معلومات تاريخية

هل تفوق العجم المسلمين على العرب في الفلسفة والفقه ؟

حركة الترجمة كانت أقوى في الأقاليم غير العربية، خاصة في علوم الفلسفة والمنطق

العجم والعرب في مسيرة الحضارة الإسلامية:-

المتتبع لأسماء الشخصيات الفكرية والفلسفية وحتى الفقهية التي ساهمت في بناء الحضارة العربية الإسلامية؛ يجد بأن غالبية هؤلاء الأعلام ينتمون إلى بلاد وأمصار غير عربية، غير أن هذه الأعلام سرعان ما باتت تكتسب الثقافة والهوية العربية.

هذا الأمر كان جليَّاً منذ بدايات عهد خروج العرب من جزيرتهم وتوسُّعهم في بلاد الشَّام والعراق وفارس ومصر وهي جغرافيا شاسعة شهدت تتابعاً في الحضارات التي قدَّمت للبشرية طيفاً واسعاً من الفلسفات والأفكار والاختراعات، فيما غاب عن أهل الجزيرة العربية أنماط الصناعات والكتابات الفلسفية، بل وفي ظل غياب الأدبيات المكتوبة أساساً، في وقت كانت فيه الغالبية تعيش على تربية المواشي وامتهان التجارة البسيطة ونظم الشِّعر المعتمد على الذَّاكرة القوية التي تمتع بها العرب في قلب جزيرتهم.

العرب تجمعهم سلسلة من السمات وذلك على الرغم من اختلافهم حول أنسابهم
وصف العرب من قبل الصقلي وذلك في القرن الأول الميلادي

وحينما شرع الأمويون في إرساء قواعد دولة ذات طبيعة إدارية حديثة في عصرها، فقد كانت بحاجة إلى الوقود العلمي والفكري الذي يمكِّنها من إدامة وإعلاء شأن إمبراطوريتها التي استقرت عاصمتها في دمشق التي كانت تاريخياً من بين أهم الحواضر التي خرَّجت أسماءً كبيرة من المفكرين والعلماء.

كما كان لبدء عصر التدوين في نهاية العصر الأموي وبداية خلفه العباسي؛ دوراً بارزاً في بروز أسماء فكرية وفلسفية وعلمية غير عربية تعرفها البشرية إلى اليوم، وذلك نظراً لأن هذه الأسماء تنتمي لحضارات عريقة في مجال الكتابة والأفكار والفلسفات مقارنة مع حالة العرب في جزيرتهم.

ولم يقتصر الأمر على معادلة العجم والعرب المذكورة، بل أننا نجد أن غالبية الأطباء الذين كانوا في قصور الخلفاء الأمويين والعباسيين هم من المنتمين للديانات المسيحية واليهودية وحتى الصَّابئة المنتمين لمدرستي جنديسابور والحيرة، قبل أن ينتشر هذا العلم بين العرب المسلمين.

المفكر عباس محمود العقاد أحد أعلام الأدب بمصر، عشق القراءة والمطالعة، وتفرغ للكتابة والتأليف، وأعجب الناس بكتابته، أتقن الإنكليزية، الألمانية، الفرنسية، ...

في العهد الإسلامي؛ اشتركَت الأُمم العجمية حقَّاً في أمانة الثَّقافَة، وكان لفضلائها قسطٌ عظيمٌ في مختلف العلوم والدِّراسات، ولكنها لم تنهض هذه النَّهْضة إلَّا بعد ظُهورِ الإسلام فيها، ولم تكُن لها في إبَّان مجدها القديم فضلة على العُنصُر العربي في الدِّرَاسات النَّظرية التي يُرادُ بها العِلم العِلم، ولا يُرادُ بها العِلم للتطبيق أو للانتفاع به في مرافق المعيشة.

— عباس محمود العقَّاد.

العجم والعرب والفلسفة :-

إن الأمة الإسلامية هي أمة كبيرة تعددت فيها العناصر السكانية والحضارية التي تمازجت مع بعضها البعض، ما جعل الحضارة الإسلامية فريدةً من نوعها ومؤثِّرة لقرونٍ طويلةٍ في بقية نظيراتها التي واكبتها أو أتت بعدها.

فقد ارتبط ظهور الفلسفة العربية الإسلامية وتطورها بتاريخ الخلافة التي أقامها العرب بعد الفتح الإسلامي، فقد شيّدوا إمبراطورية واسعة، مترامية الأطراف.

وقد جاءت الفلسفة العربية الإسلامية وثيقة الصلة بالفلسفة اليونانية القديمة، التي كانت قد انتشرت في آسيا، وقد غدت اللغة العربية، التي حلت محل اللغات الأدبية الأخرى (السريانية، والفارسية، واليونانية، واللاتينية)، أداةً فعالة في التفاعل والتكامل الثقافي بين العرب، والفرس، والأتراك، والبربر، وغيرهم من الشعوب.

اختلاف كبير بين البيئة العربية والبيئات الأخرى التي دخل أصحابها للأسلام

كما تعرَّف المسلمون على المدارس الأساسية في الفلسفة اليونانية القديمة، وكان الإغريقي الكبير أرسطو محط اهتمامهم الأول، حيث كان للترجمة دوراً كبيراً في تطور الفلسفة العربية الإسلامية، حيث نشطت حركة الترجمة بعد انشاء الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد لـ “بيت الحكمة” في بغداد، ولمعت طائفة المترجمين في ذلك الوقت، وفي أواخر القرن التاسع تم الانتهاء من نقل الأعمال الأرسطية الرئيسة إلى العربية.

هذه الانطلاقة المتمثلة في نشاط ترجمة العلوم والأفكار والفلسفات اليونانية وسواها، جاءت عبر مجموعة من الأسماء التي غلب عليها الطابع غير العربي.

أسماء بارزة ساهمت في ترجمة العلوم والفلسفات:-

  • يوحنا بن مَاسَوَيْه، أبو زكريا، من علماء الأطباء، سرياني الأصل، عربي المنشأ، نشأ في بغداد، كان أبوه صيدلانياً في جنديسابور بخوزستان.
  • ثابت بن قرة، أبو الحسن الحراني الصابي الرياضي الطبيب، عالم الطبيعة، الفلكي، الموسيقي، المترجم.
  • حنين بن إسحاق الطبيبب والمترجم وهو أعلم أهل زمانه باللغات اليونانية، والسريانية، والفارسية، وكانت له دراية فيهم مما لا يعرفه غيره من النقلة الذين كانوا في زمانه، بالإضافة إلى إتقانه للعربية والاشتغال، بها حتى صار من جملة المتميزين فيها، وانتهت إليه رياسة العلم باللغات بين المترجمين.
  • إسحاق بن حنين، وكان يترجم كتب الحكمة التي بلغة اليونانيين إلى اللغة العربية كما كان يفعل أبوه، إلا أن الذي يوجد من ترجمته في كتب الحكمة من كلام أرسطا طاليس وغيره أكثر مما يوجد من تعريبه لكتب الطب.

أخطأ المؤرِّخُونَ في قولِهم: عُلوم العرب، وفنون العرب، وتمَدُّن العَرَب، وفلسفة العرب، مع أنَّ هذه الأشياء نتاجُ الأمم غير العربية أكثرَ مِمَّا هي للأُمَّة العربية، فالتَّمَدُّن معظمهُ من نتَاج الفُرْس، والفلسفة أغلبها من نَتَاجِ النَّصَارى النسطوريين والوثنيين الحرَّانيين، والفلاسِفَة الذين ظهروا في دولةِ الإسلام، كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، لم يكُن منهم عربيٌ خالِصٌ إلَّا الكِنْدي، وبالتالي فنسبة الحَضَارِة والمدنية والعِلْم والفلسفة إلى العرب خطأ، وعدم دقَّة في التعبير.

— المستشرق الفرنسي آرنست رينان (1823-1892 م).

أسماء فلاسفة غير عرب سطع نجمهم:-

  • محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الذي يُكنَّى بأبي نصر، وقد حمل لقب الفارابي نسب إلى منطقة فاراب التي ولِدَ فيها وهي ولاية تركية محاذية لبلاد فارس ، ما مكنه من إجادة لغتي القوميتين المتجاورتين
  • الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، أبو علي البَلْخيُّ البخاري، الشيخ الرئيس، أحد فلاسفة المسلمين وأشهر أطبائهم، أصله بَلْخيُّ، ووُلِدَ ببُخارى في شهر صفر سنة 370هـ.
  • محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، الإمام زين الدين أبو حامد الغزالي، الطوسي، الفقيه، الشافعي، حُجَّة الإسلام، وأعجوبة الزمان، وصاحب الذكاء المفرط، الفيلسوف، المتصوِّف، ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة (450هـ) وإليها ينسب فيقال الطوسي.
الإمام الغزالي أحد أكبر المساهمين في صياغة الثقافة العربية الإسلامية

مفكرون وأدباء بارزون من غير العرب:-

  • عبد الحميد الكاتب مولی العلاء بن وهب العامري الأنباري، ولِد في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة 75هـ، بمدينة الأنبار.
  • عبد الله بن المقفع صاحب الرسائل البديعة والبليغة، وُلِدَ في العراق سنة 106هـ، وهو من أهل فارس.
  • سهل بن هارون بن راهبون، أبو عمرو الدَّستُمِيْسَاني، كاتب بليغ حكيم، فارسي الأصل، وُلِد في دَستُمِيسَان بين البصرة وواسط، لمع نجمه أواخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث.
  • أبو الفضل محمد بن حسين ( ابن العميد)، وزير آل بويه، كان فارسي الأصل، من مدينة قم الواقعة في إيران حالياً.
  • عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، أبو منصور الثعالبي النيسابوري، من أئمة اللغة والأدب، وُلِدَ سنة 350هـ.

هذه الأسماء المذكورة أعلاه، تخصُّ مجموعةً من الفلاسفة والمفكرين والأدباء والمترجمين والفقهاء، ممن كان لهم دور كبير في تشكيل وبلورة الثقافة العربية الإسلامية بما يفوق مساهمات نظرائهم العرب، دون أن نغفل وجود أسماء فلسفية وأدبية عربية مميزة من قبيل أبي يعقوب الكندي، وأبي العلاء المعري، والجاحظ، فضلاً عن فقهاء كبار من قبيل مالك بن أنس والشافعي.

فقهاء ومتكلمون عجم بارزون:-

  • الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، والده هو ثابت بن زوطي الفارسي، وقد كان جده من أهل كابل (عاصمة أفغانستان حالياً)، وقد أُسِرَ بالتزامن مع الفتح الإسلامي لهذه البلاد، واستُرِقَّ لبعض بني تيم بن ثعلبة، ثمَّ أُعتِق.
  • واصل بن عطاء المعتزلي المعروف بالغزال، مولى بني ضبة أو بني مخزوم أحد الأئمة البلغاء المتكلمين في علوم الكلام وغيره، وهو رأس المعتزلة ومعلمهم الأول، وهو أول إمام قوي رفع مذهب الاعتزال.
  • الإمام أبو منصور الماتريدي السمرقندي فقيه ومتكلم أصولي، وُلِدَ في سمرقند، من علماء القرن الرابع الهجري.
  • محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر أحمد، أبو الفتح الشهرستاني ، الملقب بالأفضل، الفقيه الشافعي المتكلم على مذهب الأشعري، وُلِدَ سنة 479 هـ بشَهْرَسْتَان.

لماذا تفوق العجم المسلمين على العرب في الفلسفة والفقه؟

1-العرب أمة الكلام التي عجزت عن استيعاب الفلسفة:-

لعلَّ طبيعة العرب الكلامية التي تُحبِّذ الشِّعر والأدَب الشفهي، هي سبب تفوق العجم عليها في ميادين الفلسفة والكلام والفقه، فنحن نرى أن العجم خاصة “الفرس”، والأمم التي دخلت في الإسلام أخرجت إلينا العديد من الفلاسفة مثل: ابن سينا، والفارابي، والرازي، وغيرهم الكثير، بينما لم تُنجِب أُمَّة العرب أي فيلسوفٍ مبكرٍ لامعٍ باستثناء الكندي.

الفارابي لُقِّبَ بالمعلم الثاني بعد أرسطو
الفارابي لُقِّبَ بالمعلم الثاني بعد أرسطو.

أُمَّة الكلام هو اللقب الذي أمتازت به العرب، فقد أنجبت فصحاء امتلكوا زمام اللغة جيداً؛ غير آبهين بالأفكار وبالطروحات الفلسفية، التي تحتاج للصمت والتأمل والاعتماد على التراكم الفكري والحضاري.

العجم والعرب المسلمون تمازجوا منذ وقت مبكر ليوسعوا من آفاق الحضارة العربية الإسلامية التي بلغت ذروتها خلال العصر العباسي ثم ما لبثت أن أخذت في التعرُّج بين صعود قليل وهبوط أكبر.

2-المخزون الثقافي والفكري والحضاري للعجم كان كبيراً مقارنةً بالعرب:-

إنَّ العَجَم خصوصاً الفرس والروم، كان لديهم حضارات قبل الإسلام تقبل علوم الفلسفة والمنطق والنظريات الفلسفية القديمة، المرتبطة نسبياً بعقائدهم الخاصة، أو بتفسيرهم للكون وللأفعال الإنسانية من حولهم، وهذا غير طبيعة العرب التي لم تهضم هذه الأفكار التي تعهدها إلا متأخراً مع الاحتكاك الحضاري مع الآخرين وذلك بعد فتوحات فارس، والعراق، والشام، ومصر، وشمال أفريقيا، لذلك؛ فقد انحصرت الأفكار الفلسفية اليونانية قبل وبعد ترجمتها بالعجم ، ما جعلهم متفوّقين في علوم الفلسفة والمنطق، ومن ثم الفقه في وقت لاحق.

3-حركة الترجمة ساعدت على تفوق العجم المسلمين في الفلسفة والمنطق:-

كتاب في معرفة طبائع الحيوان البري والبحري أرسطاطاليس
كتاب في معرفة طبائع الحيوان البري والبحري أرسطاطاليس

حركة الترجمة كانت أقوى في الأقاليم غير العربية، خاصَّةً في علوم الفلسفة والمنطق، حيث كانت في العناصر التي سكنت الشام والعراق وغيرها أكبر بكثير من العنصر العربي، فعلى سبيل المثال؛ كان السِّريان -وهم من سكنوا الشام قبل الفتوحات الإسلامية وما بعدها- رُوَّاد حركة الترجمة سواء في الفلسفة والمنطق أو في ميادين الرياضيات والحساب والفلك، وقد استمرت حركة الترجمة قروناً بعد الفتوحات الإسلامية، وهي المهمة التي أُلقيَت على كاهِلِ غير العرب .

وبالتالي كان التفوّق العلمي في علوم الفلسفة والمنطق، ونقل الفلسفات الأرسطية والافلاطونية وسواها عند العَجم أكبر منه مقارنة بالعرب، الذين اكتفوا فقط بالمناصب العليا والحُكم، مع العناية ببعض العلوم التي تناسب ميولهم.

الجاحظ الأديب المتهكم اللاذع والفيلسوف المعتزلي

ميزة الصين الصِّناعة، فهُم أصحاب السبكِ والصياغةِ والإفراغِ، والإذابة، والأصباغِ العجيبة، وأصحاب الخَرطِ، والنَّحْت، والتَّصاوير، والنَّسْج، واليونانيون يعرفون العِللَ، ولا يُباشرون العَمَل، وميزتهم الحكم والآداب. والعَرَب لم يكونوا تجَّاراً ولا صناعاً، ولا أطباء، ولا حُسَّاباً، ولا أصحاب فِلاحَة، فيكونوا مَهَنة، ولا أصحاب زرعٍ لخوفهم من صغار الجزية.. ولا طلبوا المَعاش من ألسنة المكاييل، ورؤوس الموازين، ولا عرفوا الدَّوانيق، والقراريط، فحين حملوا حدَّهُم، ووجَّهوا قُواهم إلى قولِ الشِّعْر، وبلاغةِ المنطق، وتشقيق اللُّغة، وتصاريف الكلام وقيافة البَشَر، بعد قِيافةِ الأَثر، وحفظ النَّسب والاهتداء بالنُّجوم، والاستدلالِ بالآثار، وتعرِف بالأنواء، والبصر بالخيلِ، والسِّلاح، وآلة الحَرْب، والحِفْظَ لكلِّ مسموع، والاعتبار بكلِّ محسوسٍ، وإحكامِ شأن المناقب، والمثالب- بلغوا في ذلك الغاية… وميزة آل ساسان (الفُرس) في المُلْكِ والسِّياسة،،، والأتراك في الحُروب.. وليسَ في الأرض كُل تركيٍّ كما وصفنا، كما أنه ليس كل يوناني حكيماً، ولا كل صيني في غايةٍ من الحذق، ولا كُل أعرابي شاعراً، قائفاً. ولكِن هذه الأمور في هؤلاء أعمَّ وأتَمّ.

— الجاحظ (توفي 255 هجري) يتحدَّث عن مزايا الأمم في عصره.

4- تفوق في المجال الفقهي أيضاً:-

وقد سجَّل العجم المسلمون -والذين أُطلِقَ على غالبيتهم لقب الموالي منذ العهد الأموي- تفوقاً على نظرائهم العرب بشكل ملحوظ حتى في المجال الفقهي، ولربما ارتبط ذلك بقدرتهم العالية على الاستباط والقياس والاجتهاد المبني على اطلاعٍ على معارف وعلوم سابقة وراهنة، ويعكس الحوار التالي طبيعة هيمنة العجم على المجال الفقهي منذ وقت مبكر من مسيرة التاريخ الإسلامي:

فقد دخل عطاء بن أبي رباح على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (71-125 هجرية) بالرُّصافة، فقال الثاني للأول: أليس لكَ عِلمٌ بعلماء الأمصار؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، فقال هشام: مَن فقيه أهل المدينة؟ فقال عطاء: نافع مولى ابن عمر، قال: فمَن فقيه أهل مكَّة؟ فقال: عطاء بن أبي رباح، فقال أمولى أم عربي؟، قال عطاء: لا بل مولى!.

قال هشام: فمَن فقيه أهل اليمن؟، قال عطاء: طاووس بن كيسان، قال: مولى أم عربي؟ فرد عطاء بالقول: لا بل مولى، فقال: فمن فقيه أهل اليمامة؟ قال عطاء: يحيى بن كثير، فقال هشام: فمن فقيه أهل الشَّام؟، قال عطاء: مكحول، قال: أمولى أم عربي؟، فقال لا بل مولى، قال: فمن فقيه أهل الجزيرة؟، قال عطاء: ميمون بن مهران، قال هشام: مولى أم عربي؟ قال عطاء: لا بل مولى.

فقال هشام: فمن فقيه خراسان؟ قال عطاء: الضحَّاك ابن مزاحم، قال الخليفة: مولى أم عربي؟، فقال: لا بل مولى، فقال هشام: فمن فقيه أهل البصرة؟، قال عطاء: الحسن البصري وابن سيرين، قال موليان أم عربيان، فردَّ عطاء بالقول: لا بل موليان، فقال هشام: فمن فقيه أهل الكوفة؟، فقال عطاء: إبراهيم النخعي، قال مولى أم عربي؟ قال عطاء: بل عربي وقال (كادت تخرج نفسي ولا يقول واحد عربي).

طروحات أخرى تفسِّر أسباب تفوُّق العجم على العرب:-

يسوق البعض مجموعة من الأسباب الأخرى التي تحاول إيجاد مبررات أخرى لتفوق العجم المسلمين على العرب في علوم الفلسفة والمنطق وحتى الفقه منها ما ورد في كتاب “أبو حنيفة : حياته وعصره – آراؤه الفقهية”، للإمام محمد أبو زهرة، وهي

  • إنَّ العرب في عصر الدَّولة الأموية كانت لهم السيادة والسُّلطان، وكان عليهم الحرب والنِّزال، فشغلهم كل ذلك عن العكوف على الدَّرس والاستقصاء، والبحث والتعمُّق، فيما وجد الموالي حالةً من الفراغ الناجمة عن تهميشهم، الأمر الذي دفعهم نحو المُدارسة والتنقيب والاطلاع والتمحيص، لتسيطر مساهماتهم الفكرية والفقهية على الثقافة العربية الإسلامية.
  • استكثر الصَّحابة من الموالي، فكانوا يلازموهم فيأخذوا عنهم ما عرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا انتهى عصر الصَّحابة؛ كان أولئك حَمَلَة العلم للعصر الذي يليه، لذا فقد كان أكثر التابعين منهم.
  • كان أولئك الموالي ينتسبون إلى أمم عريقة ذات ثقافات وعلم، فكان لهذا التأثير في تكوين أفكار، وتوجيه أذهانهم، بل معتقداتهم أحياناً، فكان النُّزوع إلى العلم فيهم يقارب الجِبِلَّة و الطبيعة.
  • سيطرة أسماء فارسية على بلاط الخليفة العباسي لفترة طويلة، فكانوا مدركين لأهمية العلوم والأفكار والفلسفات من جهة، وتقديمهم للعلماء والمفكرين الفرس على حساب نظرائهم العرب من جهة ثانية، ضمن إطار حركة شعوبية شاركت فيها الأسرة البرمكية التي استند إليها هارون الرشيد كثيراً في فترة خلافته، وامتدت أيضاً لفترات لاحقة من بعده وذلك على الرَّغم من تصفية الرَّشيد لأكثرهم.

رأيتُ أنَّ الفضل في بُنيان العرش العباسي للفُرس عُموماً، ولأبي مسلم الخراساني خصوصاً، فلا غَرْوَ أن تصطبغ المملكة العباسية باللَّون الفارسي، ويكون للفُرْسِ صوتٌ بعيدٌ فيها، فيستأثروا بالخِطَطْ العالية ، ويتولُّوا شؤون الدَّولة، ويديروا سياستها، ويتمتعوا بجميع الحقوق التي كان العَرَبُ يتمتَّعون بها دونهم، فقد أعادَت لهم موقِعة الزَّاب سابقَ عِزَّهُم، فَغَلَبَ عنصرهم على العُنصر العربي، وطبعوا العَصْرَ العباسي الأول بطابعِهِم الخاص.

بطرس البستاني.
  • إن العرب لم يكونوا أهل صناعات، والعلم إذا تفرَّغ له الإنسان صار كأنه صناعة له، وهنا يقول ابن خلدون ضمن سياق كلام طويل:
مؤسس علم الإجتماع ابن خلدون

ثم صارت هذه العلوم كلَّها كأنها ملكات محتاجة إلى التعلُّم، فاندرجت في جُملة الصَّنائع، وقد كُنَّا قدَّمنا أنَّ الصنائع من منتحل الحضر: وأنَّ العرب أبعد النَّاس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية، وبعُدَ عنها العرب، والحضر لذلك العهد العجَم، أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر

— ابن خلدون.

تعرَّف أكثر على : يوحنا بن ماسويه .. الطبيب النسطوري الأمين للخلفاء العباسيين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى