد في عصر الرشيد ؟

كما تعرّض الشيخ محمد الخضري بك في كتابه إلى نمطّ وفخامة العمارة التي بلغتها بغداد في عهدِّ الخليفة هارون الرشيد.

وقال: إن عمارتها فاقت كل حاضرة عُرفت لعهدها، إذ بُنيت فيها القصورُّ الفخمة التي أُنفِق على بعضها مئات الآلاف من الدنانير.

هذا وقد حكم الرشيد بين عامي 170 و195  هجرية.

هذا وقد تأنقَّ مهندسو بغداد في عصر الرشيد في إحكام قواعدها وتنظيم أمكنتها وتشييدِّ مبانيها.

وبحسبِّ ما جاء في الكتاب؛ فقد أصبحت قصور ُالجانب الشرقي بالرصافة تضاهي نظيراتها في الجانب الغربي التي ضمت قصور الخلافة التي تسرُّ الناظرين.

العمران في كل مكان:-

ففي الجانب الغربي من بغداد؛ كانت القصور تبهر الناظرين من حيث اتساعها وجمالها، حيث امتدت الأبنية امتداداً عظيما، لدرجة أن بغداد بدت وكأنها مدن متلاصقة تبلغ الأربعين على ضفتيّ دجلة.

وقد فاض َّعُمران المدينة إلى ما جاورها من الثنايا، وبحسبِّ الكتاب؛ فقد صارَّ سُكّان بغداد نحو ألفيّ نسمة حتى ازدحمت بقاطنيها.

وكانت متاجرُ البلدان البعيدة تصلُّ بغداد براً وبحراً سواءً من خُراسان أو من الهند والصين، فضلاً عن الشام والجزيرة.

وقد تمتعت طُرُق المسير والتجارة آنذاك بالأمن، وهو ما حرصَ الرشيد على ضمانهِ.

من هو هارون الرشيد؟

الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو جعفر، اُستخلِف بعد وفاة أخيه موسى الهادي سنة سبعين ومئة هجرية.

أمُّه الخيزران الجُرشية، ولِد بالري لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمسين ومئة.

كان الرشيد أبيض طويلاً، مسمناً، جميلاً، مليحاً، فصيحاً، له نظر في العلم والأدب.

كان يسير على درب أبي جعفر المنصور، ويعمل بأخلاقه إلَّا في العطايا والجوائز، فإنه كان أسنى الناس عطية ابتداءً وسؤالاً.. وكان لا يؤخر عطاء اليوم إلى عطاء غد، وكان حبه للفقهاء وللفقه عظيم، وتقديره أو ميله للعلم والعلماء كبير، يحب الشعر ويحفظه، ويستقبل الشعراء وينصت إليهم، ويعظم في صدره الأدب والأدباء.

كان الكسائي معلم الرشيد وفقيهه، ومن بعده لولديه الأمين والمأمون، وكان هارون إماماً في فنون عديدة، النحو والعربية وأيام الناس، وقرأ القرآن على حمزة الزيات أربع مرات، واختار لنفسه قراءة هي إحدى القراءات السبع، وتعلَّم النحو على كبر سنه، وخرج إلى البصرة وجالس الخليل بن أحمد الفراهيدي، واضع علم العروض.

بغداد في عصر الرشيد

شهادات بحق هارون الرشيد:-

  • قال ابن طباطبا الشاعر والأديب (المتوفى 322 هجري) في وصفه هارون الرشيد : ” وكانت دولة الرشيد من أحسن الدُّول، وأكثرها وقاراً ورونقاً وخيراً، وأوسعها رقعة مملكة.. ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والشُّعراء والفقهاء والقرَّاء والقضاة والكُتَّاب.. ما اجتمع على باب الرشيد، وكان يصلُ كل يوم واحداً منهم أجزل صلة، ويرفعه إلى أعلى درجة، وكان فاضلاً رواية للأخبار والآثار والأشعار، صحيح الذَّوق والتمييز، مهيباً عند الخاصة والعامة”.
  • وقال عنه أيضاً: ” إنَّه من أفاضل الخلفاء وفصائحهم وعلمائهم وكرمائهم”.
  • قال عنه ابن الطقطقي في “الفخري في الآداب السلطانية”: “كان يشتبه في أفعاله بالمنصور إلَّا في بذل المال، فإنَّه لم يُرَ خليفة أسمح منه بالمال، وكان لا يُضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخِّر، وكان يُحب الشِّعر و الشِّعراء ويميل إلى أهل الأدب والفقه ويكره المِراء في الدِّين، وكان يُحب المديح لا سيما من شاعرٍ فصيح، ويجزل العطاء عليه”.

ابن عيسى الأسطرلابي .. الفلكي الكبير

المصادر:

  • الشيخ محمد الخضري بك، كتاب الدولة العباسية.
  • الدكتور شوقي أبو خليل، هارون الرشيد، أمير الخلفاء وأجَل ملوك الدنيا.
  • ابن الطقطقي، الفخري في الأحكام السلطانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى