آثار

تمثال جوديا يظهر اكتساب الثقافة السومرية الحديثة لإحساس السكينة

ينتمي النحت لمجموعة من التماثيل المنحوتة على حجر الديوريت

انهارت الامبراطورية الأكدية بعد قرنين من حكمها لأرض العراق القديم، وفي خلال السنوات الخمسين التالية؛ حكم الملوك المحليون دول المدن المستقلة في جنوب بلاد الرافدين.

تماثيل وترانيم وصلوات:-

 وقد أنتجت مدينة لكش عدداً ملحوظاً من التماثيل لملوكها وكذلك الترانيم والصلوات السومرية تحت حكم جوديا (2150 – 2125 قبل الميلاد) وابنه أور ننجرسو (2125 – 2100 قبل الميلاد).

 وعلى عكس الفن في الفترة الأكدية، والذي امتاز بطبيعة حركية؛ فإن الأعمال المُنتَجة بواسطة الثقافة السومرية الحديثة امتازت بإحساس التقوى والسكينة.

تماثيل منحوتة من حجر الديوريت:-

ينتمي هذا النحت – المحتفظ به في متحف الميتروبوليتان- لمجموعة من التماثيل المنحوتة على حجر الديوريت بأمر من جوديا ، والذي وظف مهندسيه في إعادة بناء معابد لكش العظيمة ووضع تماثيله فيها.

 تصوير جوديا في وضع الحاكم الجالس أمام رعاياه، ويداه مطويتان
تصوير جوديا في وضع الحاكم الجالس أمام رعاياه، ويداه مطويتان

العديد من التماثيل تحمل اسمه وإهداءات النجاة الإلهية. في هذا التمثال؛ تم تصوير جوديا في وضع الحاكم الجالس أمام رعاياه، ويداه مطويتان في إشارة تقليدية للتحية والصلاة.

يُقرأ النقش السومري على ثوبه كالتالي:

عندما أسس ننجرسو – محارب إنليل الجبار – فناءً في المدينة من أجل ننكش زيدا ، ابن  نينازو ، المفضل من بين الآلهة ؛ عندما صنع من أجله أرضاً مروية (؟) على الأرض الزراعية؛ وعندما بنى جوديا، حاكم لكش ، الشخص الصريح المحبوب من ربه، معبد إي نانو، طائر الرعد الأبيض، و الـ …. ، “شكله السباعي” من أجل ننجرسو ، إلهه.

ويستطرد بالقول “ثم من أجل نانشي، السيدة القوية  وسيدته قام ببناء بيت سيرارا، حيث يرتفع الجبل الخاص بها من المياه”.

كما قام (أيضاً) ببناء بيوت لآلهة لكش العظماء (الآخرين)  فمن أجل ننكش زيدا إلهه (الشخصي) بنى بيت جيرشو. قام شخص “في المستقبل” وهو ننجيرسو ، إلهه – كما خاطبني إلهي بالتوجه مباشرة نحو الحشد ، لا تجعله يكن حسوداً “؟”

فيما يتعلق بمنزل إلهي “الشخصي” دعه يستحضر “اسم المنزل؛ دع هذا الشخص يكون صديقي، ودعه أيضاً يستحضر اسمي. صمم جوديا تمثالاً لنفسه. ” اجعل حياة جوديا، الذي بنى المنزل، تكون طويلة”. – بهذه الكيفية سمى التمثال من أجله ، وأحضره إلى منزله.

جوديا الشخصية العجيبة:-

لقد ازدهر فن النحت في عصر السومريين الجدد، خصوصاً في مدينة لكش، وذلك لفترة زادت عن قرن من الزمن.

ويعود الفضل في ازهار البلاد عموماً ولكش خصوصاً في مضمار النحت؛ إلى رجل واحد.. هو جوديا الغريب، الذي ظل نحواً من 15 عاماً يرفض حمل لقب الملك مكتفيا بلقب “انسي”، أي الكاهن الذي يلي الملك في منصبه، ويتولى المهام السياسية والدينية في آن معا.

نقش مسماري يعود الى جوديا
نقش مسماري يعود لجوديا

وقد جعل جوديا (أوكودا) من مدينته منتجعاً ومحجاً ثقافياً فريداً من نوعه، إذ حشد في قصورها ومعابدها ومرافقها العامة؛ قدراً كبيراً من التحف الفنية وخصوصاً تماثيله التي تعتبر أروع مجموعة نُحتت تحت إشراف رجل واحد وفي مدينة واحدة.

وقد كان جوديا شديد الحرص على أن يصوِّر في الكثرة من تماثيله واقفاً ومضموم اليدين في غالبيتها العظمى إن لم يكن جميعها.

مواصفات تماثيل جوديا:-

ويبدو عليه أيضاً ماثلاً بين يدي الآلهة في تواضع وتذلل المواطن البسيط، وإن بدا عليه الثقة الملكية، مرتدياً ثياباً كتلك التي يرتديها الرهبان، تكشف عن كتفه وذراعه، وقد تم نحت اليدين ممشوقتين، وأظافر أصابعهما أدق ما تكون، فيما جرى نحت القدمين في غلظ ملحوظ، وذلك بحسب ما أورده كتاب “تاريخ الفن العراقي القديم”.

وقد بدا جوديا على حقيقته في جميع التماثيل المنحوتة له، قصير القامة، غليط العنق قصيرها، لدرجة أن رأسه يبدو وكأنه مغروس بين كتفيه، كما حرص النحاتون على مراعاة الفئة العمرية التي انتمى إليها جوديا إبان نحت تمثاله، والتي تتركز بين سن 25 و 40 عاماً من عُمره.

تمثال جوديا
تم التثبت من أن هذا الجزء من التمثال؛ يخص جوديا

هذا وقد سقطت رؤوس بعض تماثيل جوديا، ثم كشف عنها لاحقا مثل “الرأس المعمَّم” الذي أطلق عليه الاسم قبل أن يتم التثبت من كونه عائداً لهذه الشخصية المتميزة.

وعلى الرغم من التشويه الذي لحق ببعض تماثيله؛ بيد أنها امتازت بدقتها العالية في التعبير، إذ أكدت نظرات عينيه المستقرة ووجنتاه البارزتان وذقنه المدبب وشفتاه الرقيقتان؛ على إصراره على أن يطاع وألا يُردَّ له طلب أو أمر، وهو ما تُردده النقوش المتواجدة على أختامه أو تماثيله.

التشبه بالآلهة في تمثال جوديا!!

ويطعالنا تمثال “جوديا حاكم لكش” -المتواجد في متحف اللوفر بباريس- وقد حمل في يديه إناء متدفقاً أو فوَّراً وهو إناء الخصوبة يفيض منه على الجانبين فيضان، كل فيض منهما في أربعة خطوط تتموج في حركة تمثل الحياة.

وتنتهي المياه الرقراقة لهذين الفيضين إلى آنية على الأرض تتدفق منها سيولا أخرى تروي الأرض وتخصبها، وعلى سطح السيول؛ أسماك تقاوم التيار، والرداء مزركش الحوافي ينبض بالحياة ينبض بالحياة.

وفي إمساك جوديا في هذا التمثال بالإناء ما يجعله في مرتبة الآلهة، فالإناء رمز الخصوبة صفة الآلهة وحدهم، ولهذا نرى الإصرار والتصميم وقفاً على تلك الوضعية في التمثال، وهو الأمر الذي لا نراه في التماثيل الأخرى للحكام، إذ لا نراهم إلا في وقفة المؤمنين الخاشعين يعقدون أيديهم في ورع.

مصدر الترجمة:-

هذه الترجمة تمت بواسطة إدزارد، دايتز – أوتو . 1997. جوديا وسلالته الحاكمة. النقوش الملكية لبلاد الرافدين، إصدار الفترات المبكرة 3/1 . تورونتو. صحيفة جامعة تورونتو. صفحات رقم 57 – 58.

المصادر:

متحف الميتروبوليتان – نيويورك – الولايات المتحدة الأميركية: https://www.metmuseum.org/art/collection/search/329072

http://www.ipernity.com/

تاريخ الفن العراقي القديم سومر وبابل وأشور، ثروت عكاشة

الوسوم

Maha

مها عبيد من مواليد العام 1987 م ، حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم، شعبة ميكروبيولوجي، وأعمل على إتمام دراسة الماجستير، مهتمة بالترجمة والتاريخ واللغات، وشغوفة بتعلم الأشياء الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق